قالوا في الأمثال: «غلطة الشاطر بألف»، وهو مثل مصري خالص، توارد إلى ذهني وأنا أتلقى رسائل من أصدقاء تسألني إن كنت قد استمعت لتقرير «فوزي بشرى» على قناة «الجزيرة» عن سد النهضة؟ فالتقرير منحاز كلية لإثيوبيا ضد مصر، بل وساخر من مقولة «الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل»، وكذلك مقولة إن مصر «هبة النيل»، ولأني لم أكن قد استمعت إليه، فقد اعتبرته كبوة جواد، وهفوة عالم، وإن كانت «غلطة الشاطر بألف»!
عندما شاهدت التقرير، وقفت على أن الرسائل الغاضبة في مجملها ليس لها ما يبررها، وإن بدت لي حساسية مفرطة لمجرد أن صاحب التقرير سوداني، وهناك دعاية في مصر، تتهم السودان بالانحياز لصالح أثيوبيا في أزمة سد النهضة، وهي جزء من الأداء الإعلامي للنظام المصري الحاكم، الذي يريد أن يوحي للشعب أنه يواجه بعداء دولي واقليمي منحاز للجانب الإثيوبي، وهي رسالة تستهدف أمرين: الأول تبرير الفشل المتوقع، وصرف الانتباه بعيداً عن المتسبب فيه وهو عبد الفتاح السيسي بشخصه وصفته، الذي أعطى أثيوبيا موافقة مصر كتابة بدون قيد أو شرط على بناء السد، وبدون أية ضمانات، وما يحدث الآن من تعنت إثيوبي هو تحصيل حاصل!
والأمر الثاني: للتأكيد على حجم التحدي العالمي الذي يواجه «الحاكم الوطني الجسور» عبد الفتاح السيسي، فكل العالم بما في ذلك إسرائيل والسودان وواشنطن هم مع إثيوبيا بسبب المواقف الوطنية للمذكور، وهي دعاية قديمة بدأت منذ أن وقع الانقلاب العسكري، وإذا كان لـ «الفيس بوك» من حسنة فهي في خاصية التذكير بما كتبت في سنوات سابقة، ولأننا في شهر الانقلاب العسكري، فقد ذكرني «الفيس بوك» بكيف أن السيسي رفض الرد على اتصالات من قبل الرئيس الأمريكي، وأنه أخبر من يتلقى اتصالاتهم بأن هناك رئيساً لمصر اسمه عدلي منصور عليه أن يتصل به، وكلام كهذا ردده عمرو أديب، وتوفيق عكاشة، ولميس الحديدي، وخيري رمضان، وباقي «الأبواق الإعلامية»!
ناهيك عن الدعاية الناصرية، أن روح الزعيم خالد الذكر قد حلت في جسد عبد الفتاح السيسي، فيوشك لهذا أن يعلن الحرب على الاستعمار وأعوانه، مع الدعاء بالرحمة لزميلنا الناصري الخلوق حسنين كروم الذي كان لا يذكر اسم عبد الناصر إلا مسبوقا بلقب «خالد الذكر»!
ولم يكن شيئا من هذا صحيح، ففي حديث لقناة تلفزيونية أجنبية قال السيسي معاتبا أن الرئيس الأمريكي لا يتصل به، وأن وزير الدفاع الأمريكي على اتصال يومي به. فلماذا كان يريد من الرئيس أوباما الاتصال وهذا يخالف القواعد العامة، ولم يكن وقتئذ سوى وزير للدفاع استجاب لرغبة الشعب المصري في الإطاحة بالحكم المنتخب، ثم سلم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وأي تجاوز هنا للقواعد العامة يمثل اقراراً أمريكيا بأن ما جرى انقلاب وأن أعلى رأس في مصر هي رأس وزير الدفاع لهذا يتعامل معه الرئيس الأمريكي؟!
أما عبد الناصر فلا يمثل شيئا بالنسبة له، وقد حاولت لميس الحديدي وإبراهيم عيسى أن ينتزعا منه ما يوحي بأن عبد الناصر يمثل له أي قيمة من أي نوع، وذلك في مقابلة تلفزيونية، فلم يتورط في هذا، ولم يذكر عبد الناصر تصريحا إلا في الجانب الاستبدادي من حيث السيطرة على الاعلام، عندما قال إن عبد الناصر كان محظوظا بإعلامه، أما ذكره تلميحاً فكان في حديثه عن حرب اليمن وكيف أنها سبب البلاء الذي حل بمصر، فاستدانت بسببها، وفقدت غطاء الذهب للجنيه المصري. تراه الآن يريد تكرار التجربة في ليبيا، فهل يفعل؟ أؤكد أنه لن يتورط، مع كل التحريض الاماراتي لدفعه لهذا دفعا.
تمويل قطر لسد النهضة
وفي إطار التأكيد على المؤامرة الكونية التي يتعرض لها عبد الفتاح السيسي، ولأن كل الكوارث التي تنزل فوق أم رأسه وأم رأس الشعب المصري، لا بد أن تكون تركيا وقطر وراءها، فقد انطلقت دعاية الأذرع الإعلامية بأن قطر تمول سد النهضة، وهي الدعاية التي صدقها كثير من المصريين ولا يزالون، ومع الأسف أن القطريين لم يتعاملوا معها بجدية ويصدروا نفياً لها مع أهمية النفي، ليتبين بعد سنوات، أن الإمارات وليست قطر هي من تمول بناء السد، وأن الدول والهيئات الدولية (البنك الدولي نموذجاً) كانت قد توقفت على عملية التمويل وجاء توقيع اتفاقية المبادئ، فأقدمت تمول بناء السد، الذي وافقت مصر على بنائه كتابة بتوقيع عبد الفتاح السيسي!
الدعاية في القنوات التلفزيونية المصرية التي عادت وزادت، في أن السودان منحاز لأثيوبيا ضد مصر، ربما هي المسؤولة عن نظرة التربص لتقرير السوداني «فوزي بشرى»، ومن ثم اعتباره منحازاً للأثيوبيين أيضاً، لكن هل جاء منحازاً فعلاً؟
لقد اعتبر المصريون الذين تواصلوا معي، أن العازف «فوزي بشرى»، سخر من فكرة الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، كما سخر من مقولة «مصر هبة النيل»، وهي مقولة نسبها صاحبنا لصاحبها المؤرخ اليوناني «هيرودت»، وهو وصف لم يكن يوافق المصريون عليه، وكانت تتردد دائما حتى في كتب التاريخ المدرسية مع مقولة ناقدة لها وهي أن «مصر هبة النيل والمصريين»!
وقد ذكر «فوزي بشرى» في مقطوعته هذه عبارة «مصر هبة النيل»، وهو يتطرق لدول حوض النيل الأخرى، من غير مصر والسودان وإثيوبيا، مشيراً إلى أنها في المستقبل لن تنظر لهذه العبارة إلا من حيث كونها «وصفا شعريا لا أكثر»!
أما في ما يتعلق بمقولة «الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل» فقد بدا «بشرى» متبنياً لاتجاه أنها تتعلق بالماضي متجاهلة متطلبات الحاضر، وهي أن النيل للجميع، قبل أن ينسب الأزمة لصاحبها فقد تهاوت مقولة الحق التاريخي بتوقيع السيسي على اتفاقية المبادئ!
أساس الأزمة وأصل البلاء
في كتابها لمجلس الأمن رداً على شكوى مصر، قالت إثيوبيا في كلمات مسكونة بالسخرية إن مصر لا تتوقف عن الحديث عن الحقوق التاريخية. وهذا ليس صحيحاً فلم تعد السلطة الحاكمة تتكلم عن ذلك لإدراكها أن الشعب المصري يعلم أن أي اتفاق على الملء لا بد وأن ينسف فكرة الحقوق التاريخية فبناء السد في حد ذاته يعني تجاوزها تماما.
بيد أن هناك من غضبوا من كلمات «فوزي بشرى»، كما لو كان هو من تنازل عن هذه الحقوق التاريخية وليس عبد الفتاح السيسي بتوقيعه المريب على اتفاقية المبادئ بدون عرضها على الشعب، أو للنقاش المجتمعي، وبدون كذلك عرضها على البرلمان، ولا يزال إلى الآن متمسكا بها رغم أنها أساس الأزمة وأصل البلاء!
ربما لولا ردود الفعل لم أكن حرصت على أن أشاهد تقرير «فوزي بشرى»، وكل تقرير له، مع قلة تقاريره، هو مقطوعة موسيقية، كلمات، وأداء، والقاء، فيبدو كما لو كان عازفاً لا مذيعاً. وهو لا ينحاز في لحنه هذا ضد مصر، ولكنه فقط يقرأ الواقع، وواقعنا كمصريين أليم، فهل المسؤول عنه هو من صنع الواقع وهو قائدهم الملهم، أم من قرأ الواقع؟!
شكراً موسيقار الأجيال «فوزي بشرى» على هذا اللحن الموسيقي.
ذكرى أكبر فضيحة إعلامية
يوليو/تموز هو شهر الانتصارات والانكسارات، فهذا شهر ولدت فيه (والله أعلم) كما ولد فيه الزعيم الكبير «هوغو شافيز» وهو شهر شهد انقلابين للجيش في مصر الأول في سنة 1952 والثاني في 2011 وهو شهر فقدت فيه أخي وتؤام روحي الصحافي محمد منير، الذي اعتقل بتهمة الظهور على شاشة قناة الجزيرة، وأطلقوا سراحه بعد أن تأكدوا من حمله لفيروس كورونا ليلقى ربه بعد أيام من الافراج المريب عنه قبل انتهاء المدة الثانية من حبسه الاحتياطي.. لكنه لم يعد مريباً الآن.
وبالرغم من أنه شهر شهد انقلابيين عسكريين ناجحين، فإنه أيضاً شهد فشل انقلاب رتبت له دوائر إقليمية ودولية في تركيا، وظهرت بعض القنوات كضالع في العملية الانقلابية، وليست فقط مجرد ناقل للأخبار، فلما سقط الانقلاب تبدت العورات للناظرين، مثل قناة «سكاي نيوز عربية» وقناة «العربية كوميدي» التي أذاعت أخبارا مثل: «الجيش التركي يعين مجلس سلام لقيادة السلطة، وبيان للجيش بإعداد دستور جديد، وأن الجيش سيطر على المطارات والنقاط الاستراتيجية».
وظلت مئات الأخبار من هذه النوعية لأيام على موقع «العربية» بما انتقل بها بعد فشل الانقلاب إلى منافسة قناة «موجة كوميدي»، لكن القائمين على «سكاي نيوز» كانوا أكثر ذكاء فقد قاموا بحذف كل أخبارهم الهزلية سريعاً، وإن كان هناك من التقط صوراً لبعضها: «مراسلنا: مصدر عسكري أمريكي يقول إن أردوغان يطلب اللجوء إلى ألمانيا. مصدر عسكري أمريكي: رفض السماح لطائرة أردوغان بالهبوط في مطار إسطنبول واتصالات مع السلطات الألمانية للجوء»!
فمن هو المصدر العسكري الأمريكي الذي كان يضلل قناة «سكاي نيوز»؟ بالتأكيد أنه لا يوجد مصدر عسكري أمريكي أو يوغسلافي، لكنه التأليف والفبركة والأكاذيب.
إنها الفضيحة التي يتغنى بها الركبان.
أرض- جو
• قنوات عبير موسى» تخرج من «العربية» على «العربية الحدث» ومنهما على «سكاي نيوز عربية» فتجد «عبير موسى» هنا تتشاجر في البرلمان، وهنا تصرح، وهنا تعقد مؤتمراً، لا شيء يميز القنوات الثلاث عن سائر قنوات المعمورة إلا بهذا الوجود المكثف لعبير موسى!
• وفي اللحظة التي اجتمعت فيها القنوات الثلاث سالفة الذكر مع«بي بي سي»، و«الجزيرة» لنقل ما أذاعه التلفزيون الأثيوبي على لسان وزير الري من بدء عملية ملء سد النهضة، كانت القنوات التلفزيونية الرسمية ليست مشغولة بذلك.
صحافي من مصر