تسببت قناة “بيراميدز” في احراج أهل الحكم في مصر، فكان لا بد من وقفة، روعي فيها أنها الضرورة، التي تقدر بقدرها، كما يقول الفقهاء، و”بيراميدز” محطة تلفزيونية جديدة، يملكها نادي رياضي يحمل الاسم نفسه، وقد أطلقت في مرحلة الحضور الإعلامي السعودي، بعد غروب شمس الاعلام الاماراتي، فلم يبق للقوم في القاهرة، سوى عدد قليل من الصحف، ومثله من المواقع الإلكترونية، ومبلغ علمي أن الأجهزة الأمنية وضعت يدها على كامل القنوات التلفزيونية المملوكة لأبو ظبي، فربما بقيت قناة واحدة جاري تأميمها في القريب العاجل، فلا يأمن السيسي على نفسه من أحد، ولو كان هذا “الأحد” هو نجله “محمود”، سنة الله في الذين خانوا من قبل، وقديماً قال شاعر الربابة: “لا تخن من استأمنك ولو كنت خائن”!
إن شئت الدقة فقل، إن “بيراميدز”، نادي وقناة، تابعة لولي العهد السعودي، دعك من “تركي آل الشيخ”، فهو ليس أكثر من “وكيل أعمال”، وهو يحمل مناصب سعودية، ومكلف بالدوام في القاهرة، وقد فهمت الجماهير هذا، فكانت الرسالة على قسوتها، تنطلق من هذا المعنى، وإذا كان نفوذ ولي العهد، منع حضور الجماهير للمباريات، فقد قامت الجماهير بمهمتها في أكثر من موقع، بهتافها الشهير “طال عمره”، الذي دشن لمرحلة جديدة، هي الفاصل بين “طال عمره” للتفخيم، و”طال عمره” التي صارت تكفي للاهانة والحط من القدر، وإذا استمر هذا الأداء المستفز للناس، فلن يكون غريباً أن يوجه الهتاف، إلى “محمد بن سلمان” نفسه، وليس إلى عامله على القاهرة “تركي آل الشيخ”.
الإعلام السعودي، كان موجوداً في مصر، منذ أن عرفت السعودية قيمة الإعلام، لكنه لم يستفز الرأي العام بهذا النحو، وكانت علاقة حسني مبارك (أبو علاء) قوية بالسعودية ومع ذلك لم نشاهد هذا الأداء الخائب، الذي يصور “وكيل الأعمال” كما لو كان قد وضع مصر بكل تاريخها، في “جيبه” فيتصرف على طريقة “تجار المواشي”، وقد هبطوا بأموالهم على سوق الجمال، لشراء كل ما فيه!
الذين عملوا بالصحافة في عهد مبارك، يدركون أن السعودية كانت خطاً أحمراً، وبدون إعلان أو ضجيج، ولم يكن مبارك يتسامح أبداً مع من يهاجم السعودية ولو بشطر كلمة، وقد أغلق حزباً معارضاً وصحيفته، لأن القذافي يمولهما وقد عهد اليهما بتبني دعوته الشهيرة الخاصة بتدويل المقدسات، ولكن لكي يكون الأمر مقبولاً أمام الرأي العام، فقد طلب مبارك ثمناً لهذا، ولم يطلب رزاً، فقد كان الرز مفروغاً منه، وكان الثمن هو إغلاق جريدة سعودية، توسعت في نشر قصة “فتاة العتبة”، وهي الفتاة التي تعرضت للتحرش الجنسي في حافلة تابعة لهيئة النقل العام، وكانت حادثة مشهورة في وقتها!
القاهرة كانت في عهد المخلوع مفتوحة للقنوات السعودية التي يملكها أفراد سعوديون، وإن كان منهم من هم على خلاف مع مراكز القوى في مصر، وفي مذكراته كتب الاعلامي “حمدي قنديل”، شفاه الله وعافاه، إن وزير الإعلام صفوت الشريف كان يكره الشيخ صالح كامل، صاحب قنوات “إيه أر تي” وما أمكنه فعله تجاهه، أنه أوقف البث بعد سنوات من وجود شبكته التلفزيونية في القاهرة، بحجة أنها تبث من خارج مدينة الانتاج الإعلامي، ويومها كتبت أنا عن دوافع القرار، لا سيما وأن مخالفة القانون قديمة، وفسرت لنا المذكرات السبب، لكن “إيه أر تي” عادت بعد أيام للبث من خارج المدينة أيضاً.
التصرفات الصبيانية
ولم يخرج صالح كامل ليعلن تحديه للقرار، أو يستفز بأدائه الرأي العام، فقد أنهى الأزمة في السر، وبعلاقات على مستوى أعلى، دون حتى أن تسيطر عليه شهوة الانتقام فيظهر صفوت الشريف في صورة العاجز على تحديه، وقد كتبت أيضاً عن التراجع وسألت عن أسبابه، ولم يعلق أحد من الأطراف المختلفة، ماذا أقول؟ هل يمكن القول إننا في مرحلة جديدة، يحكم فيها حدثاء الأسنان، فأنتجت هذه التصرفات الصبيانية، والانبطاح الذي استفز الجماهير فهتفت “طال عمره”؟!
أهل الحكم في السعودية، يدركون أن عبد الفتاح السيسي لا يقيم وزناً سوى للرز، فالحياة عنده كما عبر عنها مدير مكتبه في تسريبات “مكملين”: “هات وخد”، والمليار في عرفه هو “حبة”، اضافة إلى المسميات الشعبية للمصاري، فالجنيه “لحلوح”، والعشرين جنيها “حنطور” (راجع أغنية أركب الحنطور وأتحنطر لتعرف المقصود بالحنطور)، والمليون جنيه “أرنب”، وهكذا، وقد فقدت العملة المصرية قيمتها، فلم يعد الجنيه “لحلوحا”، وإنما أصبح المليار منه مجرد “حبة أرز”!
وفي مواجهة الشغف بالرز، كان طبيعياً أن يأتي مجرد “وكيل أعمال”، لولي العهد السعودي، فيتصرف في مصر تصرف المالك في ما يملك، ويهينها حاضراً وتاريخاً ومستقبلاً، ويتطاول على مقام النادي الأهلي، وهو أقدم من الدولة السعودية نفسها، وأمام انبطاح الدولة المصرية، من رئاسة النادي الأهلي إلى رئاسة مصر، بدت قدرة “تركي” في أن يبيع فيها ويشتري، إلى حد أن تتدخل السلطة في مصر، في مشاجرة جرت بين المذكور، والمطربة “أمال ماهر” ويجري اجبارها على سحب بلاغ بالاعتداء عليها قدمته لقسم الشرطة!
ولم تتدخل السلطة في عهد مبارك في الهجوم على الجور على حقوق المصريين العاملين لدى الأمير “تركي بن عبد العزيز” والاعتداء عليهم، وهي عملية كانت مكررة، وكان الأمير يحل مشاكل زوجته المتهمة بالاعتداء والجور بطريقته الخاصة، وكان لمثلي أن يلمس هذا بتوقف الكتابة عند وقوع حادث جديد، ممن كتبوا عنه في المرة السابقة، وأزعم أنني كنت من الذين واصلوا الكتابة في كل مرة، وحدث أن استوقفني أحد الزملاء، بعد أن ألقت الحرب أوزارها، وأنا في طريقي في وسط القاهرة، وأخبرني أنه عمل لفترة طويلة مستشاراً صحافياً للأمير، وأن الرجل رحمه الله، كان منزعجاً مني بشكل شخصي، وبدا له أني أتربص به في كل مرة، وما أكثر المرات، وقد طلب من الزميل أن يتصل بي، لكنه رد عليه “إنسى طال عمرك”. وقبل أن تصبح “طال عمرك” كلمة نابية!
وعاد الأمير يسأله: “هل هو غني؟!”، يريد أن يتأكد من أن المال لا يعنيني، ورد الزميل: “أبداً إنه يأكل فول وطعمية ويتصور أن هذا هو طعام الملوك”، وأزعجتني هذه السمعة، فعندما نشرت جريدة “المدى” العراقية قوائم أثرياء الحصار على العراق الذين استفادوا مما أطلق عليه “كوبونات النفظ مقابل الغذاء”، راعني أن وفداً ضمني يوماً ما إلى بغداد مع كل هذه الأسماء، واتصلت بأحدهم ممن وردت أسماؤهم: لماذا أنا لم يفاتحني أحد في “كوبون” واحد يتيم الأبوين؟ فرد: وهل كنت ستقبل؟! قلت له: هم يعرضون وأنا أرفض فأشعر بالعظمة أمام نفسي!
قرار الأعلى للاعلام
خُلاصة القول، إنه رغم قرب نظام مبارك من أهل الحكم بالسعودية فإنه لم يتدخل لوقف الهجوم على الأمير “تركي بن عبد العزيز” في الصحف، لكن نظام عبد الفتاح السيسي ينفر خفافاً وثقالاً دفاعاً عن “تركي بن الشيخ” من غير “الأمير” فهو مجرد مندوب للأمير “محمد بن سلمان”، وقد شاهدنا كيف تحولت برامج تلفزيونية إلى “ساحة ردح” لكل من اقترب من الرحاب الطاهرة لتركي الأخير، ويدفع النظام الحاكم بمن يرشوا بالنار من يرشوا “آل الشيخ” بالماء، وإذا بقناة “بيراميدز” تفرش فيها “الملايات”، وينطلق منها السباب في وصلة ردح معتبرة، ومن نائحات مستأجرات يؤجرن أرحامهن كما يؤجرن أصواتهن!
في وقائع مشابهة، اجتمع المجلس الأعلى للاعلام في اليوم التالي، واتخذ قراره على الفور بغلق القناة أو وقف البرنامج، أو منع مذيع من الظهور، لكن في هذا الواقعة تم ترك الأمور تجري في أعنتها لأكثر من أسبوعين، فالواقعة حدثت يوم 14 الشهر الماضي، والقرار صدر في 28 الشهر الماضي، وبالتمرير، فلم ينعقد المجلس الأعلى للاعلام، واللافت أنه مؤرخ بتاريخ صدوره لكن اعلانه كان بعد ظهر يوم 2 الشهر الجاري، وبعد أقل من ساعة صدر قرار جديد في حالة رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور، وصدر أيضاً بالتمرير، فلم يجتمع المجلس، فهل صدرت هذه القرارات من المجلس فعلاً؟!
لقد تم وقف قناة “بيراميزا” لمدة خمسة عشر يوماً، وفي حالات أخرى كان الوقف كاملاً “الفراعين أنموذجاً”، كما تم وقف أحد مقدمي البرامج للمدة نفسها، وفي حالات أخرى كان الوقف للأبد “توفيق عكاشة نموذجاً”، أما القرار الذي ألغي بعد اعلانه بساعة، فكان ينص على المنع النهائي لظهور “منصور” فإذا بالقرار الجديد ينص على أن المنع لمدة ثلاثة شهور فقط، ويستثني من ذلك ما له علاقة بنشاطه البرلماني كعضو في مجلس النواب!
وقد استيقظ القوم فجأة ليكتشفوا أن قناة “بيراميدز” تبث من خارج مدينة الانتاج الاعلامي، الأمر المخالف للقانون، وهو ما أعلنه المسؤول عن المدينة ووزير الإعلام في عهد المجلس العسكري، والنائب في برلمان السيسي “أسامة هيكل”، كما أعلنه في وقت لاحق المجلس الأعلى للاعلام.. هكذا فجأة يا قراء، ونسوا وقد فتحوا أفواههم أن يجيبوا بالمرة عن كيفية انهاء اجراءات تأسيس القناة والموافقة عليها بهذه السرعة، ففي الوقت الذي أعلن فيه “تركي الشيخ” عن قناته “بيراميدز”، كانت القناة على القمر الصناعي؟ وكيف أمكن لنادي “بيراميدز” الحصول على الترخيص؟! وقانون الإعلام ينص على شرط الجنسية المصرية لمن يحق لهم تملك القنوات التلفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام، سواء كانوا أشخاصاً طبيعية أو اعتبارية، عامة أو خاصة، أما بالنسبة لغير المصريين فان النص فيهم هو عدم جواز تملك نسبة عالية من الأسهم، أو نسبة تخول لهم حق الادارة!
وما لم ينتبه له الناس في بلدي، أنه في ظل القانون الجديد الذي أقره برلمان السيسي ووقعه هو سقط حق الأندية والهيئات الأخرى في إصدار الصحف أو تملك القنوات التلفزيونية أو المواقع الإلكترونية!
ما علينا، فمن الواضح أن أهل الحكم استشعروا الحرج لمستوى الابتذال في “بيراميدز” فكان هذا القرار ذراً للرماد في العيون، وروعي فيه أنه للضرورة التي تقدر بقدرها، وللضرورة أحكام كما يقولون، وربما بالإضافة إلى هذا أن ولي العهد السعودي توقف عن طخ الرز. ابعت يا محمد.
صحافي من مصر