تطرق د. منير السعيداني في هذا الحوار لـ “القدس العربي” إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع، معتبرا أن مناقشة أدوار علم الاجتماع بتقلبات عدة في تونس، منها المساعدة على البناء الوطني، والتنبيه إلى مآزقه، واستشراف مستقبلاته الممكنة. وأكد أن الممارسة السوسيولوجية البحثية قد تغيرت في البلاد في مستوى آليات إنتاج المعرفة السوسيولوجية وفي كيفيّات تداولها. وأضاف أن تهميش الشباب جعل بعض الفئات تحوّلُه إلى مُبَرِّرٍ اجتماعي للانفصال الواعي عن “مجتمع الدّولة”. يشار إلى أن السعيداني هو أستاذ علم الاجتماع في المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس ونال عددا من التكريمات والجوائز، وهو باحث زائر لدى معهد الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، جامعة جورج أوغست، غوتنغن ألمانيا. ولديه عديد الأبحاث المنشورة والمؤلفات، إضافة إلى عديد المقالات بالإنكليزية والفرنسية.
وفي ما يلي نص الحوار:
*تونس رائدة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهي بلد عالم الاجتماع ابن خلدون، هل تعتقدون أنها واصلت ما بدأه بطريقة ما؟
**لست متيقنا من أحقية اعتبار تونس رائدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولا يكفي بطبيعة الحال أن تكون بلد ابن خلدون (1332-1406) حتى تكون كذلك. لقد تبين من الدراسات في تاريخ العلوم الإنسانية والاجتماعية العربية أنّ وراثة ابن خلدون، في معنى مواصلة ما بدأه وتعميقه وتطويره ليست أمرا هيّنا. لقد عرف مسار مقدمة ابن خلدون (1377) ذلك الإسهام الأساس في واحدة من أهم وأبكر تأسيسات علوم الاجتماع، لحظات تاريخية كبرى ليس منها تونسيًّا إلا القليل. كانت اللحظة الأولى، وهي لحظة التلقي، عربية بشقّين، مشرقي مع ابن حَجَر العسقلاني (1372-1449) الفلسطيني المولد كما يدل عليه لقبه، ومغربي مع ابن الأزرق (1427-1491) الغرناطي المالقي، ولم يكن فيها إسهام تونسي على ما هو معروف اليوم. وكانت اللحظة الثانية، هي لحظة الاتصال ضمن الثقافة الإسلامية، وكانت عثمانية مع كاتب جلبي المعروف بحاجي خليفة (1609-1657) ومصطفى نعيمة (1655-1716) وليس فيها إسهام تونسي. وإذا ما تجاوزنا اللحظة الثالثة، وهي لحظة الاكتشاف الأوروبي للمقدمة، وعلى الخصوص مع الفرنسيين بارتيليمي دربولو دومولانفيل (1625-1695) وسيلفستر دو ساسي (1758-1838) تظل وحدها اللحظة الرابعة ذات إسهام تونس. عنيتُ هنا لحظة إعادة اكتشاف ابن خلدون ومقدمته خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ضمن النهضة العربية. وربما أضفنا إسهاما آخر، ضمن اللحظة الخامسة التي تبدأ مع إحياء-استدماج المقدمة ومؤلِّفِها ضمن الأكاديمية العربية الحديثة الناشئة، وذلك منذ أن أنهى طه حسين (1889-1973) دكتوراه عن “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية” في السوربون (1917) ونشرها معربة في القاهرة (1925). ويصح الإسهام التونسي في هذه اللحظة الأخيرة على الأخص، انطلاقا من السنوات الستين من القرن العشرين مع انطلاقة الجامعة التونسية.
وربما سمحت لنا هذه المراجعة التاريخية الخاطفة أن نقول إن لحظتي الاستعادة-المواصلة التونسية لما أطلقه ابن خلدون ذَاتَ وجهين. أولّهما اعتباري، في معنى الاعتبار بالدروس والعبر التي يحويها أثره والاستدلال بها في قراءة الواقع وعلى الأخص عندما يكون متأزما. وكانت تلك حال لحظة النهضة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر مع خير الدين باشا (1820-1890) وأحمد ابن أبي الضياف (1803-1874) ومحمد بيرم الخامس (1840-1889) حتى أن أول جمعية ثقافية تونسية كانت “الجمعية الخلدونية”(قرار تأسيسها في 1896 وحفل افتتاح نشاطها 1897). ثاني الوجهين معرفي، في معنى إعادة قراءة ابن خلدون قراءة تجديدية، بأدوات حديثة، من أجل بناء نَظَرٍ مخصوص في المجتمع في سياق ما بعد استعماري، وحتى ديكولونيالي (مقولات الاستقلال، والبناء الوطني، وتحرير المعرفة السوسيولوجية من استعماريّتها). وللَّحظتين، بمعنيي الاعتبار والمعرفة، أهمية بالغة لا في مواصلة ما بدأه ابن خلدون فحسب، ولكن في بناء تجربة تونسية مخصوصة في تدريس علم الاجتماع وخوض البحث فيه.
*هل نفهم من هذا أن أدوار علم الاجتماع تتغير؟
**نعم، وليس علم الاجتماع شاذا عن بقية العلوم في ذلك، ولا أعني العلوم الإنسانية والاجتماعية فحسب بل العلوم الطبيعية أيضا، وغيرها. من الممكن، طبعا، أن نقول إن المعرفة العلمية الاجتماعية لها على الدوام أدوار دعم جهود المجتمع في بناء أسس العيش المشترك وتوفير مستلزمات الاستجابة لحاجات الناس الأساسية وتطوير قدراتهم الجسدية والذهنية والنفسية، ومساعدتهم على التأقلم مع بيئاتهم الطبيعية والاجتماعية، وعلى الإبداع والتحرّر. ولكن هذه الأدوار تتغير في تخصيصها على كل فترة تاريخية محددة وكل مجتمع بعينه. خصوصية علم الاجتماع أنه معرفة بالمجتمع ذاته في تركيبه، وكيفيات تشكله وآليات تغيّره، مع عدم إغفال ما يعتري ذلك من مآزق وأزمات، وما يكون فيها من رهانات القوة والسلطة وتنازع الهيمنة والتحرر.
ولقد مرت مناقشة أدوار علم الاجتماع بتقلبات عدة في تونس، منها المساعدة على البناء الوطني، والتنبيه إلى مآزقه، واستشراف مستقبلاته الممكنة بما في ذلك مستقبلاته الثقافية، وعرض-تفسير مظاهر التفاوت، واللاعدالة والحيف الاجتماعي، وكان هذا هو، تقريبا، مسار المناقشات التي خيضت بمناسبة الانطلاق في تدرس علم الاجتماع في تونس (ستينات القرن العشرين) وتعريبه (سبعينات القرن العشرين) والتوجه نحو مَهْنَتِه (تسعينات القرن العشرين). ولم تكن أدوار علم الاجتماع بوصفه علما يعتمد البحث الميداني بعيدة عن المناقشات حول أدواره بوصفه مادّةً تُدَرَّس في الجامعة. ولكن أهم ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن الاختلافات حول تحديد هذا الدور أو ذاك لعلم الاجتماع لم تكن من دون نزاعات تبدو معرفية، وهي كذلكَ، ولكنها ليست معرفية خالصة، إذ هي في عمقها اجتماعية.
خلال العشريات الماضية على وجه الخصوص، وفي العديد من مناطق العالم، تنامت الدّعوات إلى تأكيد الدور العمومي لعلم الاجتماع. أنا من الداعين إلى هذا الدور، وهو بصدد التنامي في تونس وفي غيرها من البلدان القريبة أيضا، وعلى الأخص منذ ثورات 2010-2011. ويعني هذا الدور تغييرا في كيفية بناء العلم بحيث لا يُكْتَفَى بوجوده داخل أسوار جامعة ظلت على الأغلب منغلقة على نفسها، بل مع الناس في عمومهم، بمن فيهم غير العارفين، ومن خلال الاشتراك معهم في بنائه الحقائق بالتحقيقات الاجتماعية الواسعة، وإعطاء الكلمة لأفراد المجتمع ومجموعاته وجماعاته، ثمَّ بالعودة إليهم بما يتمّ بناؤه من معرفة عالمة بالمجتمع، لمناقشتها وإثرائها وبيان أوجه استخدامها العمومي لفائدة أوسع فئات الناس كما قلتُ.
وقد لاحظتُ أن الممارسة السوسيولوجية البحثية قد تغيرت في تونس في مستوى آليات إنتاج المعرفة السوسيولوجية (بظهور المراكز البحثية الخاصة) وفي ما يهم نوعيّة تلك المعرفة (أكثر مواكبة لحركة المجتمع) وفي كيفيّات تداولها والاستفادة منها (النشر الورقي والافتراضي المكتوب وغير المكتوب). وقد حاولتُ أن أساعد على الاستفاضة في هذا الأمر في بحث منشور مؤخرا بعنوان “التّغير الاجتماعي والتحوّل السّوسيولوجيّ”.
*في هذا السياق، لديكم العديد من المؤلفات التي تناولت التجربة الثورية التونسية مثل كتاب ”التنظيمات السياسية والمدنية في الانتقال الديمقراطي بتونس” إضافة إلى كتاب ثان عنوانه ”يريد ويبدع ما يريد: الشباب في الانتقال الديمقراطي في تونس” (صَدَرَا 2012). ما أهم النتائج التي توصّلتم إليها في دراساتكم حول دور الشباب في الانتقال الديمقراطي؟
**إن سمحتِ لي، أضيفُ إلى ما تفضلتِ بذكره، كتيّب “الحركات الاجتماعية في تونس. السّياقات، الفاعلون، الأفعال وسيناريهات التطوّر المُحْتَمَلة” (2018). حَامَتْ تحاليل الكتيّبات الثلاثة حول التساؤل الرئيسي الدي تفضلتِ بذكره. ويمكن لي أن أقول إني خَلُصت إلى نتيجة مزدوجة بل حتى متناقضة: وقوع فئات واسعة من الشباب تحت طائلة مظاهر حادّة وعميقة من التهميش واسع النطاق وعدم الاعتراف والاستبعاد والعنف من جهة، وتبوّأها مكانة مركزية في الفعل الاجتماعي المحدّد لمستقبل المجتمع التونسي. ليس الوجه الأول من نتائج الأبحاث جديدًا، ولكن حدّته وعُمقه وخطورته بدت لي ذات مظاهر صارخة، ولذلك علاقة بالوجه الثاني من نتائج الأبحاث. في هذا الوجه الثاني تفاصيل من بينها أن الفئات الشبابية الأكثر انخراطا في ما وَقَفَ عليه الوجه الثاني من نتائج هي بشكل رئيسي الفئات عشرينية الأعمار، والمدينية، والمتعلّمة، وذات الأصول الرّاسخة إلى حد ما في الطبقات الوسطى، الحضرية والقروية، ومتقاربة التوزيع بين شبان وشابّات. ثاني التفاصيل يقول إن المجموعات الأكثر حَرَكَةً من غيرها ضمن هذه الفئات الشبابية ذات أُلْفَةٍ باستخدام وسائط الاتصال والتواصل، وذات اطلاع واسع على تجارب التحرّر في العالم، وذات تحرّر ملحوظ من التقوقع ضمن الأطر السياسية والإيديولوجية التقليدية. ثالث التفاصيل هو أن فعل المجموعات الشبابية المناضلة كان رئيسيا من خلال الحركات الاجتماعية الجديدة، والحَمَلات النضالية والتوعوية، والتعبيرات الفنية والثقافية المتمرّدة. وقفتُ كذلك على أن ثمّة ترابطا قويًّا بين التطلّعات الشبابية نحو الدخول إلى الحياة ونضالاتهم. لقد لاحظتُ أنّهم يسعون إلى الدخول إلى الحياة من أبواب اقتصادية (الحصول على شغل/مورد عيش) واجتماعية (الاستقرار، بناء أسرة) وسياسية (المشاركة). ولكن مصاعب التمكن من الدخول تجعل تلك التطلعات متقلبة بين تطلّعات مؤكّدة وأخرى مُعَادة البناء وأخرى مُتَخَلَّى عنها. وكما لاحظت أن هذه التقلبات ذات أثر مباشر في نضال الشباب، أفرادا ومجموعات، من أجل حيازة الاعتراف وموارد الاستقلال الحياتي. رابع التفاصيل أن هذا النضال الشبابي بخصائصه السابق ذكرها، يقوم في خضم تجارب رائدة في بناء أشكال اجتماعية مُبْتَدَعَةٍ: أشكال نضالية أفقية، طُرُقُ ظُهور ذات ميزات فنية، إدْرَاجُ النّضال ضمن مجريات الحياة لا اختزالُها فيه، تحدثتُ هنا عن فئات شبابية، ثم خصصتُ حديثي عن المجموعات الشبابية الأكثَرَ حَرَكَةً. ولكن من المهمّ التنبيه إلى أن قضايا عدم الاعتراف والاستبعاد والحرمان من الموارد أنتجت وتنتج ردود فعل أخرى لدى فئات شبابية غير التي ذكرنا. تستبطن هذه الفئات الوصم الاجتماعي وتحوّلُه إلى مُبَرِّرٍ اجتماعي للانفصال الواعي عن “مجتمع الدّولة” والانكفاء في أرخبيلات اجتماعية، مُتَنَاسَاةٍ ومُنْعَزِلَةٍ في آنٍ مَعًا، تَضُمُّهَا الأحياء الشعبية في المدن الكبرى، وفي القرى الفقيرة وفي الأرياف… إلخ. ومن السمات المميزة لهذه الفئات الشبابية أفعال الحرقة والمجازفة بالموت في أعماق البحار، وممارسة إبداع البقاء على قيد الحياة يوما بيوم، والإعجاب بالأطروحات المكفّرة للدّولة وللمجتمع تكفيرا يمتد من الاجتماعي إلى السياسي فالديني-المؤَدْلَج، وصولا إلى الانخراط في المجموعات الإرهابية.
ومن المهم الإشارة إلى إمكانية اختلاط مختلف هذه الفئات الشبابية، أي الحركية المناضلة، والموصومة المنفصلة، والقصووية المجازفة، بحيث تُكَوِّنُ كُتْلَةَ تغيير واحدة، مُوَحَّدَةٍ، ثائرةٍ، في معنى الثورة وفي معنى الثأر، كما كان الأمر في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة. لقد ذلك التقاء تكتيكيا ولكنه بالغ الأثر في النسق-النظام السياسي الاجتماعي، الذي تعارضه مختلف الفئات الشبابية المعنية، أو تنسحب من مجال امتداد مظلّته، أو تكفّره.
*إذًا، هناك مصاعب تجابه الانتقال الديمقراطي في تونس. ما هي أبرزها حسب رأيكم؟
**من نتائج البحث الأخرى أن الانتقال الديمقراطي مُنْشَطِرٌ على نفسه. ولهذا الانشطار تمظهرات عدة. ففي مستوى كيفيات اشتغال النظام السياسي، ثمة من يستفيدون من الواجهة الانتخابية والبرلمانية والحزبية وحتى الجمعياتية من هذا الانتقال، وثمة من وجدوا أنفسهم خارج هذه الاستفادة بل ضحايا لممارستها بطُرُقٍ احتكارية وزبونية وغير مُنْصِفَةٍ. وفي مستوى التمثلات-الخطابات، كثيرا ما نسمع فئات مجموعات وحتى أصواتًا فردية شبابية، تصرّ على القول إن ثمة مسارا ثوريا تمّ الالتفاف عليه بمسار انتقال ديمقراطي مغشوش ومهتز ومُفِتَعلٌ في تَوَافُقَاتِه. وفي مستوى “الثّمار الاقتصادية-الاجتماعية” ثمة من عانوا حِرَاكًا اجتماعيا نازلا انتقلوا بموجب آثاره إلى مستويات عيش قريبة من خط الفقر ممّا هو تحته وممّا هو فوقه، بعد أن طالتهم ضربات عجز المنوال الاقتصادي عن تغيير آلياته الإنتاجية والتوزيعية وفشله في الاستجابة إلى حاجيات أوسع فئات الناس، وهو فَشَلٌ مُزْمِنٌ.
وعلى ذلك، فإنّ أكبر ما يهدّد فرص نجاح هذا الانتقال الديمقراطي هو عجزه عن أن يكون منصفا من منظور العدالة الاجتماعية وأن يكون قادرا على إنفاذ سياسات التمكين لفائدة ضحايا عدم الاعتراف والاستبعاد والتعنيف وإنهاء سياسات التجريد من مقومات الحياة الكريمة هذه.
*شهدت تونس أطوارا عديدة من التغيير والتطوير في المنظومة الحقوقية بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص. فما مستقبل هذا “الحراك المجتمعي الحقوقي” حسب رأيكم؟
**إن سَمَحْتِ لِي، سوف أجيب على سؤالك، بالتركيز على القضايا النّسوية. استراتيجيّة التغيير الاجتماعي بمفاعيل القوانين والأوامر وبقية مخرجات الترسانة التشريعية استراتيجية رئيسية لدى النظام السياسي القائم في تونس، على امتداد تاريخه ما بعد الاستعماري. لقد انطلقت هذه الاستراتيجية بإصدار مجلة الأحوال الشخصية عام 1956 بمقتضى أَمْرٍ عَلِيٍّ من بَاي(ملك) تونس، ودخلت حيز التنفيذ في 1957.
وما يجب أن يقال بالضبط هنا هو أن هذه الاستراتيجية ليست مجتمعية في معنى الشمول والتاريخية وحيازة الاقتناع والتمتع بالانخراط الطوعي الواعي المتلزم، ولكن ذلك لم يمنعها من أن تكون نافذة بل وأساسية في بناء شرعية السّلطة الصّاعدة. لقد كانت هذه الاستراتيجية تسمح لقادة النظام السياسي الناشئ بأن يؤكّدوا ما يقولونه عن مناوئيها: رجعيون، وأصوليون، وغير عصريين، وذوو وشائج ثقافية-ذهنية مع الثقافة العربية الإسلامية التقليدية. وكان ذلك يعني بالنسبة إلى قضايا النساء المجتمعية أن مناوئي الإصلاح، في غير صف “حرية المرأة” كما كان يقال حينها، ومعادون لحقوق النساء، وأنّهم إذًا من مناوئي التقدم بما يشرّع لاستعدائهم. لقد كانت استراتيجية التغيير الاجتماعي بمفاعيل القوانين السّلطوية في مجال القضايا النساء جزءً أساسًا من استراتيجية التحديث الرّسمية، وكان من نتائجها تَبَلْوُرُ نسويَّةِ دَوْلَةٍ احتكرت القضايا النسائية، ولكن من دون أن تكون جذرية في مكافحة اضطهادهن، ولم تعمل على إضعاف البطريركية والذكورية، بل مارست التسلّط في هذه القضايا بالذات، ومنعت التعبيرات النسوية الأخرى من أحقية القول والفعل.
ومنذ ظهور نسويّة مختلفة عن نسوية الدولة أواسط السنوات السبعين من القرن العشرين، حامت تعبيراتها المعارضة حول موقف منشطر على ذاته تجاه النظام السياسي: مساندة لتقدميته في القضايا النسائية ونقد لرجعيته في القضايا السياسية والاجتماعية. وكان هذا الموقف المُزْدَوَجُ يترجَمُ، في ما يهم نسوية الدولة، في مساندتها مساندة نقدية. وكان النقد ذا مرجعية تقدمية، يسارية ولكنها غير منخرطة ضمن التشكيلات السياسية اليسارية القائمة، بل ناقدة لها هي أيضا. وبقدر تزايد انخراط نسوية الدولة في الزبونية والاستخدام الوظيفي للشعارات النسوية، كانت النسوية الناقدة لها تجد مجالات للحركة ولتأكيد شرعيتها (الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات 1989، جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، 1989). الحدث الفارق الذي غيّر هذا المشهد هو انقضاء نسوية الدولة إذ كانت آخرَ تعبيراتها مُخْرَجَاتُ أعمال “لجنة الحريات الفردية والمساواة” (اشتغلت ما بين 2017 و2018). انقضاء نسوية الدولة ناتج عن انتهاء الوجود الهيمني لممثليها السّياسيين في السلطة. وأنا أرى أن هذا الانقضاء مظهر من مظاهر انقضاء صلوحية الدولة ما بعد الاستعمارية في تونس.
من هذا المنظور، مستقبل ما أسميتِه “حِراكا مُجتمعيًّا حُقُوقِيًّا” في مجال قضايا النساء رهين بمآلات النزاع بين الاتجاهات النسوية المختلفة من جهة، وبمن جهة ثانية بنجاح/فشل إكساب النسويّات أعماقا اجتماعية تشمل أحوال النساء وحقوقهن الاقتصادية والاجتماعية في الأرياف وفي القرى الصغرى والكبرى الفقيرة وفي الأحياء الشعبية في المدن الكبرى. هذان رهانان لا يمكن كسبهما إلا من خلال اعتماد ما أسمّيه “التقاطعية الديكولونيالية” التي تنظر إلى قضايا النساء من زاوية تقاطع أوضاعهن وحقوقهن ومصالحهن ومواقعهن المتخالفة من السلطة، وسوق العمل، ومنظومات الحقوق المدنية والشخصية والثقافية، والأدوار والمنازل الاجتماعية، والنفاذ إلى موارد المجال العمومي وأحقية الفعل فيه، ومن المعرفة…إلخ.
تسمح التقاطعية الديكولونيالية بتجاوز مأزق النسويتين التونسيتين التاريخيّتين اللتين أشرتُ إليهما. وبالفعل، نمت النسويّتان بالاعتماد على ذات القاعدة الاجتماعية المدينية والبرجوازية الصغيرة والعارفة والمثقفة (طبيبات، محاميات، جامعيات، صحافيات، مهندسات، موظفات، طالبات) بحيث كانتا تتنازعان شرعية تمثيلها. وما يؤسس لشرعية التقاطعية هو ظهور نساء تونسيات في مجال الفعل النسوي ذوات ميزات جديدة. من حيث الفئات المهنية-الاجتماعية، هن من خارج القاعدة الاجتماعية التقليدية للنسويّتيِن التّاريخيّتيِن في تونس (تاجرات متنقلات، قائمات بأعمال هامشية وغير مشمول بالتغطية الاجتماعية، عاملات فلاحيات، عاطلات عن العمل، مبادرات وصاحبات مشاريع صغرى). من حيث معيشهن، هن نساء الممارسات اليومية بوصفها مقاومة غير منظمة وابتداعا لأساليب البقاء على قيد الحياة. من حيث المنظورية الاجتماعية، هن نساء أسواق البيع اليومي والأسبوعي، والشبكات الترويجية الافتراضية، والحقول الفلاحية، سياسيا، هن نساء الفضاء العمومي المنشق بممارساته الاحتجاجية والمطلبية، والحضور الانتخابي “التكتيكي” خارج الإعداد التقليدي المسبق، والحضور في الحركات الاجتماعية والشبابية.
*وكيف ترون التحولات الاجتماعية في المجتمع التونسي وأثرها في باقي المجتمعات العربية؟
**نقطة الانطلاق هي ثورة كانون الأول/ديسمبر 2010 وكانون الثاني/يناير 2011. توسعت رقعة الانتفاضات التغييرية، وبصرف النظر عن مآلاتها اللاحقة، انطلاقا من تونس. صحيح أنّها كانت ذات امتداد عالمي بل كوني في بعض الأحيان، ولكنها كانت دائما، وعلى مرّ العقد الماضي، ذات خصوصية في الربوع العربية. ما يسترعي انتباهي على الأخص هو هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التي تفرض تغيير النظر إلى منطق التغير الاجتماعي وكيفياته وفاعليه. في هذا المجال أنا أجهد لتطوير منظور ديكولونيالي يتميّز بمحاولته فهم ما يحدث باعتماد زاوية نظر مزدوجة الموقع: من داخل، ومن تحت. يعني ذلك الامتناع عن التركيز على المستوى السّطحيّ، المؤسّساتيّ والرّسميّ. ما أراه هنا من هذا الموقع هو تعدد مظاهر التشابك، التقليدي منه والمستحدث، بين قضايا التغيير الاجتماعي في هذه المجتمعات، وفاعليه ومن بينهم الباحثون الاجتماعيون. وهو ما يتطلب المزيد من الدراسات.
*يجابه العالم اليوم وباء كورونا بكل ما يحمله من مخاطر وتحديات، فما هي الانعكاسات الاجتماعية والسيكولوجية للفيروس على العلاقات المجتمعية اليوم، حسب رأيكم؟
**من المعاينات الواجبة تجاه انتشار الفيروس التاجي 19 الإقرار بأن التغيير الاجتماعي تدفع به مثل هذه الظواهر ذات الطبيعة الكلية: هي طبيعية (فيروس) وطبية (انتشار وبائي سريع ومعولم) واقتصادية (ركود) واجتماعية (احتداد مظاهر التفاوت الاجتماعي) وسياسية…إلخ. ثمّة نقاطُ اشتراك بين آثار الفيروس في مختلف المجتمعات، ولكن ثمّة آثار مخصوصة في كل واحد منها. وفي ما أرى، على علماء الاجتماع أن يركّزوا على قراءة الآثار المخصوصة أكثر من التركيز على المشتركات. في نصّين كتبتُهما مبكرا نسبيا بالنسبة إلى عموم الوباء قارات العالم كلّها، اعتبرتُ أننا نعيش في مجتمع ذي خصائص مستجدة أسميته “مجتمع الجائحة”. وشرحت فيهما أننا إزاء قضيّتين أساسيتين: كيفية احترام التّباعد الجَسَدي من دون التّضحية بالصلة الاجتماعية، وكيفية تحويل الأزمة إلى بنية فرص تتيح الاقتراب ما أمكن، وبأسرع ما يكون، من دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة الديمقراطية العادلة. إلى حدّ الآن، آلياتُ التغير الاجتماعي اشتغلت في اتّجاه تحويل التباعد الجسدي الصحي الضروري لمجابهة الجائحة إلى تباعد اجتماعي ذي أثر مباشر في تعميق مظاهر التّفاوت الاجتماعي. وهنا يقع الرّهان الحقيقي في تدبير الأزمة. في ما يحدث، ثمّة الكثير من اللاّيقين، وحركة تغيّر سريعة وحادة وغير خطية الاتجاه، وذلك ما يوجِب الانتقال من المقاومة السياسية-الحكومية للجائحة إلى المقاومة المجتمعية الشاملة. في عمق تقابل المقاومتين ثمة تقابلٌ بين ما أسميتُه سياسات التّجريد (تجريد المجتمع العميق من مقوّمات المقاومة) وسياسات التمكين (تمكين أوسع فئات المجتمع من موارد المقاومة وأسلحتها).