في سباق أفلام العيد لم تكن نتائج الإيرادات في شباك التذاكر كلها متساوية، فهناك من ربح وهناك من خسر من المُنتجين الذين عولوا كثيراً على موسم عيد الفطر، فمن ربح اعتبر أن فيلمه كان الأهم والأجود بين الأفلام المنافسة، أما من خسر فقد ألقى باللوم على أبطال العمل الرئيسيين.
عندما تم إعلان الأرقام في بورصة المكسب والخسارة في محاولة لتقييم الموسم السينمائي اقتصادياً جاء فيلم «أسود ملون» في ذيل القائمة، حيث لم تبلغ إيراداته الحد المتوقع، فبالكاد وصلت في نهاية الأسبوع الثالث من العرض إلى 2 مليون و255 ألف جنيه مصرياً فقط لا غير وهو بالطبع رقم هزيل، لا سيما أن الإيراد الضعيف لم يكن ظاهرة عامة شملت كل الأفلام وإنما مثل حالة خاصة بفيلم أسود ملون، فقد حصدت الأفلام المنافسة أضعاف هذا الرقم. فعلى سبيل المثال بلغت إيرادات فيلم «شقو» بطولة عمرو يوسف 59 مليون و 510 ألف جنيه، في حين وصلت إيرادات فيلم «فاصل من اللحظات السعيدة» بطولة هشام ماجد وهنا الزاهد إلى 24 مليون جنيه.
وقد جاء فيلم «عالماشي» بطولة علي ربيع وكريم عفيفي وصلاح عبد الله وانتصار وعبد الله مشرف وآية سماحة في الترتيب الثالث، حيث بلغت إيراداته 11 مليون و621 ألف جنيه وهذا ما جعل الأنظار في الوسط السينمائي تتجه إلى بطل الفيلم الهابط اقتصادياً بيومي فؤاد وتعتبره المسؤول الأول عن الإخفاق في الإيرادات وإحداث الفجوة الشاسعة جماهيرياً بين فيلم «أسود ملون» وبقية الأفلام المُشار إليه برغم أن بيومي ليس هو البطل الوحيد للفيلم وإنما هناك أبطال آخرون هم رنا رئيس وأحمد فتحي ومنة عرفة.
ولكن لوجود خلفية ما كان موقف بيومي فؤاد فيها ضعيفاً حسب بعض الآراء وهي خلافه مع زميله الفنان محمد سلام وهجومه عليه في فترة سابقة فقد اعتبر المراقبون للحركة السينمائية أن الجمهور قاطع الفيلم المذكور نكاية في البطل ونوع من العقاب الشخصي له لإثبات تضامنهم مع محمد سلام.
وفي الحقيقة أن هذا التفسير عار من الدقة والوجاهة فالجمهور ليس كله على قلب رجل واحد ولا تعنيه قضية خلافية بين اثنين من الفنانين مهما كانت أبعاد الخلاف، خاصة أن بيومي فؤاد قدم اعتذاراً صريحاً في أحد البرامج التلفزيونية بما يعني أنه راجع نفسه وندم على ما فعل أو على الأقل أسف لما حدث وهو ما يستوجب بالضرورة استبعاد مسألة العقاب الجماعي له من الجمهور كما يعتقد البعض.
إن المنطق في القضية الفنية التي أثيرت مؤخراً واتسع فيها حيز الاختلاف والاتفاق في وجهات النظر يُحتم أن يكون سبب رفع فيلم «أسود ملون» من دور العرض بعد ثلاثة أسابيع فقط من العرض هو سبب فني بامتياز ولا علاقة لبيومي فؤاد من الناحية الشخصية بعزوف الجمهور عن المُشاهدة وضعف إيرادات الفيلم.
فالجمهور الذي يذهب لمشاهدة فيلم ما لا يهتم كثيراً إلا بموضوع الفيلم ذاته فإما أن يعجبه ويخرج منه مسروراً أو يرفضه ويخرج مغموماً.
تلك هي أبجديات التعامل الجماهيري مع مُعظم الأفلام وتكاد تكون هذه هي القاعدة الأساسية في عملية التفاعل باستثناء الأفلام السياسية التي تُناقش قضايا عامة وعلى مستوى أعلى من الوعي والجدية، بخلاف أفلام العيد التي تطرح عادة كوميديا خفيفة الهدف الأول منها هو الضحك والترويح عن النفس ليس إلا ومن ثم لا يمكن لجمهور من الصبية والشباب أن يعتبرها مقياساً لنجاح أو فشل مُمثل فيستخدمها ضده كسلاح تفلح بموجبه سياسة المُقاطعة!
المشكلة في التعامل مع الأزمات الفنية العابرة هي أن وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الصحافية تتخذ منها وسيله للإثارة والترويج وبدافع الرغبة القوية في استثمار الحدث تتنوع الرؤى وتزداد التأويلات، علماً بأن هناك نماذج كثيرة من أفلام مهمة للغاية تم رفعها من دور العرض بعد عدة أيام فقط بسبب ضعف الإيرادات وعدم إقبال الجمهور، نذكر منها في هذا السياق فيلم «كوكب الشرق» للكاتب الكبير الراحل محفوظ عبد الرحمن وإخراج محمد فاضل وبطولة محمود ياسين وفردوس عبد الحميد.
هذا الفيلم أنتج عام 1999 وبرغم أهميته لم يُحقق إيرادات تؤهله للبقاء في دور العرض أكثر من أيام معدودة، ولكنه بقي في أرشيف السينما المصرية كواحد من الأعمال الإبداعية المُعتبرة.
كذلك فيلم «القُبطان» للكاتب والمخرج الراحل السيد سعيد وبطولة محمود عبد العزيز لم يحظ إبان عرضه الأول في عام 1997 باهتمام الجمهور ولم يُحقق من الإيرادات غير القليل ولكنه خاض غمار السباق في المهرجانات العربية والدولية وحصل على العديد من الجوائز وما زال إلى الآن محفوراً في الذاكرة الجمعية للنُقاد والمُثقفين كعمل سينمائي متميز.
إذن الإيرادات ليست دائماً هي المقياس ولا النجم وحده هو المُتحمل لمسؤولية النجاح والفشل، إنها مُطيات كثيرة ولكل فيلم ظروفه وملابساته.