أعتقد أن الكتابة الروائية لا تعيد تمثيل الواقع كما هو، ولا تجسد التاريخ كما نعرفه.
بل كل ما في الأمر أن الكتابة الروائية تبحث عن الحقيقة في الزوايا المعتمة من ذلك الواقع، خاصة إذا تعلق بالحقائق التاريخية، ولا «حقيقة تاريخية سوى الحقيقة الأدبية»، كما ورد في عبارة تنسب لشكسبير. وأعتقد أنها دقيقة إلى أبعد حد. ففي الأدب يمكن أن نتفاوض مع المعنى الأقرب للأشياء، وليس ذلك الذي يطرح على أنه وجه من أوجه الحقيقة، وعلينا أن نتبناه دون مساءلة. لذا تظل الرواية بالنسبة لي، حمالة أوجه، ففي كل وجه نتعقب أحداثا بعينها، ونحاول فهم وقائع أعاد الأدب طرحها.
وكل كاتب يطرح تصوراته عن الحقيقة وفقا لمنطقه الخاص الذي قد يقترب منها، أو قد يبتعد، لكنه في كلا الحالتين يذوّب الأفكار المجمدة عن حوادث وتواريخ بعينها داخل المتن الروائي، وبذلك يمنحنا الأدب فرصة إعادة قراءة الواقع من منطق الأدب، لا منطق التوثيق والأرشيف.
ولهذا وجدت الكتابة كي لا تمنح المصداقية لحدث بعينه، بقدر ما تفاوض التاريخ، وكل ما من شأنه أن يغير نظرتنا النمطية لكل ما يحيط بنا.
وأعتقد أن القراءة التي لا تحدث في النفس شيئا وأشياء لا يعول عليها. وهذا هو الفرق بين القراءة الجافة، والقراءة التي تزعزع ما نعتقد أنه بالضرورة صحّ.
أن تقرأ لتجد الإجابات جاهزة شيء، وأنت تقرأ كي تحاول بنفسك تصور إجابات معينة شيء آخر تماما.
لكن، تظل الكتابة الروائية شكلا من أشكال المقاومة، حتى وإن اتخذت عدة مسارات، خاصة إذا ما استحضرت مرحلة من مراحل الاستعمار، بهدف إعادة النظر في تصورات الكولونيالية، وهذا برأيي ما قدمته رواية» أسير الشمس» للكاتب الجزائري حميد عبد القادر التي جاءت بعنوان ثانوي «أيام أوجين دولاكروا بالجزائر». ومن العنوان الفرعي ندرك أن الرواية تحكي بطريقة ما عن الرسام الفرنسي فرديناند فيكتور أوجين ديلاكروا Eugène Delacroix أحد رواد المدرسة الرومانسية الفرنسية، الذي رسم العديد من اللوحات الموجودة بمتحف اللوفر في باريس، فرنسا.
لكن ما علاقة دولاكروا بالجزائر كما يطرحها العنوان الثانوي؟
فيما يبدو أن العنوان يؤوّل مضمون الرواية، لكنه لا يفسره خاصة مع وجود لوحة دولاكروا الشهيرة التي تحمل اسم «نساء الجزائر في مخدعهن» غلافا للرواية، هذا العنوان الذي اتخذته الروائية الجزائرية الراحلة آسيا جبار عنوانا لمجموعتها القصصية: «نساء الجزائر في مخدعهنّ». وبذلك أعادت إحياء اللوحة قصصيا، وكأنها تريد القول إن الفن لا يموت، بل يعيش في كل مرة يعاد طرحه من جديد.
وعودة للوحة التي تضاربت التأويلات بشأنها، كل يفسرها انطلاقا من وجهة نظره، لكن، وجد الفن للتأويل، وشأنه شأن الرواية حمّال أوجه، ففي كل وجه نكتشف حقيقة ما، حتى وإن لم يعترف الفنان بذلك، لكنه يشرحها ضمنيا من خلال فنه، وكأن لاوعي الفنان أكبر حضورا حين يتعلق الأمر بالإبداع، ولهذا وجدت الرواية كفنّ يعبر عن تصوراته انطلاقا من الفن ذاته، لذا تدوم ثماره للأبد.
تحضرني في هذا الصدد عبارة وردت في رواية «العمل الخالد المجهول» لأونريه دي بلزاك على لسان الشخصية الروائية تقول: «لا تنس أن ثمار الحُبّ سريعاً ما تنتهي؛ أما ثمار الفن، فخالدة، لا تزول».
في رواية «أسير الشمس» لا يعيد الكاتب شرح لوحة دولاكروا كما يعرفها الجميع، لكنه يحاول تفكيك مشاهدها من وجهة نظر حميد عبد القادر التي عَبَرَتْ أفكار دولاكروا لتعبر عن أفكار الروائي نفسه عن دولاكروا، الذي وصفه في العنوان بأنه «أسير الشمس». تقول الرواية إن دولاكروا كان «على الدوام، يبحث عن تلك السَّكينة لنفسه في أمكنة بعيدة»، يجدها:
«في مدن الشمس البعيدة، تستحضرها له كتب عن الشرق راح يقرأها بنهم، ألّفها جواسيس في هيئة رحالة قضوا سنوات عديدة من حياتهم متنقلين بين مدن لا تغيب عنها الشمس، فدوّنوا إغراءاتها ومسكناتها الممنوحة للأنفس المتعبة مثل نفسه. ومنذ أن داوم على قراءة تلك الكتب، أصبح الخيال أساسياً في حياته، وشمس الشرق أضحت بلسما شافيا يتمنى، باستمرار، أن يشعر بها وهي تلامس جسده العليل».
دولاكروا الذي جاء إلى الجزائر كي يرسم «تحت ضوء الشمس تلك اللوحة التي طالما تخيلها». وفي نفسه الكثير من التساؤلات حول إمكانية نقل «كل جمال هذا الشرق الساحر والمدهش والفاتن من حوله… كيف يرسم هذا الضوء الباهر والساطع… وهذه الشمس التي تبسط أشعتها، وتتوغل في ذاته عميقًا… كيف يرسم كل هذا؟».
ومن تساؤلات دولاكروا جاء العنوان، تقول الرواية: «إنه أسير هذه الشمس الساطعة التي جعلته يشعر بأن الحياة في باريس لا قيمة لها. وأن الفن بلا ضوء الشمس وانعكاسها على النفس، سيظل فنا باهتا، خافتا وشاحبا».
برأيي تتبُّع السيرة أكثر من معرفة السيرة ذاتها، التي من شأنها أن تقرأ بالطريقة نفسها. لذا سيتفق الكثيرون مع ما طرحه عبد القادر حين أعاد قراءة لوحة دولاكروا روائيا، وسيختلف معه الكثيرون. لكن أعتقد أن الأدب وجد ليس لإظهار الزيف، بل كل ما في الأمر أنه يقول حقيقته، التي يمكن أن نلمسها من خلال ما طرحته الرواية من أبعاد كولونيالية للوحة دولاكروا.
كرر عبد القادر عبارة «آلجي المحروسة» أكثر من مرة في الرواية، وآلجي اختصار لاسم الجزائر باللاتينية بينما «المحروسة» بالعربية، أحد أسماء الجزائر في القديم.
فلماذا آلجي المحروسة من وجهة نظر عبد القادر؟
في هذا المصطلح الذي اختاره الكاتب من شقين، شق كولونيالي «آلجي» وشق عربي» المحروسة»، إشارة عميقة إلى أن المحروسة ليست مستباحة وستظل المحروسة، حتى وإن أرادها الاستعمار «آلجي».
وهذه العبارة من وجهة نظري تعد أحد أشكال مخاطبة الآخر في لحظة عفوية توحد فيها الكاتب مع الموضوع الذي كتبه.
لا نقرأ في رواية «أسير الشمس» عن زيارة دولاكروا للجزائر، وسرّ لوحته الشهيرة «نساء الجزائر في مخدعهن»، التي برأيي الخاص بنيت هذه الرواية على تأويلها، بل نتتبع أيضا ميلاد تلك اللحظة الإبداعية عند الفنان، وكيف تشكل الحواس مصدر إلهام له. فالشمّ مثلا:» مُهم بالنسبة للفن، فحين تشم روائح المكان الذي تريد رسمه، يحدث في داخلك تفاعل يجعل مادة رسمك حميمية، قريبة منك، تُصبح جزءا من ذاتك. هذا هو الفن الحقيقي». كما ذكرت الرواية.
نقرأ أيضا عن قبيلة العوفية التي أبادها الاستعمار بطريقة بشعة، واستحضارها روائيا بالتوازي مع لوحة دولاكروا، للقول إن للفن جانبه المظلم الذي لا يبرز بالضرورة الحقيقة بقدر ما يطمسها، وإن الفنان لا يجسد بالضرورة القيم الجمالية.
لذا يرى عبد القادر أن لوحة دولاكروا عن نساء الجزائر ماهي إلاّ تصوير كولونيالي ونظرة استشراقية تحاول طمس كل ما هو أصيل، وهذه فكرة لا يمكن إنكارها. لكن، في الوقت ذاته وجد الفن كي يوثق لمرحلة زمنية معينة، ويضفي عليها بعدا جماليا لن ينال منه الزمن، وهذا ما نلحظه في القراءات المتعددة للوحة دولاكروا عن نساء الجزائر، والتي أعاد بابلو بيكاسو تشريحها أكثر من مرة، وأعتقد أنها نالت بفضل بيكاسو شهرة إضافية. لذا برأيي أن الفن يحيا بمقدار التأويلات التي تمنح له في كل مرة، وفي الوقت نفسه وجد لكي يخفف عن الإنسان ثقل الحقيقة، التي يبدع الواقع في قولبتها مرارا، بينما تظل حقيقة الفن واحدة، كونها تصر على إخراج الجانب من كل شيء. يعبر الفيلسوف الألماني نيتشه عن ذلك بقوله: «لدينا الفن كي لا نموت من الحقيقة».
وتبقى رواية «أسير الشمس» تعبر عن نظرة الروائي عبد القادر، وهواجسه الأدبية حول مفهوم الكولونيالية من خلال لوحة دولاكروا، هذه اللوحة التي ستظل مفتوحة للتأويلات.
وفي الآن ذاته تبقى لوحات دولاكروا شاهدة على قيمة الفن عبر الزمن بشقيه السلبي والإيجابي، لذا يرى الشاعر والناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد أن «الفنّ نقدُ الحياة».
حميد عبد القادر: «أسير الشمس»
دار ميم، الجزائر 2022
101 صفحة.