أصحاب عائمات على النيل في مصر يلملمون ذكرياتهم استعدادا لقرارات الهدم

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة- “القدس العربي”:

تتواصل مأساة أصحاب العائمات السكنية على ضفاف النيل، فبينما أقدمت الأجهزة الأمنية على هدم 18 عائمة، تستعد السلطات لهدم 14 أخرى يوم 4 يوليو/ تموز المقبل.

أصحاب العائمات المهددة بالهدم قبل أيام من عيد الأضحى، بدأوا في إخلاء العائمات حتى لا يتعرضون لخسارة مضاعفة تتمثل في الأثاث والكتب.

الكاتبة والأديبة أهداف سويف، إحدى المالكات نشرت فيديو لإخلاء العائمة من الكتب والأثاث خوفا من تنفيذ قرار الهدم، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها وجيرانها سيظلون يقيمون في العائمات متمسكين بالأمل في تراجع السلطات عن قرار الهدم.

الجولة الأخيرة التي اصطحبت فيها سويف متابعيها على صفحتها على الفيسبوك، روت فيها كيف يحمل كل جزء منها ذكريات للعائلة.

وأرسلت سويف خطاب إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري، قالت فيه، إنها وقاطني العائمات، حاولوا التواصل معه مرات عديدة بأشكال مختلفة لسنوات منذ عام ٢٠١٦.

وبما أننا لم ننجح في هذا، وبما أن خطاب مؤسساتكم الذي يضيف الإهانة الشخصية إلى الظلم الواقع علينا صار يملأ قنوات التواصل الرسمية، فلا أجد أمامي إلا أن أخاطبكم هنا، في الفضاء المشاع.

31 عائمة

وأضافت، أن قرار إلغاء العائمات السكنية على النيل، يخص ٣١ عائمة هي ما تبقى من تراث العائمات، وكلها موجودة في مكان واحد، تشغل خمسمائة متر على شاطئ إمبابة. ما له أثر مدمر على حياتنا، واخترتم ألا تعلنونا بالقرار، ولا تعلنوه حتى بالشكل الرسمي المعتاد للدولة فيتسنى لنا الاطلاع عليه والاستجابة له.

سياسة تطفيش

وزادت: ما يحدث استمرار وتطوير لعملية “تطفيش” بدأت في ١٦ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٦ حين أصدر وزير الري قراراً مفاجئاً بتغيير أساس المحاسبة على المرسى- القرار الذي كان معناه- في حالتي، زيادة المطلوب مني لـ”رَكن” العائمة في موقعها – من ثلاثة آلاف إلى ٤٥ ألف جنيه في العام، زادت، مرة أخرى، في ٢٠١٨، إلى ٧٢ ألف جنيه في العام.

وتابعت: قوبلت كل تظلماتنا، ومذكراتنا القانونية، والتماساتنا منذ قرار ٢٠١٦ بالتجاهل والجمود، بحيث اضطررنا إلى معاناة وتكلفة أن نلجأ للقضاء.

وزادت: اتخذتم القرار في ٢٠٢٠ ولم تخطرونا، وفي ٢١ يونيو/ حزيران الجاري ٢٠٢٢ أرسلتم لنا المطالبات المالية واخطارات الإزالة على أن تتم الإزالة بعد أسبوعين، وإن استطعنا، بمجهودنا وأموالنا، أن نوفر للأسرة والأصدقاء مكانا حميماً، يسع أفراحنا، ويربت على قلوبنا في أوقات الحزن، فكل هذا، من ذكريات ومن خطط مستقبلية، كل هذا يختفي وكأن كارثة طبيعية ابتلعته.

أقدم مالكي العائمات

حكاية أخرى، ترويها إخلاص حلمي، أقدم سكان العائمات في استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طالبت فيها بمنع هدم عائمتها.

وقالت إخلاص في نص الاستغاثة: يقولون إني أقدم ساكنات عائمات النيل في الجيزة والحقيقة إني لا أعرف تاريخ آخر لي بعيدا عن النيل، هنا ولدت وهنا عشت هي حياتي كلها، لا أعرف طعما للحياة بعيدا عن النيل، هل يرضيك أنني في هذا العمر ألقى في الشارع، وتهدم العائمة التي عشت بها عشرات السنين ولي فيها ذكريات لا يمكن نسيانها.

وتابعت: يقولون إننا لم ندفع التراخيص والحقيقة أن الجهات المسؤولة هي التي كانت ترفض الحصول على المستحقات المالية وقالوا إن تجديد التراخيص موقوف.

وأضافت: أنا في هذا السن انتظر أن أعيش ما تبقى من عمري في هدوء وسلام لا أن أخوض معارك مع موظفين لا يريدون قول الحقيقة، أتمنى تدخلك السريع لوقف هذه المأساة.

وتقول إخلاص: أنا مولودة أصلا في العائمة، وأبلغ من العمر 88 سنة، أتركوني أموت في مكاني.

وأعلنت أميرة صابر، عضوة مجلس النواب، تقدمها ببيان عاجل، بشأن إزالة عائمات النيل التاريخية موجه إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء ووزير الموارد المائية ووزيرة البيئة.

وقالت النائب في البيان: قامت الجهات المعنية عن طريق وزارة الموارد المائية والري بإصدار قرار بإزالة عدد من العائمات التاريخية المطلة على نهر النيل الممتدة من منطقة الزمالك إلى منطقة إمبابة، وتمكن قطاع حماية النيل التابع للوزارة من إزالة عدد من العائمات.

وتابعت: نشير أولا إلى أن قرارات الإزالة شملت فقط العائمات السكنية والتاريخية منها وليست السياحية المملوكة لرجال الأعمال، كذلك إلى أن قيام الحكومة بمنح تراخيص سنوية للانتفاع يقوض حجة الحكومة، أما بخصوص الإشارة إلى تلويث تلك العوامات لنهر النيل وتشويهها له، فهذا بذاته لا يستدع إزالتها، بل يحتم على الحكومة تغريم أصحابها وتقويم الوضع، وتصحيحه وبحث إمكانية نقل السكان لسكن بديل، والاحتفاظ بذلك الفصل من تاريخ مدينة القاهرة.

شاهدة على التاريخ

وأضافت أميرة صابر: تستند الحكومة في حجتها على زعم عدم قانونية تلك العائمات وعلى قيامها بتلويث مياه النيل، وتعتبر تلك العوامات شاهدًا على العصر وعلى وقائع من تاريخ مصر السياسي والثقافي والفني، فشهدت ميلاد قامات فنية مثل فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب ومحمد عبد الوهاب وبديعة مصابني وتحية كاريوكا ونجيب الريحاني، وكتب عنها نجيب محفوظ في عدد من الأعمال، أبرزها ثرثرة فوق النيل، وظهرت في الأفلام الفنية الكلاسيكية، كما كانت تلك العوامات مسرحًا لقصص الجواسيس والمؤامرات السياسية، وملاذَا للوطنيين ورجال السياسة ومقرًا للبطولات المصرية حتى قيل في فترة الملكية إنه إذا استرق أحد الصحافيين سمعه لإحدى العوامات، لعرف أسرار مصر كلها.

واختتمت: نشير في هذا السياق إلى أنه منذ ستينيات القرن الماضي اتخذت الحكومات عددًا من القرارات التي أدت إلى تقليص عدد العائمات من أكثر من 600، إلى حدود 30 عائمة الآن، عن طريق قرار نقل عدد منهم في الستينيات وقرار وقف إصدار تراخيص لعائمات جديدة عام 2006، مع هذا، ظلت الحكومات المتعاقبة في إصدار تراخيص سنوية تسمح لسكان تلك العائمات في الانتفاع بها مدى الحياة.

وأوضحت أنه منذ سنتين، توقفت تلك التراخيص، دون أي إشارة تذكر إلى نية الحكومة من تجريد السكان من مسكن العمر وتجريد القاهرة من أحد معالمها المهمة، بالإضافة إلى هذا، فرضت الحكومة غرامات ثقيلة في قرارها الأخير على السكان لعدم حصولهم على التراخيص، في الوقت الذي امتنعت به الجهات المعنية نفسها منذ سنتين من إعطاء التصريحات المطلوبة لهم.

14 عائمة تنتظر الهدم

وكانت السلطات المصرية أزالت 18 عائمة خلال الأيام الماضية، فيما تستعد لإزالة 14 عائمة أخرى يوم 4 يوليو/ تموز الجاري، بحسب المهندس محمد غانم المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري.

وأشار غانم، في تصريحات متلفزة، إلى أن هناك لجنة مشكلة برئاسة وزير العدل وعضوية عدد كبير من الجهات المعنية، لإزالة جميع العائمات السكنية المخالفة بنطاق القاهرة الكبرى.

ولفت المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري، إلى اختلاف تاريخ إنشاء تلك العائمات، قائلا: جميعها تم بنائه بصورة مخالفة ولم تحصل على أي ترخيص، وأن الإزالة تأتي في إطار الحملات الموسعة للإزالات التي تقوم بها أجهزة الدولة ووزارة الري لكل أشكال التعديات، سواء على نهر النيل أو على الترع أو المصارف أو أي مجرى مائي، يتم تحديد العائمات المخالفة وإزالتها لأنها غير مرخصة ومخالفة للقوانين المتعلقة بالرسو في نهر النيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية