صنعاء ـ «القدس العربي»: ها هو الأديب العراقي البارز و«شيخ الجغرافيين العرب « شاكر خصباك يترجل بعد كبوة جواده في الولايات المتحدة إثر صراع لبضع سنوات مع مرض لازمه منذ وصوله لتلك البلاد التي رحل إليها من اليمن، وهو البلد الذي أمضى فيه خصباك نحو 25 سنة في محطة مهمة من محطات رحلته الحياتية التي تنقل فيها بين عددٍ من المنافي… وها هو يموت في أحد هذه المنافي كأي رجل غريب، ولم يحظ – حتى – بنعيٍ رسمي.
مات خصباك (1930- 2018) عن أكثر من ستين كتاباً في القصة والرواية والمسرح والنقد والمذكرات، وكذلك المؤلفات والترجمات الجغرافية.
كان آخر تكريم ناله الراحل في صنعاء، في مركز الدراسات والبحوث اليمني الذي يرأسه صديقه الشاعر والكاتب عبد العزيز المقالح، بمناسبة إصدار صنعاء الأعمال الكاملة لمؤلفاته الإبداعية في ثمانية مجلدات… كان ذلك التكريم قبل فترة قصيرة من مغادرته اليمن متوجهاً إلى الولايات المتحدة، تلك البلاد التي ما أن وصلها حتى لازمه شبح الموت لبضع سنوات إلى أن اختطفه مؤخراً (رحمات الله تغشى روحه).
ارتبط شاكر خصباك بصنعاء ارتباطاً روحياً وقرر ألا يتركها أبداً.
ذكريات صنعاء
في حديثه لـ«القدس العربي» قال عبد العزيز المقالح، إن الراحل خصباك لم يكن ينوي الإقامة في أمريكا؛ فقد كانت زيارته تلك هي الزيارة السنوية التي كان يقوم بها لابنه وابنته المقيمين في سان فرانسيسكو… لكن المرض باغته هناك ولم يدع له فرصة للعودة.
قبل إضاءة بعض ملامح تجربته دعونا نسمع بعضاً من حكاية خصباك مع اليمن بلسان صديقه المقرب الشاعر المقالح «كنت قد تعرّفت على الأستاذ شاكر خصباك قبل أن نلتقي، من خلال كتابه البديع عن الرحالة ابن بطوطة.. وعندما كنتُ رئيساً لجامعة صنعاء في ثمانينيات القرن الماضي علمتُ من بعض الزملاء الأكاديميين العراقيين أنه مُجْمّدٌ عن التدريس؛ فكتبتُ له رسالة أرجوه فيها أن يوافق على التدريس في جامعة صنعاء، وفي قسم الجغرافيا الذي أنشئ حينئذ، والذي كان بحاجة إلى أستاذ كخصباك، الذي تولى رئاسة القسم والإشراف على طلاب الدراسات العليا، كما تولى، لاحقاً، إلى جانب عمله في القسم، الاشراف على مجلة كلية الآداب. «عندما انتقلتُ من جامعة صنعاء إلى مركز الدراسات والبحوث اليمنيّ، عملتُ مع عددٍ من الزملاء في المركز والجامعة على تنظيم حفل تكريم لائق له بوصفه علماً من الأعلام العرب أدبياً وعلمياً. «كنا لا نفترق تقريباً في جلساتنا اليومية الأدبية، التي كان يشارك فيها بنصيبٍ وافر، وكنا نلتقي بعددٍ من الشباب المبدعين، ومَن يزور صنعاء مع الشعراء العرب. لقد ارتبط خصباك بصنعاء ارتباطاً روحياً وقرر ألا يتركها أبداً. وكان يقوم كل عام برحلة لزيارة ابنه وابنته في مدينة سان فرانسسكو في الولايات المتحدة، وفي الرحلة الأخيرة كان متردداً في القيام بها، لكنه سافر على أن يعود، إلا أن ظروفه الصحية حالت دون ذلك، حيث أُصيب بمرض أقعده، وبقي مكانه شاغراً في جامعة صنعاء وفي حياتنا الأدبية. وكنتُ قد بقيتُ، خلال ذلك، على تواصل مع الناقد العراقي حاتم الصكر في أمريكا لمتابعة حالته الصحية، إلى أن داهمنا خبر وفاته الفاجع رضوان الله عليه».
جيل خصباك
رحل شاكر خصباك بعد معاناة قاسية مع المرض، لتبقى آخر وأهم كتاباته تلك التي أنجزها خلال إقامته في صنعاء التي استقر فيها أستاذاً للجغرافيا في جامعتها لأكثر من 25 سنة. وتضم الأعمال الكاملة، التي أصدرها مركز الدراسات والبحوث اليمنيّ كل نتاجاته الأدبية؛ وهذه الأعمال – بلا شك- تحفظُ حقه وتكرّسُ مركزه كأديب له تجربته الخاصة وينتمي عمرياً لجيل العمالقة العرب، ويُعدّ من رواد كتابة القصة القصيرة في العراق… فيما تُصنّف مؤلفاته وترجماته الجغرافية من المراجع العلمية المهمة في مجالها.
على الرغم من أن شهرته كعالم جغرافيا طغت على شهرته الأدبية إلا أن شاكر خصباك الأديب كان قد ظهر منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، من خلال كتاباته في عددٍ من المجلات، وحينها لم تكن الجغرافيا ضمن اهتماماته، ذلك أن هذا التخصص الدراسي فُرض عليه؛ ولم يكن أمامه سوى أن يتمكن منه، لاسيما بعد أن اكتشفَ أهميته؛ فمنحهُ من الاهتمام الكثير، خاصة منذ السبعينيات.
ولد خصباك في مدينة الحِلة (بابل)، التي دَرَس فيها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وغادرها مُبتعثاً لجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، حيث نال الليسانس في الجغرافيا عام 1952، ليعود للعراق قبل أن يغادر إلى لندن، حيث نال درجة الدكتوراه عام 1958.
خلال دراسته للجغرافيا في القاهرة ولندن لم تتوقف كتاباته الأدبية، وإن تراجعت قليلاً، إلا أنها بقيت ملتزمة رؤية أدبية إبداعية تجديدية، في سياق مشروع فكري.
الكتابة
على مدى تجربته الإبداعية والعلمية أصدر عشرات العناوين بين الأدب والجغرافيا؛ بل إنه في مقابلة أجراها معه الكاتب قبل مغادرته صنعاء… أعرب عن دهشته من الطاقة التي مكنته من تقديم هذه النتاجات بهذه الغزارة والتنوع، ولدرجة قد يصعب معها التصديق أن خصباك القاص والكاتب المسرحي والروائي والناقد هو نفسه عالم الجغرافيا البارز صاحب ثلاثين عنوانا ما بين مؤلفات وترجمات جغرافية، وضعت اسمه في قائمة أهم علماء الجغرافيا العرب وأقدمهم؛ حيث نال «الاستاذية» في هذا التخصص عام 1974.
خلال دراسته للجغرافيا في القاهرة ولندن لم تتوقف كتاباته الأدبية، وإن تراجعت قليلاً، إلا أنها بقيت ملتزمة رؤية أدبية إبداعية تجديدية، في سياق مشروع فكري لم يتزحزح فيه عن مواقفه المبدئية المناهضة للقمع؛ وهي المواقف التي زجت به في المعتقل، وتسببت بعزله من عمله الأكاديمي؛ ما أضطره لمغادرة بلاده. وعلى الرغم من ذلك لم تتغير مواقفه؛ إذ بقيت هي نفسها في كتاباته، التي حقق فيها نبوغاً وتجاوزاً في القصة والمسرح والرواية والنقد…حيث صدر له (35) عملاً أدبياً.
البداية
بدأ الاطلاع والقراءة في سن مبكرة، فخلال دراسته في المرحلة الابتدائية كان يطلع على عددٍ من مجلات الأطفال، وتأثر حينها بكتابات كامل الجيلاني، التي أسهمت- كما تحدث عن بداياته – في ميله نحو القصة، التي بدأ كتابتها وهو في الصف الخامس الابتدائي. خلال دراسته الابتدائية كان خصباك دائم التردد على المكتبة العامة في مدينة (الحِلة)، التي كان يذهب إليها يومياً بعد المدرسة؛ فقرأ الكثير من نتاجات الأدب العربي. وخلال دراسته في المرحلة المتوسطة بدأ النشر، وأخذ اسمه ينتشر مع كتاباته المتواصلة في بعض المجلات؛ وهي الشهرة التي اتسعت خلال المرحلة الثانوية عندما بدأ يكتب نقداً في نتاجات قصصية؛ وفي تلك الكتابات بشّر بعددٍ من الكُتاب العرب، الذين أصبحوا في ما بعد رموزاً… كان ذلك عام 1946، من خلال الكتابة لمجلات كمجلة «البطحاء» العراقية، ومجلة «الآداب» البيروتية ومجلة «الرسالة» وغيرها. ونتيجة تلك الكتابات ارتبط خصباك بعلاقات صداقة بعددٍ من الكُتاب الكبار منهم: نجيب محفوظ، عبد الحميد جودة السحار، محمود تيمور، علي باكثير، وغيرهم ممن بدأت علاقته بهم نتيجة نقده لنتاجاتهم في مجلات مصر ولبنان.
أنهى خصباك الثانوية عام 1947 بمعدل نجاح مرتفع، وتم ضم اسمه للبعثة العلمية؛ ولأن أعلى درجاته كانت في الجغرافيا فقد كان هو التخصص المتاح له، ولم يستطع الاعتراض، لكنه اختار مصر للدراسة لعلاقاته بالأدباء المصريين.
في عام 1948 أصدر خصباك في القاهرة مجموعته القصصية الأولى «صراع» وظهر فيها واضحاً مدى تأثره في كتابة القصة بتجربة محمود تيمور، الذي أهدى خصباك له تلك المجموعة، ويبرز من خلالها، وقبلها في قصصه المنشورة في المجلات، من رواد كتابة القصة القصيرة في العراق بشهادة عدد من النقاد.
في كتاباته الأدبية تميز خصباك بقربه من الإنسان والتزامه وعياً إنسانياً رفيعاً في خطابه السردي. ويظهر من خلال أسلوبه وخطابه أنه كان قارئاً جيداً للآداب العالمية ومعها الأدب العربي.
المجلات
قبل أن يكون خصباك كاتباً في المجلات الأدبية والثقافية في الاربعينيات والخمسينيات، كان قارئاً نهماً لها؛ ولا ينكر فضلها عليه في أنه تعرّف من خلالها إلى أدب كثير من الأدباء المشهورين. وفي الكتابة لها تنقل خصباك بين عدد منها بدءاً من المجلات العراقية، ومن ثم في عددٍ من المجلات في لبنان ومصر إلى تجربته في مجلة «الثقافة الجديدة» العراقية التي تعرض عقب صدور عـــددها الأول للملاحقة، ما اضطره لمغادرة العراق إلى لندن، حيث نال الدكتوراه، ومن ثم عاد للعراق عام 1958، وعمل أستاذاً في الجامعة، واختير، لاحقاً، عضواً في اللجنة المركزية لاتحاد أدباء العراق مع الراحل محمد مهدي الجواهري وغيره؛ وخلال تلك الفترة صدرت مجموعته القصصية «حياة قاسية»، ليواصل الكتابة في مجلة «الاتحاد» التي صدرت لاحقاً، وحينها بدأ الكتابة للمسرح؛ فكتب «بيت الزوجية»؛ لينشغل لاحقاً في العمل الجامعي حتى عام 1962، ونتيجة مضايقته من حركة البعث التي عزلته من الجامعة وسجنته، غادر العراق؛ وعمل في جامعة الرياض خلال 1964 و1968، وأصدر رواية «الشيء»، ورواية «الحقد الأسود»، التي عنوّنها لاحقاً بـ«السؤال»، وتناول فيهما التعذيب خلال الفترة التي جاء فيها «البعث». عاد للعراق لاحقاً عام 1969، وجاءت كثير من كتاباته تتناول معاناة تلك المرحلة متحدثاً عن السجون في العراق، حتى أنه يُعدّ من رواد أدب السجون عراقياً وعربياَ.
بموازاة عمله الأكاديمي وتجربته العلمية في الجغرافيا، لم تتوقف تجربته الأدبية على تأثرها، إذ ظلت مستمرة في المسرح والقصة والرواية والنقد، بل لا يمكن القول إن تخصصه الأكاديمي – فقط – بقي مؤثراً على شهرته الأدبية، خاصة بعد السبعينيات، ذلك إن ثمة أسباب أخرى منها أنه لم يكن يُجيد العلاقة والاتصال بالإعلام، وكما سبق وقال؛ فالإعلام يحتاج تجربة في العلاقة به، وهو لم يكن يملكها، كما أشار إلى أن استقراره في اليمن قد أسهم في غيابه عن الأضواء أيضاً؛ إذ أمضى هناك أكثر من عقدين، ومعظم كتاباته الروائية صدرت في صنعاء، بينما نطاق النشر فيها محدوداً، فيما كتبه التي صدرت عبر دُور نشر عربية، حققت شهرة وبعضها تمت ترجمتها.
تشيخوف
في كتاباته الأدبية تميز خصباك بقربه من الإنسان والتزامه وعياً إنسانياً رفيعاً في خطابه السردي. ويظهر من خلال أسلوبه وخطابه أنه كان قارئاً جيداً للآداب العالمية ومعها الأدب العربي. ويبدو واضحاً تأثره الكبير بكتابات أنطوان تشيخوف. وقد ساعدته إقامته في لندن خلال دراسته العليا في أن يلمّ بالآداب العالمية، ويقترب كثيراً من تشيخوف، الذي يعدّه خصباك من أفضل مَن كتب القصة القصيرة… متجاوزاً القصة والرواية إلى المسرح بشكل أوسع لتنشأ في لندن علاقة قوية بينه والمسرح (الأدب والفن)؛ وقد ظهر تأثير تشيخوف واضحاً في كتاباته المسرحية لاحقاً.
رؤيته
في نتاجاته القصصية والروائية والمسرحية اشتغل خصباك على قضايا الواقع بإنسانية أجاد من خلالها سبر أغوار المجتمع وتفكيك أسباب وعوامل الصراع والانتصار للمقهورين، والانحياز للقيم العليا والإعلاء من شأن الإنسان. وفي خصوصية تجربته القصصية، موضوعاً وتقنياً، يلاحظ القارئ الحاذق ثمة نضج واضح، خطاباً وأسلوباً، أضاف إليهما رؤيته فكانت شخصيته الأدبية الخاصة؛ وهو ما يؤكد أنه قارئ ذكي يستند إلى خلفية ثقافية ثرية وواسعة وعميقة مكنته من فهم وبلورة ما يريد قوله؛ فالكاتب الجيد هو قارئ جيد كما يقال.
أسلوبياً يتميز بكتابة تتسم بوضوح وسمو في العلاقة مع القارئ؛ وكما أكد فالكاتب لابد أن يكتب أدباً واضحاً (لا غموض فيه)؛ وهو أدب لا يسمح للكاتب أن يتملق القارئ من خلال أي شكل من أشكال الأغراء؛ وهو ما التزم به خصباك في قصصه ورواياته ومسرحياته. كما تميز بتكثيف النص بطريقة لا تغتال السرد أو تسيئ للعمل الفني، حتى أن معظم رواياته تصدر بصفحات لا تتجاوز مئة صفحة… إيماناً منه بأن التركيز في الكتابة بات مهماً في هذا العصر، في ظل تعدد اهتمامات الناس، علاوة على ما يمثله التكثيف كقيمة إضافية للعمل الأدبي.
هذه النوعية والرؤية الخاصة لخصباك عبّرت عنه مواقفه وقناعاته التي تنقلت معه بين أعماله.
الآن وقد مات خصباك فهو لم يعد بحاجة لأي تكريم لم ينله في حياته؛ ذلك أنه كرّم اسمه بما قدمه من نتاج كافٍ لتخليد ذكراه؛ وإن كان من تكريمٍ متبقٍ له؛ فهو في أن تنال تجربته مزيداً من الدراسة والاهتمام، من خلال إعادة دراسة وطباعة وترجمة أعماله الأدبية ونشرها عراقياً وعربياً، أما مؤلفاته وترجماته العلمية فلها مكانتها اللائقة في مكتبات الجامعات العربية وغيرها.
٭ كاتب من اليمن