لا أقصد هنا أصواتا من الأدباء والمفكرين فكثيرا ما كتبت عنهم، لكن أحببت أن آخذكم في رحلة غير مقصودة إلى الغناء السكندري. أعرف أن السوشيال ميديا تتيح كل شيء، لكن البحث غالبا يكون لمن يعرف شيئا عما يبحث عنه، وهذه أصوات لم تنتشر كما انتشرت أصوات القاهرة، لكن لا ينساها أهل الإسكندرية.
من الصفحات الجميلة على السوشيال ميديا صفحة مؤسسة الإسكندر الأكبر، التي دعاني إليها منذ فترة المستشار المثقف معتز عامر، وهي صفحة تعيد الإسكندرية الضائعة، وتجسد ما يحدث فيها من تشويه. كذلك هناك صفحة إسكندرية زمان. ليس لأنني إسكندراني، فكل صفحات مصر زمان فاتنة لي، وليس لأنني أرى عليها صورا للحدائق والمباني الرائعة التي ضاع أو تدمر أكثرها، فهذا يحدث في كل المدن، لكن السبب هذه المرة أنني وجدت على صفحة إسكندرية زمان شيئا من الحديث عن الغناء، وهذا ما أعنيه بأن حديثي غير مقصود. مطربون سكندريون كانوا طيور الجمال في فضاء الإسكندرية، لم تعرف القاهرة إلا قليلا منهم، وذلك بحكم المركزية التي جعلت الكثيرين من كتاب ومبدعي الإسكندرية يرحلون إليها، في زمن لم تكن فيه اتصالات ولا سوشيال ميديا. لم نسمع لهم غناء في إذاعة القاهرة مثلا إلا نادرا جدا. طبعا هناك من المطربين من رحل إلى القاهرة مثل إيمان البحر درويش ومصطفى قمر، لكنهما بدآ في الإسكندرية وهؤلاء يملأون فضاءها. أحد الأعضاء المحترمين في صفحة إسكندرية زمان واسمه على الصفحة «دعوة فرح» تحدث عن المطرب عزت عوض الله. ساق معلومات أعرفها لكنني ما دمت ذكرت الصفحة الجميلة، فأذكر الفضل له أنه أخذني بعيدا عن مشاكل المثقفين الدائرة على السوشيال ميديا في القاهرة، التي امتلات بالشتائم هذه الأيام. المعلومات التي ساقها عن عزت عوض الله قد تكون غائبة عن الأجيال الجديدة، من حيث كونه قبطي الديانة، وكان اسمه مرقص عوض الله باسيلي، ونشأ في حي غيط العنب، الحي الشعبي الذي انتهى وكان جنوب حي كرموز بعد ترعة المحمودية، التي ضاعت أيضا. كان يعمل في قسم الصيانة في مصلحة التليفونات في منطقة جليم، غنى ولحن فى افتتاح إذاعة الإسكندرية المحلية سنة 1954. غنى أكثر من 70 أغنية يتغزل فيها فى أحياء ومناطق وأهل وبنات إسكندرية مثل «الحلو ساكن بوالينو – ومن بحري – يا بنات إسكندرية – نوارة حارتنا – باين عليه إسكندراني» وغيرها من الأغاني الشعبية وذاع صيته في الإسكندرية كلها.
ذكر أغنيته « يا زايد في الحلاوة عن أهل حينا» وكيف ذكرها نجيب محفوظ في رواية «ميرامار». تذكرت أنني فعلت ذلك أيضا في روايتي «الإسكندرية في غيمة». ليس ذلك هو المهم. طبعا كلنا كسكندريين نعرف كيف مات ميتة فاجعة فقد وُجِد مقتولا في صباح يوم السابع عشر من أغسطس/آب عام 1974 في شارع إيزيس. لكن صديقا آخر على الصفحة هو خميس عبده، ذكر في محبة جميلة أسماء أخرى من مطربي الإسكندرية. مما قاله إن «من لم يسمع ويتغنى بأغاني عزت عوض الله وبدارة وسماح وإبراهيم عبد الشفيع وزينب عوض الله لا يطلق عليه إسكندراني.. كثيرا ما حضرنا أفراحهم وحفلاتهم ونحن صغار على مسرح سينما الهمبرا وكازينو الشاطبي ومسرح إسماعيل ياسين وكازينو الطاحون والبسفور والمندرة وسان جيوفاني وفندق سان استيفانو والبوريفاج والشانزليزيه وشوادر الأفراح في الشوارع .. أحلى أيام زمن إسكندرية الجميلة في السبعينيات.. رحم الله من أمتعونا».
دارت المناقشات بيننا والذكريات الجميلة، ومنها أن كل هذه الأماكن تقريبا ضاعت أو تغيرت. كان حظي منها تقديرا كبيرا منهم أسعدني طبعا. فتحوا لي بابا منسيا من المتعة السكندرية. لا ينسى أهل الإسكندرية كلمات من نوع:
«بتمشي في العصاري وتسحر من رأى»
«واقول من كتر ناري ما تعطف يوم بقى»
وهي من أغنية «يا زايد في الحلاوة» لعزت عوض الله
رحت اتذكر بدرية السيد أو بدارة التي كانت ذائعة الصيت في الإسكندرية في الأغنية والموال الشعبي وتوفيت عام 1989.. أتذكرها وهي تغني:
«طلعت فوق السطوح انده على طيري..
لا قيت طيري بيشرب من قنا غيري
زعقت من عزم ما بي وقلت يا طيري
قال لي زمانك مضى دور على غيري»
الموال الصغير الذي غناه ليس الناس فقط، لكن الشوارع والبنايات. كيف كنت أسمعها في إذاعة الإسكندرية وأنا صغير، وكيف رأيتها في بعض الأفراح والملاهي، وكيف كنت أسأل نفسي لماذا لم تحظ بشهرة أم كلثوم وصوتها في تلك العظمة، كنت أعرف كما قلت إنها المركزية الثقافية. بدارة لا تزال أغانيها في فضاء الإسكندرية مثل «ادلع يا رشيدي على وش المياه» و»سيدي يا سيدي» الأغنية الطفولية العذبة في الأداء والمراهقة في المشاعر الفطرية، وأغنية:
«من فوق شواشي الدره جمريه بتغني
فرحانه يا هل ترى ولا بتتمنى
ولا دي حنيّه في الجلب مزويه
احكي يا جمريه احكي يا جمريه»
وأتذكر أغنيتها:
«يا حلو قل لي على طبعك وانا أمشي عليه
الحب بدعة وناره والعة وانا امشي عليه
علمني طبعك أطاوعك يا منى عيني
واوصف طريق الهوى ليا وانا امشي عليه»
وغيرها من الأغاني التي صارت تقريبا أمثالا شعبية في المدينة. كانت رحمها الله من أكثر من شاهدتهم في أفراح أو كازينوهات أو ملاهي الإسكندرية. ربما لذلك أطلت معها. لا هي ولا عزت عوض الله فضّل الحياة في القاهرة. تذكرت كيف كان كورنيش الإسكندرية يمتلئ بالملاهي الليلية تحضر إلى بعضها فرق غنائية من العالم، وكيف كان هؤلاء المطربون أهم فنانيها، صورهم أمام الملهى الذي يغنون فيه أو الكازينو أو الفندق، وكيف ضاع ذلك كله.
كان آخر الراحلين منهم إبراهيم عبد الشفيع، المغني والملحن الذي فارق الدنيا في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2022. عرف القاهرة لكن ظلت الإسكندرية هي مرساه. لقد لحن لفنانين مثل محمد رشدي وإيمان الطوخي وليلى نظمي وكارم محمود وماهر العطار وسمير الإسكندراني ومحمد ثروت وأحمد عدوية وعايدة الشاعر. ربما أغنية واحدة لكل منهم. من أغانيه التي تسبح في فضاء الإسكندرية «شي الله يا مرسي يابو العباس» التي يغني فيها:
«شي الله يا مرسي يا ابو العباس… مدد يا سيد القباري
الله يصونك يا بلدنا… يا غالية وترابك غالي
دي اسكندرية أُم الخفة.. على البحر الابيض تتباهى
بلد الرجالة بلدي… في العين متشالة بلدي
كرموز والحضرة ودربالة
راغب وابو قير والسيالة
رجالة واجدع رجالة»
أو أغنية «رحلة الأمل» حين يشدو:
«عربية البت العربية
الحلوة البيضا الهلالية
إلى أن يقول:
«من تحت الرمش باشوف جنَّة
والجنَّة مليانة أغاني»
من أغانيه التي عشقها أهل اسكندرية «شال الحليوة» و»بياع الورد» و»عشق الملاح غيّة» أو أغنية حكاية عاشق التي يقول فيها:
« أول دخولنا الجنينة اتنهد الياسمين
والتمر حنه اشتكي والورد قال دا مين؟
والكل قال افتحوا للعاشق المسكين»
الحقيقة أحب أن أنوه بهذه الصفحة وباستعادتها الكثير من أصوات إسكندرية التي غفلت عنها القاهرة، وقد استشهدت بمقاطع من الأغاني فيها صور فنية ومعان جميلة عابرة للزمن ليس في الإسكندرية فقط، لكن لكل من يدقق في معانيها. ويطول الكلام عن المؤلفين والملحنين وربما يوما أعود لكل منهم أو لبعضهم.
روائي مصري