ثمة تجديد جمالي يسعى إليه الكاتب عاطف سليمان، نلحظه بسهولة في مجموعته القصصية الأخيرة «أعراف البهجة»، وهو يحاول الخلاص من الأساليب السردية فاقدة الصلاحية، ومن تلك المواصفات التي تعرقل النص عن الوصول إلى الدرجة المُرتجاة، ولا تجعله يتخذ موقعاً متقدماً في مدونة الأدب. نرى هذا الاهتمام المفرط باللغة، والعمل عليها، كهدف رئيس من أهداف الكتابة، من خلال وضع علامات الترقيم، والجمل القصيرة، التي تكتسب تأثيراً تواصلياً مع القارئ، وتجعله يسعى إلى تحويل الكلمات إلى صور متخيلة، متأثراً بإيقاع الجملة، ورنينها، ودقتها العالية، حتى لو استدعت منه أن يقوم بجهد إضافي في التعامل مع النصوص.
إن الشغف الكبير للكاتب بالأدب والفن ربما تفوَّق على عمله بالطب، حتى بدا للمقربين منه كراهب يكرس نفسه لهذه العناصر الخالدة، مستغرقاً على الدوام، وعلى نحو صارم، بالقراءة المكثفة، المعمقة، كالتزام حربي لا يستطيع التوقف عنه، ما وفَّر له قدرة تعبيرية هائلة على صعيد المفردات. وكوَّن لديه كثيراً من الآراء الثاقبة، حيال الأعمال الأدبية والفنية، التي يطالعها بعقلية نقدية من طراز نادر، فليس لديه في هذا العالم ما يوازي قراءة الكتب، ومطالعة الأعمال الكبرى، والاستمتاع بها…
بعد مجموعتين قصصيتين «صحراء على حدة» و«على هيأة اللوتس»، ورواية تحت عنوان «استعراض البابلية»، وكتب أخرى تضم مقالات ونصوصاً مجمعة «حجر طاحون أخضر»، «شجرة نبق تحت البروج»، «عُدْ إلى بيتك يا ذا الطلعة البهية»، وأعمال قيد النشر، تأتي هذه الإضمامة، المكونة من ست قصص تتقارب في الطول، وعدد الصفحات، وتكشف عن أسلوب متناغم، لا يتغير كثيراً مع تغير النصوص: «صيحة يعوَّل عليها»، «قوس قزح منتصف ليل»، «الحيز الذي يشغل»، «مأدبة عشاء معادة»، «حين زرت الحدائق»، «سوسن».
نذهب مع الكاتب في رحلة خاصة، وهو ينسج تفاصيل غير مألوفة، محمولة على جناح البلاغة. نسبح معه في عوالم تنهل من الأسطوري والفاتتازي، وتتكئ على التاريخ القديم، والجغرافيات المختلفة، متخذاً منحى كوزموبوليتانياً أحياناً، كما في قصة «سوسن»، فالبطل دياب مصري، والبطلة جانجيرا من اليابان. تجمع بينهما قصة حب نابعة من رحاب الأدب. شخصيتان لن تراهما في الواقع، ولن ترى أيضاً، شبيهاً لهما بتلك السهولة حواليك، فعالم عاطف سليمان قائم على الإنتاج الذهني، والمخيلة، أبطاله يشبهون كثيراً أبطال الكاتب الأرجنتيني العظيم خورخي لويس بورخس، الذي لا يعنيه الواقع إطلاقاً، ولا يهتم بالمعيش واليومي، فهو يعتمد على شخصيات لهم حيواتهم داخل بطون الكتب، لا يغادرونها، ربما لقسوة الحياة، وعبثيتها، ويفضلون المكوث بين دفتي مجلد، منسوجة سطوره بعناية فائقة.
في قصة «سوسن» يبدأ من النقطة الأخيرة، مرتباً المشاهد بصورة عكسية، قبل أن يصل إلى النهاية، يكتب في السطور الأولى، ليطلعنا على لمحات كاشفة عن بطليه:
« يهف نسيم في عتمة الصبح، ينكت حصاة هنا ويطير ريشة هناك. يهز غصناً، ويشلح ذيل ثوب. يؤنس رجلاً بامرأة ويؤنسها به، يؤنسها ويستوصي. وفي العتمة تقدح أبدان وتُسقى، وتختلج الروح كزهرة. وعلى سنن عتمة الصبح يتبدى دياب ويكون هو، وتتبدى جانجيرا وتكون هي، والهوى طليق يتغشاه ويتغشاها، في صباحات معمورة بالأنسام. يتنفسان وأصابعهما مشبوكة. يهمس لها، وتهمس له. ينثنيان. وفي عناقهما يقترنان، يتناهى فيها، تتناهى فيه، يتناهيان، يتساكنان، يتحارثان، يشرقان، ومعاً يتكللان؛ مرتدِّين إلى كائن وحداني كاناه؛ هي جانجيرا، هو دياب، ولقد أولته، وأولاها».
فقرة دالة، ربما أردت بها الوقوف على اللغة التي يعمل عليها عاطف سليمان، والتي تذكرنا بالكاتب المصري إدوار الخرّاط، لمَ لا، ألم يذكره بمحبة في إهداء الكتاب، رفقة قديس الأدب العربي يحيى حقي والكاتب الفرانكفوني الجزائري مالك حداد صاحب أجمل الروايات وأكثرها دقة وإحكاماً وعذوبة مدهشة، فرواياته، من وجهة نظري، تعد قصائد نثر مطولة؟
الإهداء يعني أنهم الأقرب إليه، لكنه هنا، في هذه النصوص تحديداً، أقرب ما يكون إلى الخراط، وإن كان أقل منه إسرافاً في عنصر الوصف، أو اللجوء إلى كتابة الحوار باللهجة العامية المصرية، لكن به مس من الرجل، وأثر لا يمحى، يبدو مؤتلقاً في نثره، لا نستطيع تغافله، أو إنكاره.
إن من أصعب التكتيكات في الكتابة عموماً، هو أن تضع قليلاً من الأحداث في مساحة كبيرة، والعمل على إضاءة هذا القليل، من خلال تفكيكه، وإعادة تشريحه، والتدقيق في المشاهد القليلة التي يحتويها النص، وتصوير كل شيء على نحو متمهل، تحت وطأة الأسلوب الباروكي، المزخرف، الذي قد لا يمنح النثر المرونة الكافية أحياناً، ويقضي على الإيقاع السريع، رغم موسيقاه الرنانة، التي لا يمكن إنكارها. حتى تظن أنك تقرأ عملاً يستغني عن شيء جوهري، وهو الحكاية، ولا يوليها الأهمية التي يستحقها.
في قصة «مأدبة عشاء معادة» نحن أمام عمل من أعمال القريحة المتقدة، عمل فانتازي، أبطال معدودين. ينطلق معهم الكاتب من مساحة متسعة، متفادياً تلك المثالب، آنفة الذكر، معيداً تركيب الطفرات النفسية لبشر مثاليين، لا يعتريهم الزلل، عبر تأملات متنوعة، تعتمد على أجواء طقسية تستمد من الأساطير وجودها، ومن معين الخيالي. هناك البحر دائماً، بحر الإسكندرية تحديداً، كما في معظم قصص المجموعة، وهناك مساحة كبرى له، فهو ليس مكاناً فقط، ولكن شريك أساس في بطولة القصص:
«أوقفت عايدة سيارتها بعيداً، ونزلت حافية إلى خلوتها على رمال الشاطئ.
عبَّت وتنفست، وما من أحد سيلمحها تتهادى على الرمال لكأنها غدت مسحورة وهي تتلقى النور القديم لنجمة الصباح. في عتمة الفجر كانت تتمطى وتشرئب وقد نسيت حتى اسمها، وكان الهواء مرئياً لها، وهي منضوية في بهجة النور الساجي الخفي. في خلوتها قدام البحر أمالت عايدة رأسها وأصغت إلى أصوات الموج حتى أحست أن هديره تفشَّى فيها فصارت تجيء مع مجيئه وتروح مع رواحه.»
بعد هذه المقدمة الوصفية المصقولة، ومعاينة تأملات عايدة، وتحديقها إلى الزبد الجاري فوق الأمواج، نراها وهي تثوب وتستيقظ على همسة أتتها من جوارها: «إني، لأجلك أنت، طلعت من مائي».
لتبدأ القصة في اتخاذ طريقها إلى الغرائبي. لك أن تعرف أن هناك أصواتًا تأتي من لدن المجهول، وحصناً خرافياً من زجاج ملون يتضوأ، يلوح لعايدة من وسط البحر. لقد رأته أكثر من مرة، بل قامت في إحداها بالتقاط صور له، لا مماراة فيها، في الوقت الذي ينكر فيه الصيادون وجوده، وكذلك أهالي الشاطئ، كما لم يُذكر عنه شيء في الكتب التي تؤرخ للمنطقة.
إذن، فلنبحث وراء هذا العالم، هل الحصن وهم، أم نصف وهم؟
هل الشخصيات الغريبة، التي ستظهر تباعاً، لتملأ فقرات القصة، وتحاول سد الفجوات، هل هي، أيضاً، شخصيات وهمية، أم نصف وهمية؟
سنطالع هنا، جريمة قتل في مطعم ذائع الصيت، بلغت شهرته الضفة الأخرى للمتوسط، يملكه مسعود، بطل القصة. زبائنه أثرياء من مارسيليا وأميرات من فلوريدا وحالمات من موناكو وشبيهات كليوباترا من نابولي وكالياري وأسيز وتجار وفنانون وكتاب وسحرة من كريت وأثينا وبرشلونة وفاس وأنطاكية ومرمرة. هناك، في هذا المطعم، حيث تدس يد متآمرة سُماً مكيناً لقنصل وخليلته.
أيضاً، توجد شخصية أجنبية، ديمترا، إحدى تجليات الوجود الكوزموبوليتاني بمدينة الإسكندرية. ديمترا، التي تجيد السباحة، لكنها تحاول الانتحار على طريقة فرجينيا وولف، كاتبتها الأثيرة، لكن طاشت محاولاتها:
«إذ انفتقت جيوب ردائها الحريري المعبأة بالأحجار، بخبطات الأمواج ودفعها وانحسارها، فأفلتت الأثقال، وتمزع الثوب، وانجرحت سيقان الفتاة التي استماتت في إصرارها على تغطيس رأسها والغرق بأي شكل، إلى أن قذفت بها الموجة الهائلة إلى الشاطئ، فارتمت مغشياً عليها».
انتقالات سردية، من هنا وهناك، لإدارة الأحداث من بعيد، وإضفاء مظهر تهويمي، على ما يجري، حيث الربط المنطقي بين الفقرات يصبح ضرباً من العبث، فلا شيء هنا يستمد وجوده من العالم الواقعي. فعالم عاطف سليمان نجد جذوره العميقة متغلغلة في التاريخ الثقافي للأمم، حيث الميثولوجيا، والأمثولة، وتراث عالمي تقف على رأسه، أعمال كألف ليلة وليلة، وحكايات شهرزاد المذهلة.
في قصة «حين زرت الحدائق» يبتعد الكاتب قليلاً، في هذه المرة، عن التفخيم الجمالي، ويبدو معنياً بأحوال بطليه، يقترب منهما، من خلال إحدى الشخصيتين التي تدور حولهما القصة، متخذاً من ضمير المتكلم وسيلة للتعبير عن مشاعر بطله اللامُسمَّى، بدون اللجوء إلى تحطيم العناصر السردية المتعارف عليها. فالبنية متماسكة، واللغة أقل تعقيداً، ونحن بصدد لوحة واحدة، لا تخضع للتشظي، ولا توجد انشطارات عميقة تعرقل مجرى الحكاية، على الرغم من نقطة الانطلاق التي بدأت من الذاتي جداً، من قلب الحياة، فلم يلجأ إلى خلق ما لا يوجد، مشيراً بخفة إلى بعض القيم العامة السائدة في الأوساط الثقافية، من دون الوقوف كثيراً عند الأزمات المعقدة، اجتماعياً وسياسياً، أو التعبير عنها بتقنية انطباعية، تقع في مثالب المباشرة. نمضي بعدها باضطراد، إلى العالم المفضل للكاتب، بنوع من السلاسة، لندخل في عالم الأطياف، ولكن على نحو تقليدي، يربط الأحداث والمواقف بعضها ببعض، دون تصنُّع للعواطف، أو محاولة افتعالها.
فالقصة تدور حول رجل وامرأة، من الوسط الثقافي، لا تحتاج بنيتها إلى مشاعر زائفة، فهما أكثر ذكاء من تمرير هذه المشاعر المصطنعة، أو قبولها، ولا تنطلي عليهما سوى الدوافع الإنسانية العفوية. لذا، عندما ذهبت الأحداث إلى مدارها الفانتازي كان الحدث الذي مهد له الكاتب مبرراً، ضمن الإطار الذي أحاط بالنص، وجعل بطليه يعيشان ويتحركان في محيطه، عبر أجواء هلامية أحياناً، مضفورة ببعض الحقائق المعروفة، وتناغم سردي يموج بإيقاع موحد، من خلال الاتجاه التصويري الذي اتخذه للكشف التدريجي عن البقاع الباطنية للشخصيتين، وتفكيك الجهاز الداخلي لهما…
في النهاية، نحن أمام كتابة غنية بالحدْس، تعتمد التحليل في كثير من قصص المجموعة، وتعمل على التنقيح المستمر للسرد في أثناء زمن الكتابة، بما تملك من حساسية بالغة تجاه عناصر الأدب، والحرص المفرط على الدقة، وسبر أغوار عوالم غامضة، بنوع من الجرأة المحفوفة بالمخاطر الفنية. أما الغنائية التي تتألق وتشع في هذه الإضمامة فهي مدعومة، بلا شك، بالأصالة، والملاحظات المستبصرة.
عاطف سليمان: «أعراف البهجة»
منشورات تكوين، الكويت 2024
104 صفحة.