يَعْلم الكُتّاب والنقّاد والقرّاء كذلك، مدى حساسية التعامل مع مواضيع السياسة الخطرة بفخاخها على العمل الفني؛ وتنجح القصص والروايات في امتلاك تأثير عميق على القراء، عندما تعالج مسائلَ السياسة وأحداثها بارتقاءٍ يستخدم العناصر المبتكرة السابقة في الفن الروائي، بتناغم مع خصوصية مواضيعها، وعندما تبتكر أساليبَ جديدةً ممتعةً مثيرةً للدهشة في بنائها، تدفع الكُتّابَ على التأثّر بها، والنقّادَ إلى تناولها بالدراسة، والقراءَ على متابعة تطوّرات الاهتمام بها.
في تفاصيل ارتقائها الفني، بمعالجة السياسة، تدخل في هذه الأعمال عناصر فنية رئيسية مثل التمتّع بالعمق في معالجة الدواخل، والتفاعل بعمق كذلك مع المعتقدات والتراث والثقافة المحلية والعالمية التي تصنع وعي الجماعات. ومثل ذلك استخدامها التحليل النفسي في سبر أعماق شخصياتها من دون إنشاء أو تلفيق يُسقط هذه الشخصيات والعملَ القصصي أو الروائي بالتالي، في فخاخ السطحية والترويج، حتى لو كان الموضوع يتحدّث عن الصراعات الوطنية والجرائم المرتكبة وعن الوقوف بجانب حقوق الإنسان.
ويزيد إعجاب القراء بهذا الارتقاء عندما تَفتحُ الأعمال عوالمَ التداخل والتفاعل بين الموضوعات والكتابة نفسها كبطلة من أبطال العمل، مثلما تفعلُ مجموعة الكاتب والمترجم العراقي كاصد محمد «أفاعي لاماتشو»، التي واجهت بجرأة ملفتةٍ وابتكارات فنية عالية، تحدّيات التصدّي لموضوع سياسي متشعب الجوانب، ومعقّد وحسّاس. وذلك لتداخله بالصراعات الطائفية التي عانى منها العراق بعد سقوط بغداد على أيدي الاحتلال الأمريكي والميليشيات الطائفية التي وضعها على دباباته، وسلّمها البلد لتعيث فيه فساداً، وتفريقاً، وجرائم، واستخراجاً لأسوأ ما في داخل البشر من نوازع التعصب اليقينية، مع زيادة التعقيد باستجلاب التطرف المرعب الممثل بشركة داعش العالمية.
ويزيد تعقيد وجود هذا الموضوع وتحدّيات معالجته فنياً كونُه يحدث في ظلّ شللٍ مريع لمؤسسات الدولة يولّد الفقر والمآسي، وتتسبب في فعله واستمرار دورانه أنيابُ الميليشيات الطائفية التي تبث، كما «أفاعي لاماتشو» في الأساطير العراقية، سمومَها في جسد العراق، إذْ يتداخل الواقع بالأسطورة في طاحونة القتل، وكأنه قدر العراق، بدءاً من الحديث عن عصر عامل بسيط بين مسنناتها:
«كما قُتل آلاف الأبرياء في الحرب الطائفية، لم يكنْ لهم من ذنبٍ سوى انتمائِهم لطائفةٍ أو لأخرى. كانوا ضحايا الصراع من أجل السلطة، ضحايا الجهل والقناعات الخاطئة… وهكذا، فقد خرج هذا العاملُ البسيط بجسدٍ كاملٍ في الصباح، وعاد بجزأين، في كيس بلاستيكي، ربّما من صنع يده. دمٌ أسَالهُ لا أحد، إذ لا مذنب تقع عليه الجريمة. مع ذلك، فقد كان الكلّ مذنبين. بازوزو مزّق ابن لاماشتو العزيز، الابن الذي كان ينهش لحم البشر، ولاماشتو تنتقم لابنها؛ مَنِ المذنبُ بين الزوجين؟ هذه هي المعادلةُ صعبةُ الحلِّ في العراق».
وعي تساؤلات فنُّ القصة:
في اكتشاف كيفية معالجته لموضوعات مجموعته، الوجودية التي تقود في النهاية إلى السياسة، حيث تقوم السلطة بقتل المتظاهرين السلميين في أحداث عام 2019 على أيدي رجالاتها من الميليشيات المسلّحة، كما يصور في قصته الأخيرة «بعين واحدة»؛ ربما تجدر الإشارة بادئ ذي بدء، إلى وعي محمد بمعضلة تناول القصة لموضوعات حساسة مثل موضوعاته. ويبدو ذلك جلياً ويعلِن عنه في قصته «صفعة تاريخ»، الكاشفة عن أسلوبه في تكوين تراكب القصة كذلك، بمعالجته مسألة الغياب في المنفى والموت في الوطن، وإشكالات تناول الشعر لقضايا الموت الطائفي الذي يجتاح العراق. وكذلك في مقارنات متراكبة لطبيعة تعامل العراقيين والأوروبيين مع الموت، بسخرية عميقة تميّز أسلوبه، حيث يجري بعد طقوس الصراخ واللطم والأدعية والدفن «وسط مقبرة تجعلك أقرب إلى ساكنيها من الأحياء»، أن «تعود أدراجك، تخطو بين القبور، تزمُّ شفتيك، كأنهما لم تعرفا قط الابتسامة. تفقد شهيتك للحياة، كما لو كنت عائداً للتو من موعد مع عزرائيل، أخبرك فيه بقرب يومك».
في وعيه لهذه المعالجة، وأسلوبه في ربط القصة بثيمة المجموعة، وتحليله النفسي لتراكم الموت الذي يفقده قيمته ومعناه مهما كان جميلاً أو سيئاً بالتكرار؛ يوصل محمد قارئه إلى ما يريد من توضيحٍ للحيرة في التعامل الفني مع موضوع الموت الطائفي، وذلك بتداخل بطله مع شاعر الحزن والألم العراقي (المفترَض ربما والمُقنّع باسم «سالم البصير»)، الذي برأيه أن شعره «ساحرٌ ومدوٍّ… يجعل من الكلمات أصواتاً… لكنه يفتقد للصدق، للإحساس الصادق والعاطفة».
ويُدخل محمد تفاعل الجمهور المتحمس لهذا النوع من الشعر إلى حدّ التقديس، مثلما يكشف عن اليقينية في تفكير هذا الشاعر، و«وثوقه من نفسه، من أفكاره، ومن كل ما يقوله، ثقة لا تقبل الشك». بعكس أسلوب بطل محمد، الذي يبدو أنه هو نفسه، الذي يتعامل في موضوعاته الفنية «بالشك في كل شيءٍ».
وفي حيرته بين اليقينية التي تقود إلى الحكم الإيديولوجي، وبين الشك، الذي يُغني العمل بالتساؤلات ويشرك القارئ أكثر بعيش العمل، ويجرّه للتفكير في تجربته الخاصة، يعرض محمد تجربة بطله مع الشهرة الخادعة المتأتية من اليقين. والتي كما يبدو هي تجربته كذلك، في معالجة الحزن والألم والموت الدامي، وتحوّل بطله إلى شعر الأمل من خلال صدمته بما ختم به قصيدةً بالقول: «وفي قصائدنا موتٌ… أكثر من بلداننا». وأيقظ وعيه وتساؤلاته عن خطورة التعامل الفني وحساسيته مع الموت بـ: «هل صرنا نصنع الموت في نصوصنا أم أن الموت هو من يصنعُها؟».
وعن خطورة خداع الشهرة التي تحدثُ عادة بترويج الالتزام الوطني لجمهور شعبوي متعطّش لملء فراغ ما يخلقه الحزن والألم واليأس فيه، ووعي هذه الشهرة، بالتساؤل: «هل كانت شاعريتي التي فعلتْ ذلك أم الحال التي تمر بها البلد، والدماء التي تراق فيه؟».
فن القصة أمام واقع معقد:
بتجاوزنا للإشارة المفيدة عن وعي محمد بمعالجة الفن لموضوعات الوجود والسياسة، وتوغلنا في اكتشافات أسلوبه بتكوين هذه المجموعة كباقة، وفي تكوين قصصها، يمكن للقارئ اكتشاف مَحْورة القاصّ لـ 13 من قصص مجموعته الـ 14، على ما حدث في العراق بعد عام 2003، من مجازر تفجير الأماكن والبشر بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، كثيمةٍ تتراصف حولها القصص، سواء في العراق، أو في المنافي، الأمر الذي يُسبغ على المجموعة أهميتها كباقةٍ متنوعة الموضوعات والأسلوب في ظلّ وحدتها، مع أهمية دفعها القارئَ إلى عيشها كروايةٍ بغير شروط الرواية، خاصةً وأنّ القصص الطويلة نسبياً فيها أتاحت لمحمد رسم شخصياته بمنظور تطوّرها وفق ما مرّت به من أحداث أثّرت بها بدءاً من طفولتها.
وأتاحتْ له كذلك تنويعَ القصة بفنيات الرواية، مثل استخدامِ أسلوب الحكواتي في القصة الفاتحة للمجموعة «حكايات للبيع». وأسلوب السّرد الشهرزادي أيضاً، الذي يدفع التشويقُ فيه لمعرفة نهاية القصة القارئَ قسراً للمتابعة؛ وإضافةِ أسلوب الرواية داخل الرواية في هذه القصة نفسِها، مع تدويرها إلى بدايتها، ووضع نهاية مدهشةٍ وغير متوقَّعة في هذا التدوير، حيث يجتمع باعة السوق وجمهور عديد من الناس في مقهى لسماع نهاية حكاية الحكواتي المسلسلة عن الانفجار الذي يودي ببطل حكايته عن لص الأموات. ويحدث انفجارٌ فعلاً في اللحظة التي يعلن فيها عن حدوث الانفجار في القصة، ويرى في هذا التدويرِ لصَّ الأموات يسرق منه الساعة التي استردّها في النهاية المخترعة؛ كما لو أن الحكاية حدثت حقيقةً، مع تسريب محمد لخلاصةٍ تُبرز العلاقة بين الكاتب وبطله، يقول فيها أن الراوي يذهب ويبقى بطل الحكاية.
وربما تحسنُ الإشارة هنا إلى إتاحة طول القصة لمحمد تنويعَ صيغة السرد، واستخدامَ نوعين منها بتناغمٍ وسلاسة في هذه القصة هما سرد المتكلم كداخل على سرد الراوي العليم الأساسي. ويحافظ محمد في بقية القصص على صيغة واحدة من السردين لكل قصة، بحيث تأخذ قصصه التي تتحدث عن الآخرين صيغة سرد الراوي العليم، بينما تجري قصصه القريبة المتداخلة مع سيرته الشخصية بصيغة سرد المتكلم، سواء في تطابقها الواقعي مع سيرته في معظم قصص هذا السرد، أو في ارتدائه قناع بطل يروي الحكاية بهذه الصيغة عن نفسه. مثلما يحدث في قصة المثلث الأحمر، متوسطة الطول، المَجازية بين بقية القصص الواقعية، والتي يقتل فيها ممثلي الديانات التوحيدية الثلاث في حوار الأديان كاشفاً خناجرهم المستورة بابتساماتهم على بعضهم.
ومثلما يحدث كذلك في قصة «أفعى برؤوس ثلاثة»، التي يرتدي فيها الكاتب قناع شاب عراقي لاجئ في أمريكا، يسرد حكاية قتله رجلاً على شاطئ سانتا مونيكا بكاليفورنيا، ويتضح المقتول أنه الجهادي السُّني «ياسين قطاع الرؤوس» في العراق، وأنه كذلك البطل الأمريكي جاسن بلاير، الذي قاتل الإرهاب هناك، مثلما هو أيضاً قطاع الرؤوس الشيخ الشيعي المعمم ياس.
وبين مميزات أسلوبه، يكتشف القارئ استخدام محمد للجمل القصيرة التي تصف حركة الأبطال بما يعكس ويجسّد شخصيتاهم، واستخدامه كذلك القفلات المدهشة التي تبقي القارئ معلّقاً بتساؤلاته، وتدفعه لعيش احتمالاته من خلال التفكير في حدث القفلة، التي تدور غالباً إلى فاتحة القصة. كما يحدث في قفلة «أفاعي لاماشتو»، التي يتكثّف فيها التشويق بالبحث عن مصير الابن المجهول بعد التفجير، وترك القصة مفتوحةً على مجهول الانتظار.
ويعيش القارئ في اكتشافاته متعة السخرية العميقة في موضوعات الوجود والعدم، كالتعامل مع الموت في قصة «صفعة تاريخ»، مثلما يعيش قلق اليقين ومتعة التساؤل في ذات القصة.
وأكثر من ذلك يعيش متعة المداخلات العميقة مع التحليل النفسي وآخر رؤى العلم حول الزمن في فيزياء الكم، حيث يعيش عراقيٌّ مهاجرٌ في أوروبا، أثّر فيه واقع التفجيرات في بلده، وأصابه بمرض انفراط الذكريات واختلاطها. وعيشها كحقيقة أو عالمٍ موازٍ، في قصة «نوبة الذكرى»؛ التي يشعر فيها أن «مسبحة الزمن» انفرطت، شارحاً للطبيب معنى ذلك، بمثال استخدام المسبحة في بلاده لقتل الوقت من قبل الشيوخ بدل التعبّد، والدوران في دائرة مفرغة، يدور فيها الزمن بين أصابعهم، وعندما ينقطع الخيط وتنفرط الخرزات، ينفرط الوقت ويشعرون بشيء من الضياع إلى أن تستقر بين أيديهم مسبحة أخرى. ويوضِح للطبيب أن خيط المسبحة هو الزمن والخرزات هي الذكريات وقد انفرطت هذه المسبحة في رأسه وتحولت مسطحاً مائياً، تختلط فيه الذكريات وتنتهي الحدود بين الماضي والحاضر والمستقبل. مثلما يعيش متعة عالم الاحتمالات التي تفتح باب التساؤل عن قدر وعدالة العقاب، في هذه القصة.
وختاماً بقفلةٍ تترك الإدهاش لقراءة هذه المجموعة، يمكن القول إن «أفاعي لاماشتو» التي تظهر في ليل شوارعنا الطائفية، لتنهش لحم البشر، لم تغادر حقيقة وجودها في حليب معتقداتنا التي يرضعها أطفالنا.
كاصد محمد: «أفاعي لاماشتو»
منشورات المتوسط، ميلانو 2022
184 صفحة.