بيروت-“القدس العربي”: لعبة عض الأصابع بين السلطة والانتفاضة الشعبية العابرة للطوائف مستمرة، وفي وقت تراهن السلطة على تعب المتظاهرين وخروجهم من الساحات والطرقات وتراجع حضورهم إلا أن وقائع الأيام العشر الماضية أظهرت أن الانتفاضة صامدة وأن المتظاهرين تحدّوا عوامل الطبيعة والأمطار والتحذيرات وحافظوا على وتيرة تحركاتهم التي تتسّع يوماً بعد يوم وتنتقل من منطقة إلى أخرى لتعمّ كل الأراضي اللبنانية بما فيها أماكن تشكّل مناطق مقفلة للثنائي الشيعي في صور والنبطية وكفررمان وبعلبك التي انضمت إلى مدن كبرى مثل بيروت وصيدا وطرابلس وجونية وزحلة مروراً بمناطق عاليه والشوف والمتن والبترون.
وإذا كانت السلطة حاولت احتواء الحركة الشعبية من خلال وعود مؤجلة التنفيذ على غرار الورقة الإصلاحية التي أعلن عنها رئيس الحكومة سعد الحريري أو من خلال رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون وما تضمّنته من دعوة إلى حوار مع المعتصمين، إلآ أن الرد الفوري من الانتفاضة كان الرفض وعدم الاقتناع بأي خطة وأي وعود إصلاحية والتأكيد على رحيل الطبقة السياسية وإحداث تغيير كبير بسبب إنعدام الثقة بالوجوه الحالية انطلاقاً من القول المأثور “من جرّب المجرّب كان عقله مخرّب”.
لكن السلطة اكتفت لغاية الآن بالكلام المعسول وبتوجيه التحية للشعب الحي من دون تقديم مبادرة واضحة بإستثناء تلميح رئيس الجمهورية إلى “ضرورة إعادة النظر بالواقع الحكومي” وترحيب الرئيس الحريري بهذا التوجّه من دون خطوات ملموسة.
وبدا جلياً أن هناك تمايزاً في النظرة إلى التعديل أو التغيير الحكومي بين الرئيس الحريري وطرفين أساسيين هما التيار الوطني الحر وحزب الله. فالحريري الذي كان يميل إلى الاستقالة منذ بداية الانتفاضة قبل تلقّي نصيحة من الثنائي الشيعي بالعدول عنها والوعد بعدم تحميله وحيداً مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمالية، يسعى بعد رسالة الرئيس عون إلى مقاربة الأمر بمسؤولية تنطلق من التوافق المسبق على المخارج قبل الإقدام على أي خطوة تجنّباً للدخول في مناكفات وأزمة مفتوحة والوقوع كالعادة في دوّامة الأخذ والرد التي كانت تتسّم بها عملية تأليف الحكومة في أوقات سابقة نتيجة الشروط والشروط المضادة والتي كانت تؤخّر ولادة الحكومة أشهراً طويلة. فكيف بالواقع الحالي حيث هناك دعوات متتالية من أقطاب سياسية كرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى التخلي عن الوزير جبران باسيل “رمز الاستبداد الحكومي” ورفض رئيس الجمهورية مثل هذا التوجّه بعدما عدل عن التخلي عنه بناء لنصيحة إبنتيه ميراي وكلودين. في وقت يدعو البعض إلى تغيير وجوه وزارية مستفزّة ومسؤولة عن اندلاع شرارة الانتفاضة وعلى رأسهم وزير الاتصالات محمد شقير، فيما يقترح آخرون أن يطال التغيير ليس فقط تسمية وزراء مكان وزراء القوات اللبنانية الأربعة بل إستبدال وزير أو أكثر من الكتل الممثلة في الحكومة كوزير الأشغال يوسف فنيانوس ووزير التربية أكرم شهيّب ووزير المهجرين غسان عطالله في حال عدم التوجّه إلى تأليف حكومة اختصاصيين أو حكومة مستقلة كلياً.
أما حزب الله والتيار البرتقالي فلديهما حسابات أخرى تختلف عن حسابات الحريري وباقي القوى السياسية، فهما يتمسّكان ببقاء الحكومة وعدم حصول تغيير وفق ما أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في إطلالته الأولى بعد الاحتجاجات إنطلاقاً من فائض القوة الذي يشعران به ولعدم تسجيل أي نقطة عليهما بأنهما رضخا تحت الضغط الشعبي وقدّما التنازلات خشية عدم الاقتناع من قبل المتظاهرين ومطالبتهما بمزيد من التنازلات.
وبالنسبة إلى حزب الله أولاً، فإنه على عكس الخطوة التي أقدم عليها قبل سنوات لحظة دخول الحريري إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فهو متمسّك حالياً بالحريري وبأمسّ الحاجة للبقاء في الحكومة لتحديد الاتجاهات الاستراتيجية للدولة، لأن حضوره داخل الحكومة يعزّز أوراقه في إطار مواجهته العقوبات المفروضة عليه سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو من دول عربية وغربية. كما يعتبر الحزب أن بقاء الحريري على رأس حكومة وحدة وطنية وذي وجه سياسي هو ضرورة له لأن الحريري بعلاقاته العربية والدولية يشكّل أفضل مظلّة للحزب وللبلد تماماً كما وجود الوزير جبران باسيل في حقيبة الخارجية الذي يعبّر عن توجّهات الحزب في الجامعة العربية والمنابر الدولية. أما عودة الحريري على رأس حكومة تكنوقراط غير سياسية سيدفع إلى خروج حزب الله من هذه الحكومة ويفقده مشروعية حكومية، وقد يحضّر الأرضية لتعزيز الحالة الشيعية الخارجة عن نفوذ الثنائي الشيعي ولاسيما بعدما شهدته المناطق الجنوبية من تمرّد شيعة مستقلين ويساريين على الوضع القائم.
سياق تنازلي
كما يعتبر حزب الله أن خروج باسيل من الحكومة سيفقده ورقة أساسية في وزارة الخارجية، ويعتبر أن أولى ضحايا أي حكومة مستقلة قد تكون المعادلة الثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” على الرغم من تمويهها في البيانات الوزارية للحكومتين السابقتين، وستُعتبر خطوة في سياق تنازلي قد يصيب العهد الذي إن رحل سيكون ضربة قوية للمحور السوري الإيراني القابض على زمام الأمور في لبنان والذي يعتبر بيروت إحدى العواصم العربية الأربع الخاضعة للنفوذ الإيراني وسيشجّع العراقيين على العودة إلى ساحة التحرير للمطالبة باستقالة الحكومة.
من هنا يُفهَم تمسّك الحزب بالعهد والحكومة وما زال يعتبر أن الوضع ما زال تحت السيطرة طالما ابتعدت الانتفاضة عن التسييس وعن المطالبة بنزع سلاحه الذي يتفادى حزب الله استخدامه مرة جديدة في الداخل لفرض أمر واقع كما حصل في اجتياح بيروت في 7 ايار وهو يتكّل لغاية الآن على تحرّك مناصري التيار الوطني الحر لإضعاف الحركة الشعبية أو لإسقاطها تحديداً في المناطق المسيحية. وهذا ما برز في الأيام القلية الماضية من خلال اتهام التيار البرتقالي حزب القوات اللبنانية بالوقوف وراء المتظاهرين ودفعهم إلى قطع الطرق وبالتالي العمل على تحضير تحركات عونية في جونية وبعبدا تدعو إلى تأييد العهد وفتح الطرقات بالقوة ووقف الأعمال الميليشياوية. وضمن هذا الإطار يندرج الهجوم على المعتصمين في محلة مزرعة يشوع والتلويح بالتحرك ضد المتظاهرين في كسروان والمتن واتهام معراب وأبناء بشري بأنهم يقطعون الطرقات في غزير وزوق مصبح وجل الديب لتحريض الناس عليهم.
أما بالنسبة إلى التيار الوطني الحر فهو لا يريد عشية الذكرى الثالثة لانتخاب الرئيس عون أن يسجّل أي تراجع أمام الضغط الشعبي أو أمام القوات اللبنانية التي استقال وزراؤها كخطوة ضاغطة لتنحية كامل الحكومة. ولا يريد التيار تكرار تجربة الرئيس بشارة الخوري عام 1952 الذي وإن كان رئيس الاستقلال أقدم تلقائياً بعد احتجاجات شعبية انطلقت في السنة الثالثة لتمديد ولايته الدستورية على كتابة استقالته والتدوين إلى جانب توقيعه “كل نقطة دم تسقط من أي مواطن تساوي كل رؤساء العالم”.
وإذا كان التيار لم ينغمس في منظومة الفساد قبل العام 2005 فهو يعتبر خروجه من الحكومة إدانة لأدائه وليس مستعداً للتخلي عن الأغلبية الوزارية التي يمتلكها في الحكومة وإمساكه بمفاصل الدولة من خلال التعيينات الإدارية والأمنية.
وبناء على موقف كل من حزب الله والتيار البرتقالي وبعد سقوط ورقة الترغيب التي تمثّلت بالورقة الإصلاحية للحريري وبرسالة رئيس الجمهورية، وبعد فشل قمع الجيش اللبناني في قمع التظاهرات وفتح الطرقات بالقوة الناعمة، هل يلجأ الفريقان إلى الترهيب وأسلوب الدراجات النارية أو القمصان السود ووضع شارع مقابل شارع والتي بدأت طلائعها بإذكاء التفرقة وتحييد السيد نصر الله عن شعار “كلّن يعني كلّن” ومهاجمة رئيس القوات سمير جعجع وقد بدأت “البلطجة” منذ يوم الخميس وتصاعدت الجمعة في ظل حديث نصر الله عن مؤامرة على البلد واستهداف دولي وإقليمي؟ وماذا عن موقف الدول من قمع هذه التظاهرات السلمية المعبّرة بطرق حضارية وديمقراطية؟ ولمن سيلعب الوقت هل لصالح السلطة أم لصالح الشارع؟
يبقى أنه إذا كانت ثورة 14 آذار 2005 التي نجحت منذ يومها الأول بإخراج الجيش السوري من لبنان فهل تنجح ثورة 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 في تحقيق أهدافها ومتى أم نكون أمام سيناريو 7 ايار جديد بعد رفع أمين عام حزب الله إصبعه؟