تقديم الروائي لروايته بإهداءٍ، أو بكلمةٍ أو جملةٍ مقتطَفةٍ أو بيتِ شعرٍ لكاتب أو مفكّر أو فيلسوفٍ؛ لا يأتي عبثاً فيما هو معتاد؛ إذ سرعان ما يكتشف القارئ خلال القراءة مدى ارتباط التقديم أو الإهداء بعالم الرواية الذي يتجاوز الموضوعَ إلى أسلوب تكوينها، إن اعتمدنا الرأي النقدي الذي لا يفصلهما في تحديد اعتباره الرواية الناجحة قولاً وفعلاً هي الرواية المتكاملة الأركان.
ويعيش القراء ارتباط الرواية بالتقديم أو الإهداء، غالباً من جهة الموضوع، الذي يضع الروائي في حقل الأمان، إذ يندر، أو يقلّ على الأقل أنْ يمتلك الروائي الجرأة في إقامة ارتباطٍ على صعيد التكوين والأسلوب دون أن يقع في فخ التقليد، ويتطلّب الخطوُ في درب «الصدّ لا ردّ» هذا من الروائي التمتّع بقدرة مقتفي أثرٍ هندي لتجنب فخاخ الطريق الملتبس الذي دخل. مثلما فعل الروائي المصري محمد عبد الجواد حين أهدى روايته «أميرة البحار السبعة» إلى أحد أهم الثقوب السوداء في عالم رواية القرن الذي مضى بحسن وسوءِ حظٍّ منفلت عن التقدير، من جهة إبداعه في رواية الواقعية السحرية، «المايسترو غابرييل غارسيا ماركيز/ المعلّم الذي لم يمت بعد» كما جاء في الإهداء.
وبتعقيد أكثر جرأة، إذ تداخل عبد الجواد مع ماركيز من الجهة الخطرة كما سيكتشف القارئ، وبوقاحة الإبداع كذلك مع روايته الأكثر جذباً وغموضاً وواقعية سحرية ومتعةً، «مائة عام من العزلة»، من الجهة الواسعة في الرواية، بخلق أو تطوير قرية «سيدي العوام»، المقاربة في تماثلها مع «ماكوندو» ماركيز، وروايتيه من جهة جانبية: «الحب في زمن الكوليرا»، في حالة بطله يحيى العازف، الذي ظل يعزف: «يومياً بلا توقف على مدار 624 يوماً كما دونتها ملائكة الحب، حتى كاد يملّ عند اليوم الـ625، قبل أن تلتفت إليه أميرة فتطل من شرفة شرنقتها الإجبارية، وتعطيه ابتسامة تفاهم حقيقية». وذلك تماثلاً مع معالجة ماركيز للحب المستحيل في حالة إحصاء بطله فلورنتينو سنوات وأشهر وأيام انتظاره «فيرمينا» حتى لحظة استسلامها لحبه، وروايته «خريف البطريرك» في حالة حاكم القرية الأوحد المعلم جابر الحرارة، متماثلاً مع بطريرك ماركيز في لوثات تقدمه بالسن.
جرأة الطول إلى قامات العمالقة:
على عكس ما يخجل منه البعض في تأثرهم بعمالقة الأدب مثل محمود درويش، كمثال أكبر، وما يتولّد من ردّ فعل ساذج من قبلهم، بسبب انحدار تأثر التداخل الخالي من التجديد إلى التقليد، على الأغلب، فيلجأون إلى الإنكار ومقاطعة من يشير لهم بذلك كي يطوّروا تجاربهم؛ يلجأ عبد الجواد في أميرة بحاره المهداة أيضاً إلى «أميرتَيْ بحاري السبعة: جَنَى وأمي ضياء»، إلى الشفافية بالتصريح عن تداخله بأسلوب ماركيز الواقعي السحري، بجرأة المجدّد الواثق من نقل هذا التداخل إلى التجديد، في رواية ساحرة تحمل خصوصية منطقته دون أن تفقد عموميتها الإنسانية.
ويمكن للقارئ بوضوح التجلّي، في هذا التداخل الذي سيعيشه منذ بداية الرواية إلى نهايتها، تلمّس ألق جملة ماركيز الطويلة المتداخلة المتفرعة كما شجيرةٍ تتفرع أغصانها لتنتهي ربما إلى زهرةِ أو ثمرةِ المجاز، حيثي قرأ في الصفحة 14: «كانت كارثةً تاريخية، فالرائحة، والتي اشتدت في مساء اليوم التالي للميلاد، والذي تمّ في بحر إبريل المضطرب، تحت شمس الحمل، جعلتْ بعض السيدات الحاضرات بدافع الشفقة، لأن أسماء بلا شجرة ولا جذور، أو بدافع الفضول المحض، لرؤية ميلاد بلا أب، يقمْنَ بتطويب أميرة ــ والتي أسْمتْها أمها بهذا الاسم، لأن آخر ما رأته في ليلة الحب الجامحة والعمياء، بسرِّها الذي لم تعلنه لأحد، كان سفينة تحمل اسم أميرة، تتراقص فوق البحر بخفة العذارى ــ عروس بحر حقيقية، لا ينقصها الجمال، وإنما تنقصها نظافة الرائحة، قبل أن تعلن بعض المائلات منهنَّ إلى المبالغة بالفطرة، أن لأميرة حراشف السمك، وعيني بوري ميّت، ومن ثم انتقل الخبر في قرية سيدي العوام، مقلقاً مضاجع الموتى: أن أسماء، بائعة الخضَر، أنجبت سمكةً بشرية».
إلى جانب جملة ماركيز المعدية برائحة مسكِ حوت، وأخواتها المماثلات من جمل الرواية المتداخلة بها، والمعبّرة عن لعنة الوليدة/ السمكة، بتضاد جمالها الآسر مع رائحتها التي لا يمكن تصريفها بميزان أيّ نحو، إلا بمسك الحب؛ يُنبض عبد الجواد جسد روايته بروح المشهدية السينمائية التي يعيشها القارئ بالتصوير الحيّ للأحداث. ثم معالجة سلوك الشخصيات إلى درجة عمق عيش الشخصيات نفسها لذواتها (المدفوعة سواء برغبات الحب المشروعة وغير المشروعة، اللطيفة والعنيفة، الجنسية والرومانسية، أو بأطماع التملك الاقتصادي، أو بدوافع الضمير الذي لا يُعرف كيف يستيقظ ومن أعماق أيّ ظلماتٍ تراكمت في النفس البشرية)، بحرفية مداخلات التأمل بالنفس مع الأحداث التي دفعت إلى تأملها.
ويصرّح عبد الجواد بهذا في تقديم الرواية كذلك بـ «شكر خاص وواجب»، إلى زميلته دينا محيي، في ورشة تطوير القصص والسيناريو، على منحها فكرة الفتاة الزنخة برائحة السمك، والتي لولاها ما ظهرت قرية سيدي العوام للحياة في الرواية، مع إشارته إلى العمل على تحويل فكرتها الأصيلة، وربما هذه الرواية إلى سيناريو يتحقق فيلماً أو مسلسلاً ينهج أسلوب الواقعية السحرية.
وربما يتذكر القارئ بهذا التحويل حرص ماركيز، على عدم تحويل روايته المذهلة «مائة عام من العزلة» إلى فيلم، كي لا ينقص أي خيط من نسيج الخيال الجامح فيها، بإمكانيات السينما المحدودة آنذاك، والتي عوّضت نتفليكس في أيام التطور الحالية بعض نقصها، بإصدار مسلسل عن روايته بعد سنوات من وفاته.
وإلى جانب ذلك كذلك، في أساس طبيعة الرواية بنهجها أسلوب الواقعية السحرية، يلاقح عبد الجواد موضوعات روايته، بسحرية الخرافة التي يقتات بها أهل قرية سيدي العوام، تزويداً لهم من معتقداتهم وتراثهم، ودفعهم لجعلها قائدة مصائرهم، في سلوكهم الخيّر كما في دفعهم للشرّ توهماً أنه مخلوقٌ لإنقاذهم.
ويعالج القارئ سحرية هذه الخرافات في داخله المستجيب تأملاً في ذاته، على اختلاف مكانه، من جهة انسحابها على معظم المناطق العربية وأغلب العالمية المسيحية والإسلامية، مطوَّرة عن خرافات اليهودية التي سرقتها التوراة إلى جانب خرافات التلمود من الحضارات العارمة، السومرية، الأكادية، الآشورية، البابلية. وكذلك الفرعونية التي احتكت بها، ونقلت إليها الخوفَ المشوب بروح العقاب والغضب والانتقام لدى ربّ يمسح قرية كاملة على عَقْر ناقةٍ، أو يدفع نبيَّهُ لقتل طفلٍ تحت وهم مصيرِ عُقوقٍ متنبَّأٍ به، حتى الوصول إلى ارتكاب إبادةٍ جماعية باستشهادٍ يندى له جبين الإنسانية من مرتكبها. ونقلتها الكتب المقدّسة التوحيدية التالية عنها، لجهلِها مصادرها الإنسانية الأولى.
ومن أهم هذه الخرافات التي تتداخل بها الرواية، قصة ابتلاع الحوت للنبي يونس، وربط أهل قرية سيدي العوام لها كإسمنت في تأسيس الصياد الأول محمد العوام للقرية مترافقة بإبداع خرافاته عن ابتلاع الحوت له. ثم سفينة نوح التي تلعب دوراً مهماً في الرواية، ليس من جهة الأزواج السبعة لحيوانات السفينة، ولا من جهة قدسية الرقم سبعة في عنوان الرواية وخلاياها، وإنما في ردود فعل المتعاملين معها على شقَّي أهل قرية الرواية: الفقراء الذين يخافون عقاب الطوفان، فيهجمون لدخول السفينة بقيادة الشيخ علي عبد الوهاب المتحوّل بعد ذلك تعبيراً عن تحالف الدين والمال، عندما ينتشر خبر بناء نوح لسفينة جديدة، توهَّمُوها عند كشف الستار عنها، كمطعم سمك ضخم بناه المعلم رشدان اللول، من جهة أولى. ومن جهة ثانية شيوخ القرية الصيادين الكبار، بقيادة بطريرك القرية المعلم جابر الحلاوة، الذي يدرك مدى وأبعاد الخرافة ومخاطرها، مثل التساؤل عمن تأتي سفينة نوح لإغراقه إن لم يكن هو، ويدير الخرافة وفق مصالح بقاء القرية تحت سلطته وسلطة ذريته من بعده إلى يوم القيامة.
في منح روايته نكهة المحلية السحرية المؤسسة على واقع أوهام البسطاء، يضيف عبد الجواد بهارات السخرية والعبث المميزة لروايات وشعر ما بعد الحداثة، ضمن قصة سفينة نوح الجديدة لإنقاذ البشرية من الطوفان ذاتها كمثال، عندما يتأكد الطفل حمو القليل الذي بقي بحجم واحد لا يكبر، من نعت من رآها أنها سفينة نوح جديدة، فيذهب إلى زاوية الشيخ عبد الوهاب، الذي يعتبره: «أحد تجسدات الله في هذا العالم الجاحد، لإخباره في حوار السخرية أن: سيدنا نوح بنى سفينة جديدة في البلد./ فشخر الشيخ عبد الوهاب وقال: «بل المرحوم أبوك بنى بأمك الفقر فجئت يا قلِّة./ فأضاف حمّو القليل بثقة مثيرة: ـــ بل سفينة وبحجم مؤخرتك يا شيخ علي».
وفي اكتمال الحديث عن واقعية عبد الجواد السحرية، التي لا تكتمل إلا بقراءة الرواية، لسِعَتها، يحضر الحديث عن الغجر، مرتبطاً بتقديمه كذلك لأبيات شعر من قصيدة لوركا «الجميلة والهواء» في «مواويل الغجر»، كشعبٍ ترتبط نساؤه بالحرية والمصائر الغريبة التي تثير الأسى، وتُذكّر بـقرينة الحرية/ المرأة المهرة التي لا تطوَّع: «رادا» مكسيم غوركي، التي تجبر محبّها الغجري المكابر في خضوعه لها أمام مخيم الغجر وفق طلبها، زوبار، على طعنها كحلّ وحيد لحبّهما المستحيل، وهي تعلم ويعلم هو كذلك أنه سيموت بهذا أيضاً، إذ يقتله أبوها فوراً.
وهكذا يخلق عبد الجواد شخصيتَيْ بطلتيه الأساسيتين أسماء التي تملك بيدها مصيرها مع الرجال، وابنتها أميرة/ لعنة الجمال الأخاذ بالرائحة الكريهة الحامية للجمال، كما لو كانت أحد تجلّيات الطبيعة في صراع البقاء: غجريتان قادمتان من الشام، تحمل أولاهما أنَفَة مثالها الملكة زنوبيا، والثانية شفافيةَ الفتاة الفقيرة الساذجة المصابة برائحة زفر السمك، والتي تتحوّل بمجرد حرّيتها من أمها التي رحلت عنها، إلى المهرة التي لا تطوّع كذلك.
وخلل خلق الخرافات والواقع الذي تنمو فيه، ويفصّله عبد الجواد بثراء معرفي ثقافي وموسيقي مع تحليل نفسي عميق، حول إشكاليات الحبّ المستحيل في بحر المصالح المتلاطم؛ تقوم بطلتاه بخلق مصير عاشقيهما الشابين البسيطين التعيسين: صانع اللعب، والعازف الشارد، بإذهال، في ظل وجود البطلتين الاستثنائيتين بحق، تحت حدّ سكاكين الفقر وخرافات القرية المنذورة للفناء بحكم جهلها، وبترك السلطات الحكومية لها لمصير الفناء الذي يتكشف في نهاية الرواية عن تعاقد الحكومة مع شركة صيدٍ نرويجية تجفف البحر من السمك الذي تقتات عليه اقتياتها على خرافاتها.
وفي اكتمال الحديث الذي لا يكتمل كذلك، يحضر الحديث عن البنية التي شكل بها عبد الجواد روايته، بخمسة عشر فصلاً بأرقام من دون عناوين، وصياغتها بمنظومة سردِ الراوي العليم التي اشتهر بها ماركيز وتميزت بخصوصيته التي عبّر عنها بقوله إنها تماثل ببساطة حديث الجدّات لأبنائهن.
محمد عبد الجواد: «أميرة البحار السبعة»
المرايا للثقافة والفنون، القاهرة 2024
300 صفحة.