تطرحُ روايةُ «أميرة الجليد» للروائية السويدية كاميلا لاكبيرغ ظلها على مفترق الالتقاء السردي الممتزج بين التصاعد الدرامتيكي والإشكال السيكولوجي الخاضع لفن الجريمة، اللذين يشكلان منعطفاً أساسياً في توجيه وتصعيد الحدث إلى ذروة الاحتقان حيث تتوارد الانفعالات والاضطرابات بين أبطال الرواية كافة، حتى الإفراج عن الحل أخيراً في النهاية مع وقع طبول الرتابة والتكرار، والنفخ في بوق الحوار والملازمة الحسية لتحركات كل شخصية من شخصيات القصة في أدق وأصغر التفاصيل التي لا طائل منها، حيث تبقى العقدة سرمدية إلى ما لانهاية من دون تطورٍ على الانعكاسات الازدواجية، التي تطل من بلور الحبكة حتى اللهاث الأخير لأنفاس السرد.
البداية
تبدو البداية مغلفة بأغشيةٍ كثيفة السواد، غزيرة التحليل، فالقصة تبدأ بجريمة قتلٍ لألكسندا السيدة الشابة المتزوجة الثرية، عندما يكتشفها عاملٌ لديها وهي مستلقية في حوض الحمام بيدين تنزفان، بعد أن قُطعت شرايينهما، فيصرخ مذعوراً وينادي ساكنة المنزل المجاور، وهي صديقة الضحية وتدعى أريكا فالك، تعملُ في مجال الكتابة والتحرير. فيدفعها الفضول والشغف إلى التنقيب مع صديقها المحقق باتريك في لب القضية والتنقيب في أبعادها، وتقع في غرامه لاحقاً، ويعثران على خيوطٍ متشابكةٍ لعلاقة الضحية بزوجها وأهلها واختها، التي يتضح لاحقاً بأنها ابنتها، وأنها أنجبتها وهي في الثانية عشرة من عمرها فقط بعد تعرضها للاغتصاب على يد نيلز ابن العائلة الغنية الذي كان يدرس لها في المدرسة، ويكتشفان علاقتها بالمتشرد الرسام أندرو وانتحاره لاحقاً، الذي كان قد تعرض بدوره للتحرش من قبل الشخص نفسه، مع جان الابن المتبنى للسيدة الثرية نيللي والدة نيلز، وتعاهدوا ثلاثتهم على قتل نيلز ودفعه في هوة سحيقة من الجليد، حتى يبرأ جرحهم ويأخذوا بثأرهم من تصرفه الغاشم الذي ألحق الأذى بطفولتهم.
يكبر الثلاثة، ويختفي نيلز في فترة طفولتهم، وتُطمسُ أحداث القصة بعد أن يعتقد معظم أهل القرية بأنه قد اختلس من مصنع والده مبلغاً كبيراً من المال وفرّ هارباً. ولكن حمل ألكسندا يجعل أسرتها تغادر القرية بعد أن عرضت عليهم نيللي والدة المغتصب عملاً في قرية أخرى مع مبلغ كبير من المال، لتنجب ألكسندا ابنتها جوليا ويدعي أبواها بأن الطفلة ابنتهما.
يستمر التحقيق في قضية قتل ألكسندا، حتى تتبلور الأحداث لتكشف عن القاتل الحقيقي ضمن المشتبه فيهم في القصة، فتعثر أريكا على حقيقة أن صديقها المقرب والمتزوج دان هو والد الطفل الذي كانت تحمله الضحية في أحشائها، بعد أن كشف الطبيب الشرعي الأمر، وأنكر زوجها أبوته للطفل بسبب انقطاع العلاقة الزوجية بينهما لأكثر من سنتين، ولكن القاتل هي أم اندرو الرسام السكير المنحرف، وقد اختارت أن تقتل ألكسندا حتى لا يتسنى لها أن تكشف عن حقيقة تعرضها للاغتصاب هي واندرو وجان في صغرهم تحسباً من انتشار الفضيحة، وتلوث سمعة ابنها، وخوفاً من أن تقر بجريمة القتل التي ارتكبوها صغاراً فيودع ابنها السجن.
تتطرق الكاتبة ضمن سياق الرواية إلى علاقة أريكا بشقيقتها المتزوجة «آنا» التي تتعرض للعنف الجسدي والنفسي من قبل زوجها، ولكنها تبقى راضخةً صامتة من أجل الحفاظ على منزلها وطفليها، وتسعى لبيع المنزل الذي تقطن فيه شقيقتها بعد وفاة والديهما، إرضاءً لزوجها المعنف، ولكنها تهجره بعد أن يقوم بضرب طفلتهما وكسر ذراعها.
؟بداية الرواية مشوقة ونهايتها مخيبة للظن، فلا تستقيم الصورة واضحة بسبب التكرار والملل اللذين يحاصران القارئ ويبطّئان من التصاعد الطبيعي للأحداث، تحاول الكاتبة أن ترسم خرائط روايتها على التصميم الهندسي الفني لبنية الرواية البوليسية، الذي وضعته الكاتبة أجاثا كريستي، ولكنها تخفق في رمي القوس من يد الرامي على عنصر التشويق والجذب. هي روايةٌ تتأرجح بين الحقيقة والخيال، تشبه زحف أيادي الرياح على عنق الجبل رويداً رويداً، حتى تتحرك وتثور الطبيعة ويطول فصل الخريف ليلوح أخيراً ربيع الحل مع عقدةٍ جديدة، إذ أن الكاتبة لا تعطينا إجابات عن مشاكل كثيرة في الرواية، منها مسألة آنا شقيقة البطلة ومصيرها مع زوجها المعنف، وكذلك مصير أريكا التي وقعت في حب باتريك وبادلها المشاعر، وما سيحدث لجان الابن المتبني لنيلي، الذي ارتكب في طفولته جريمة قتل بحق نيلز ابنها المغتصب، ولم تُعرف بعد.
التشويق
لطالما كان التشويق العنصر الأساسي لرواية الجريمة، الذي يرصع سقف أحداثها بالعلل والتأويل والتهويل والتفصيل البسيط، ولكن الكاتبة كاميلا لاكبيرغ عمدت إلى الحشو اللاطائل منه، حتى تعطي مساحات أكثر للتفاصيل الأكثر من دقيقة ورتيبة في خضم القصة.
رواية «أميرة الجليد» تعيدنا إلى زمن القصة الكلاسيكية القديمة، بالحوار المتواصل بين الأبطال والوصف المأساوي والدرامي للبيئة المحيطة بهم، والحل المعاقب والمثيب الذي يأتي في غير محله الطبيعي.
كاتبة لبنانية