ليس جديدا رحيل الأحباء، لكن رحيل أمينة رشيد أستاذة الأدب الفرنسي والأدب المقارن في كلية الآداب جامعة القاهرة، ملأ الفضاء حولي بالذكريات أيام الأمل. شاركها في الفضاء زوجها سيد البحراوي أستاذ الأدب العربي في جامعة القاهرة أيضا، الذي سبقها عام 2018 بعد رحلة طويلة مع المرض.
أتذكر يوم زواجهما والحفلة الصغيرة التي أقاماها لأصدقائهما في شقتهما، وكثير من الحضور بينهم، عبد المحسن طه بدر أستاذ سيد البحراوي، الذي كان وقتها معيدا في كلية الاداب، وكيف كان يصفق بيديه كأنه طفل صغير. كان سيد البحراوي يسكن قبل زواجه في منطقة الوراق، حيث يسكن الشاعر محمد كشيك والقاص يوسف أبورية والشاعر عمر الصاوي وغيرهم، وكانت لقاءاتي الليلية معهم هناك، ثم استمرت لقاءاتي أو استمر حضوري بعد ذلك لسنوات في البيت أو الشقة الجديدة لأمينة رشيد وسيد البحراوي في مدينة المبعوثين، حيث عمارات هيئة تدريس جامعة القاهرة بعد مستشفى بولاق العام، وجوار المدينة الجامعية. كانت إلى جوارهما أيضا تقطن فاطمة موسى، وتقريبا كنا نوزع اللقاءات بينهما مرة كل أسبوع ولوقت طويل. في هذه اللقاءات كان يوجد كتاب وأساتذة مثل عبد المنعم تليمة والمعيدة وقتها هالة فؤاد وفتحي غانم، وكانت الأحاديث والنقاشات مليئة بالتفاؤل والأمل، رغم ما حولنا من تطورات سياسية، وهي التطورات التي لم تجعلنا في حالة رضا.
كانت السياسة قاسما أعظم بيننا سواء في ما نكتب أو نفعل. ففي حزب التجمع أقيمت جماعة الدفاع عن الثقافة القومية بعد اتفاقية كامب ديفيد، التي كانت جبهة لكل التيارات الفكرية وليس لأعضاء الحزب فقط، وكنت من أعضائها ومعنا أسماء عظيمة مثل رضوى عاشور وفريدة النقاش ولطيفة الزيات وصلاح عيسى وفتحية العسال وعبد العظيم أنيس والسيناريست جلال الغزالي وسليمان فياض وفاضل الأسود وعواطف عبد الرحمن ومحمود الورداني وغيرهم. كان أهم ما تقوم به اللجنة هو مقاومة التطبيع، ولم يكن يمر عام إلا ويعرف الاعتقال عددا منهم، فعرفته فريدة النقاش وعواطف عبد الرحمن ولطيفة الزيات وصلاح عيسى، وكان نصيب أمينة رشيد الاعتقال عام 1981 في اعتقالات سبتمبر/أيلول الشهيرة التي قام بها السادات، والتي انتهت بمقتله على يد الجماعات الإسلامية وخروج المعتقلين. تقريبا كنت أنا وعدد كبير من الأدباء آخر من تم اعتقالهم عام 1985 مع آخر حضور لإسرائيل في معرض الكتاب، ولم تشارك بعده فيه.
كانت أمينة رشيد تبدو لنا دائما الأكثر هدوءا كأنما لا تصدق نفسها، وهي بين هؤلاء الشعبويين أصحاب الأصوات العالية من فصائل اليسار، الذين هم على يقين بتغيير العالم ، فهي قادمة من عائلة ارستقراطية، وبنت الذوات التي تعلمت في المدارس الفرنسية، وتعلمت العربية كلغة أجنبية، لكنها تمردت على العائلة البورجوازية التي كان عمودها إسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية، ورئيس وزراء مصر الذي كان معاديا للحركة الوطنية ولدستور 1923 وكل دستور، ولم تكن وحدها في العائلة. كان هناك ايضا الكاتب اليساري محمد سيد أحمد الذي عرف طريقه مبكرا إلى الأحزاب الشيوعية، فانتقلت هي أيضا إلى الضفة الأخرى منذ أواسط الخمسينيات، وهي شابة صغيرة فهي من مواليد 1938. كان محمد سيد أحمد ابن خالة أمها. وهو نفسه كان ابن باشاوات فوالده كان محافظا قبل ثورة يوليو/تموز لبورسيعد مرة، ولمدينة السويس مرة. أخذها محمد سيد احمد كما قالت في أحد أحاديثها إلى الضفة الأخرى وكما سمعنا منها في بيتها، وأهداها كتبا وروايات عن نضال الشعوب في الدنيا.
سيظل السؤال كيف تحولت بنت الذوات هكذا إلى جانب الشعب، سؤالا مغريا لأنها انتقلت إلى اقصى اليسار، لكن العودة إلى التاريخ تطلعنا على أن الأغلبية من أبناء الذوات، هم الذين بنوا المدارس والمستشفيات، وهم الذين تبنوا أكثر المبعوثين إلى الخارج، وهم الذين قامت على إيديهم النهضة المصرية، مهما كان بينهم من استثناءات معادية للديمقراطية مثل إسماعيل صدقي.
تأكد انتقالها إلى ضفة الشعب، وصار عليها أن تجيب عن سؤال ملأ روحها مبكرا وهو، كيف تكون هناك هذه القصور وحولها كل هؤلاء الفقراء. لقد نشأت كما قلت في بيت يتحدّث الفرنسية لكن تفتح وعيها الاجتماعي والسياسي مبكرا على التناقض الصارخ بين القصر، الذي تعيش فيه وأكواخ الفقراء المحيطة به. تخرجت في قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1958وحصلت على بعثة لدراسة الدكتوراه في جامعة السوربون في فرنسا عام 1962، وعاشت أيام الثورة الطلابية هناك عام 1968 وشاركت فيها ونالت الدكتوراه من جامعة السوربون، ثم عادت إلى مصر عام 1978 فاخذت طريقها إلى جماعة الدفاع عن الثقافة القومية، التي أشرت إليها، لتبقى بينها وبين الحركة السياسية والجامعية والعلم والتعليم الجامعي لأجيال أخرى، كانت دائما على أمل انها ستترك فيهم حب الوطن.
صار طريقها للنضال في الجامعة عالمها الرحب، كل من عرفها من طلابها أو معاصريها في العمل الوطني، رأى فيها جمالا إنسانيا مدهشا.. ولو فتحت المقال على الثناء الذي ملأ صفحات الرثاء لها في فيسبوك، من شخصيات مثل عواطف عبد الرحمن رفيقتها في سجن القناطر لمئة يوم، أو لمدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الشعبي، الذي كانت أحد مؤسسيه بعد ثورة يناير/كانون الثاني، أو لأسماء كلها مرت في حياتي مثل عماد أبو غازي والصحافي أحمد النقر وحياة الشيمي وإلهامي الميرغني وسلمى مبارك ومحمد شعير وسليمان شفيق وسهام بيومي وماجدة أباظة وحسين حمودة وأسامة عرابي وإكرام يوسف وسيد محمود وغيرهم كثيرين جدا من عيون هذا البلاد سياسيا وثقافيا، لو فتحت المقال سأحتاج صفحات أو سأحتاج كتابا. إجماع على الحب سواء من طلابها أو ممن شاركوها العمل السياسي، ولم يكن هذا غريبا عليّ، لم أشعر أبدا أن أصولها الطبقية تتحرك أمامي. كانت جلساتنا في بيتها أو لقاءاتنا في حزب التجمع صورة واضحة لذلك. لقد كانت أيضا قليلة الكلام تسمع وتبتسم أكثر. من إسهاماتها التي لا تُنسى في العمل الوطني مشاركتها لجماعة 9 مارس الجامعية، التي تكونت قبل ثورة يناير في الجامعات المصرية وشعارها استقلال الجامعات عن التدخل الأمني وغيره من تدخلات الدولة، وكان لها دور عظيم في التمرد على نظام مبارك والتمهيد لثورة يناير، هي وجماعة كفاية وغيرها من الأحزاب والجماعات، التي انطلقت تحمل شعار «من أجل التغيير».
كانت جماعة الدفاع عن الثقافة القومية التي تكونت في التجمع بعد معاهدة كامب ديفيد، كما قلت، قد طال بها العهد، وتغيرت مواقف الأحزاب وتأخرت عن العمل الوطني، لكن مصر كلها كانت تنفجر بجماعات أخرى ومنها جماعة 9 مارس في الجامعة. هكذا أسعفها الطريق دائما بما تريد. أن تصرخ في وجه الفوارق الطبقية وأن تجعل العلم للجميع.
لم يوقف العمل العام أمينة رشيد عن إصدار كتب مهمة متفردة مثل «قصة الأدب الفرنسي» و»تشظى الزمن في الرواية الحديثة» «الأدب المقارن والدراسات المعاصرة لنظرية الأدب» وكتب قامت بترجمتها مثل «الأيديولوجيا.. وثائق في الأصول» لميشيل فاديه وشاركها في ترجمته سيد البحراوي، كما شاركها في ترجمة رواية «المكان» لآني إرنو، ورواية «الأشياء» لجورج بيريك.
سيظل السؤال كيف تحولت بنت الذوات هكذا إلى جانب الشعب، سؤالا مغريا لأنها انتقلت إلى اقصى اليسار، لكن العودة إلى التاريخ تطلعنا على أن الأغلبية من أبناء الذوات، هم الذين بنوا المدارس والمستشفيات، وهم الذين تبنوا أكثر المبعوثين إلى الخارج، وهم الذين قامت على إيديهم النهضة المصرية، مهما كان بينهم من استثناءات معادية للديمقراطية مثل إسماعيل صدقي. هذا أمر مهم جدا حتى لا يقف الجميع عند انتقال بنت الذوات إلى الشعب فقط، فما أكثر من انتقلوا منهم إليه. هي ابنة المناخ الذي كان يتيح ذلك، بل يقوم على ذلك. على النهضة في جوانبها الثقافية والمادية، لكنها جاءت في زمن أراد أن ينسينا التاريخ، وأن يبدأ التاريخ به وبالسلطات الحاكمة.
روائي مصري