هذه رواية لن تسقط بسهولة في النسيان، ربما لدقة التفاصيل، والسرد الهادئ لامرأة مريضة بسرطان الثدي، لكنها تحدثنا عن هذا الوحش بدون ترويع، تصف لنا منذ السطر الأول كل شيء، من دون تذمر، بدون نفاد صبر، وبدون ادعاء للبطولة، أو إظهار متكلف للقدرة على احتمال الألم. فقوة الشخصية التي تحكي لنا رحلتها مع المرض الفتاك، قوة جاذبة للمتابعة، وإثارة التعاطف، خاصة عندما اتخذت الكاتبة قرارها، منذ اللحظة الأولى، بإعطاء الأولوية لضمير المتكلم، كي تقص علينا روايتها، على نحو من التأثر العاطفي، لا الميلودرامي.
فواقعية الأحداث مطلقة نعيها بوضوح، ونستشعرها كاملة ونهائية، لأننا رأيناها حولنا في حالات مشابهة، لسيدات عانين الألم نفسه، ولكنهن لم يستطعن التعبير عمَّا كابدن في هذه الرحلات القاسية. فقد أرادت أن تمضي في رواية مأساتها بطريقة قريبة جداً من محاكاة ما حدث في الحياة، تستعيده مجدداً، ولكنها في هذه المرة تستخدم عين البصيرة. فهي التي تعمل، بشكل متسع جدًّا، وبقدرة فائقة على التسجيل، كأن تلك الشخصية، كانت تواظب على كتابة مذكرات يومية للمرض، ولمجريات حياتها، خشية أن يبتلع النسيان تلك المحطات الفارقة، وتتلاشى مع مرور الزمن. فلا شيء يميز الإنسان عن بقية المخلوقات سوى الذاكرة، التي تجعل الزمن الماضي ماثلاً، إذا حاول الرجوع إليه، لتأمله. إنه يعيد امتلاك ما جرى، عن طريق التدوين، أو الحكي الشفاهي، خاصة عندما يكون في قلب الحدث، لا منزوياً في ركن بعيد، يراقب ما يجري. فالمُشاهد لا يستطيع أن يصل إلى دقة صاحب التجربة، والإحاطة بكل تفاصيلها، مهما أوتي من بلاغة فائقة، قد تساعده على وصف ما يريد، لكنها في نهاية الأمر لا تستطيع وصف ما لم يشعر به، أو يجربه.
«أنا فريدة» رواية مثيرة، تنغمس فيها الكاتبة السورية فاتن حداد في وصف تفاصيل مرهقة للأعصاب، تدور حول فتاة مريضة بالسرطان، من دون أن تنسى جلب تاريخ أسرتها معها، كأن هناك جسراً واهياً يربط بين مرضها وبين العالم المحيط بها. هناك وحش مختبئ في جسمها، يقتات على اللحم والروح، فتاك، ينتشر في الجسد ويمزقه، بلا رحمة. لقد وقعت الكاتبة في إغواء سحر الرواية، الرغبة في أن تحكي حكاية، نقل تجربة إلى الآخرين، مضفورة بتقنيات القص المختلفة، بالخيال التمويهي أحياناً، وبما هو حقيقي، خبري، يقوم على المعلومات الطبية الدقيقة، وعلى مراحل العلاج المختلفة، أحياناً أخرى. جوار نظرات خاصة بالحياة، تتوقف على مزاج البطلة وهي تطل على واقعها، تطرح معاناتها، بينما تقف محايدة، غير مكترثة بالحل، تعمل على واقعية ذاتية، منفصلة العناصر. الألم يمثل النقطة المركزية فيها، وكأن الوجه الحقيقي للإنسان لا يظهر إلا في المنعطفات الاستثنائية، وبحيث لا تهبط الرواية عندما تتحول إلى بكائية مطولة، تخصم كثيراً من رصيدها الأدبي. فهي تعلم أن الوجود لن يتوقف ليضع حداً لمعاناتها، لذلك وضعت نظاماً صارماً على النفس، وكبحاً دائماً لإلحاح القلم، وإغراءاته، حتى تحافظ على التوازن الفني للعمل، وتخلص لصنعة الرواية.
من اللافت للنظر أيضاً، اتخاذ نبرة أليفة منذ البداية، تضع فيها البطلة تعريفاً لنفسها: «اسمي فريدة، ولم آخذ من الفرادة لا الاسم ولا المعنى». مبكراً، تلقي بمفاتيح شخصيتها إلى القارئ، تكسر الحاجز الوهمي بين النص والمتلقي. لا تتجمل، ولا تحاول الحط من قدرها، لكنها تفسح المجال لصفة التواضع الإنساني، في أرقى معانيها، وهي تسرد قصة التسمية، وتصر منذ الوهلة الأولى، على إدهاشنا بما هو غير مدهش من وجهة نظرها، ووضع كل ما يخصها في «عاديته»، وإقناعنا بأنه طبيعي، لا استثناء فيه. أن تصاب بسرطان الثدي، فلا فرادة في هذا الأمر، فهو يصيب واحدة من كل ثماني نساء، لا ميزة إذن، وليس هناك ما يدعو إلى التفوق. حتى خروجها من سوريا عام 2014 بعد أن خسرت كل شيء هناك. حدث عادي، فقد خرج ملايين السوريين، من الذين مروا بالظروف نفسها، وربما أكثر. إنها تفعل ما في وسعها كي تحتفظ بنفسها، في منأى عن مشاعر العظمة، أو الشعور الزائف بالعبقرية ونحن ندخل معها في عالمها الباطني، بطيء التكوين، وعالمها الظاهري الذي تطلعنا عليه بصراحة مطلقة، باحثة عمَّا يجعل الواقع مقبولاً أينما وجدته، حتى لو نقلته حرفياً بين دفتي كتاب:
«أما بخصوص بماذا أحسست خلال أول جلسة علاج كيميائي لي؟ لم أحس بأي ألم، لا أدري إذا كان لذلك علاقة بكمّ الأدوية الهائل الذي تم إعطائي إياه من مسكنات ومضادات تحسُّس وإقياء، أم إنها فعلياً لا تسبب الألم، لكنني مع الوقت أدركت بأن الجلسات لم تكن تؤلمني بقدر ما كانت تنهكني… خلال هذه الجلسات أدركت أن هناك فرقاً بين الألم والتعب، فالدواء لم يؤلمني لكن كان يقتلني تدريجياً… كأن أعضائي تتآكل من الداخل مع كل جلسة… فيما تحاول النجاة بنفسها».
نرى في هذه الفقرة إعادة صياغة لإجراءات العلاج، وأمانة في تصويره، كما هو، لأننا لسنا بصدد رواية خيال علمي، يتم فيها تشويه الحقيقة، والاندفاع وراء الخيال، على نحو تشويقي. فهذا الجانب تحديداً هو ما أرجو من المتلقي أن يتعامل معه على أنه معلومات معرفية، دقيقة وطبية في جوهرها، وإن كانت غير منفصلة عن العلاقة بين الفن والواقع، وتخدم بشكل جلي بنية الرواية. فقد تمّ وضع المرض في بؤرة العمل، كوتد الخيمة التي يتمّ ربط بقية الأدوات الأخرى به، لتدور كل الأحداث تحت مظلتها، حيث تسقط البطلة شخصيتها على كل شيء، وتعيد تشكيله وفقاً لرؤيتها الذاتية. وهي ترقب ما يجري حولها، منطلقة من مجتمعها الصغير، المتمثل في أسرتها: الأب، الأم، الشقيقة، الجدّة، الأقارب الذين يجري ذكرهم طوال الرواية، وإشراكهم في بطولتها كشخصيات رئيسة.
ملاحظة أخرى، لا تقل أهمية، تنضم إلى ما سبق، وهي أننا أمام روائية تتمتع بخفة ظلّ محببة، وروح مبهجة، ومسحة سخرية لاذعة، فهي لا تحمل مرارات المرضى، وحنقهم على الحياة، ولا تميل إلى الانعزالية، يبدو ذلك بجلاء في كثير من الفقرات، فبعد عودتها مع والدها وأعمامها إلى البيت بعد حضور مراسم دفن جدتها، التي ورثت عنها الاسم ومرض السرطان، استمعت خلسة إلى همسات زوجات أعمامها، متهمات إياها بسرقة قلادة الجدّة من رقبتها حين احتضارها. ثم تحولت الجلسة إلى النميمة عن الجدّة نفسها، بأنها كانت تدخن الحشيش، وهو السبب في إصابتها بالسرطان. ومنهم من قالت إنها أصيبت بتليّف الكبد من وراء شربها للممنوعات، لتنفجر فريدة في وجوههن جميعاً، وتتهمهم بالسرقة والجنون، وبكثير من الأشياء المعيبة، لينتفض الأعمام مدافعين عن زوجاتهم. ما جعلها تنفجر في وجوههم جميعاً: «أنتم المجانين لأنكم تموتون على (ريحة جرابات نسوانكن)، أو (ريحة باطهن)، وأنتم تدافعون عنهم لأنه اليوم الخميس، أليس كذلك؟».
مشهد يحمل من روح الكوميديا أكثر مما يحمل من السباب والألم. فهي تحاول الحفاظ على مزاج رائق، تتركه يتغلغل في أجواء الرواية، تسيطر عليه، للتأكيد على أنها تتمتع بمعنويات مرتفعة، وتدرك بخبرتها، أن العالم فيه ما يكفي من المحن، ومما لا يطاق، ولا قدرة للآخرين على تحمله. تفعل ذلك من خلال الوعي المنضبط ذاتياً، الذي يدرك أن تميزه يجب أن يكون في الكتابة، لا في اجترار المآسي، خاصة إذا ما تم وضع كلمة «رواية» على الغلاف، ولم تكتب بدلاً منها كلمة «سيرة ذاتية»، فذلك سيقودنا، بالضرورة إلى مطالعة عمل أدبي، يندرج تحت هذا النوع الشائق.
ولا بد من بطل إذن، حبيب، يدفع النص إلى مجالات أكثر رحابة، يستثير المتعة والإثارة، عندما يمضي في هذا الاتجاه الرومانسي، ويعلن أن البشرية ما زالت في خير، وأن هناك من يؤازر، من يحب فتاة مريضة، مطلعاً تماماً، على تفاصيل حالتها. هذا الاتجاه الموازي، الذي يسحب شحنة كبيرة من الألم، ويلقي بها بعيداً عن مسار الرواية الذي حدده المرض منذ السطر الأول، قصة داخل القصة، ليست تفريعة مقحمة، جاءت طبيعة ومتوائمة مع بقية التفاصيل، حتى اسم الحبيب قيس، يحمل من الدلالة والتاريخ ما يجعل الأمر يبدو مقصوداً: قيس اسم يليق بعاشق مخلص ومتفانٍ، يبذل كل ما في استطاعته من أجل الحبيبة، ويتغاضى عن مشاكلها الصحية. ليس ذلك فقط، بل ربما كان المعين لها على تجاوز محنتها، إنه أيضاً صديق الغربة، في إحدى مدن الخليج، حيث تعمل فريدة في وسط يموج بالصراعات والضغائن الصغيرة. لقد مثل هذا البطل نموذج البُشرى والأمل، إنه من الشخصيات التي يدخرها الكتاب لحلّ كثير من المشاكل العالقة، وتلطيف الأحداث عندما تتداعي الغيوم، في نوع من التسوية الفنية لتناقضات العمل.
نلاحظ أيضاً أن ثمة تجديداً شكلياً لجأت إليه الكاتبة، وهو وضع بعض الملاحظات داخل فصول الرواية، أو في ختامها. كلمات شارحة لمعنى غامض، أو جملة عامية مفرطة في محليتها، لا يدرك معانيها سوى المواطن السوري. أو استدراك بعض النقاط التي سقطت سهواً. لكنها، على أي حال، ملاحظات غير معزولة عن سياق السرد، بل تمثل إضافة إليه، فهي تمضي وراء المعنى، حتى لا يروغ منا شيء، لأننا بصدد عنصر شكلي، يعمل على خدمة المضمون، حتى لو كان قائماً على تدفق الخواطر، والأفكار الشخصية، التي تحظى بدافع نفسي يبعث على تواردها.
يبقى لي أن أقول إنه في الوقت الذي شعرت فيه بأنني إزاء «دراماتورجي» متمكن من أدواته، يقوم بوضع مادة خامة لصناعة مشاهد بصرية، وأن هناك مسلسلاً يجري أمامي على شاشة التلفاز، يفسح المجال أمام دراما اجتماعية سورية خالصة، على نحو بالغ الحرفية، ويبرر لي انجرافي وراء الفصول، كأني أتابع حلقات عمل تلفزيوني. في هذه اللحظات، تحديداً، التي خالطني فيها هذا الشعور، فوجئت بأن الكاتبة تقع تحت سطوة الدراما أيضاً، وتتطرق إلى أعمال بعينها، تعالج حالات سرطانية أخرى، وتمهد لسلسلة من التقلبات، على النمط الأرسطي قبل أن تصل إلى الحل النهائي، ذاكرة عدداً من المسلسلات العربية، من خلال تفاصيل كاملة عن ثيمة العمل، وأحداثه، وذكر أسماء الممثلين، ودور كل منهم، في مقاربة شديدة الشبه بما يجري في الرواية، وذلك عبر ذاكرة قوية تستعيد بسهولة الأعمال الدرامية، ومعرفة جيدة بقوانينها، أعتقد أنها انعكست على تكنيك كتابة هذا العمل الشائق، الذي يفتح الطريق أمام كاتبة تستحق منا الانتباه والمؤازرة.
فاتن حداد: «أنا فريدة»
الدار العربية للعلوم ناشرون، الشارقة 2025
288 صفحة.