«أنصار الله» وإسناد غزة: الواقع والتوقعات

أحمد الأغبري
حجم الخط
2

صنعاء ـ «القدس العربي»:جاءت الجولة الثامنة من العدوان الإسرائيلي، الجمعة، على اليمن؛ ليؤكد استمرار التصعيد في المنطقة؛ بل ودخوله مرحلة مختلفة وخطيرة؛ لاسيما بعد أن انصرفت واشنطن عن استهداف «أنصار الله» في اليمن، وتركت تل أبيب، لأول مرة، منفردة في مواجهة عدو خارجي؛ وهو مسار أمريكي لا يمكن الحسم باستمراره؛ مع تأكيد مسؤول أمريكي، الجمعة، أن قطعهم الحربية باستثناء حاملة الطائرات «ترومان» ستبقى بالمنطقة لمراقبة التصعيد.
يبقى كل ذلك محور قراءة متأنية، لاسيما بعد تصاعد التصريحات من قبل قيادات في «أنصار الله»، مؤكدين استمرارها في فرض الحصار البحري والحظر الجوي مهما كان رد الفعل الإسرائيلي. وفي المقابل صدرت تصريحات إسرائيلية تؤكد أن ردها على «أنصار الله» ما زال في البداية؛ متحدثة عن حصار بحري للحوثيين، مقابل إصرار الأخيرة على فرض حصار بحري وجوي على تل أبيب.
التحول في الموقف الإسرائيلي، من خلال إيجاد رؤية سياسية تقف خلف موجات العدوان الأخيرة والمقبلة على اليمن، ممثلة في فرض حصار بحري على الحوثيين، يُدلل على أن ما يتحدث عنه الحوثيون من حصار بحري وجوي على إسرائيل بات واقعًا، وواقعَا مؤثرًا أيضًا، بشكل يدفع إسرائيل للضغط بحصار مماثل آخر؛ باعتباره، كما ترى تل أبيب، هو الوسيلة الناجعة لدفع «أنصار الله» للتخلي عن موقفهم في فرض حصار بحري وجوي على الدولة العبرية.
انطلاقًا من موقف «أنصار الله» الثابت في إسناد غزة، وتأكيدهم المتكرر على موقفهم الراسخ، وأنهم لن يتزحزحوا عنه، علاوة على ما تتميز به الحركة من إقدام عسكري في اتخاذ القرارات الهجومية في مناطق اللامتوقع، نؤكد أن المنطقة مقبلة على تصعيد مختلف وخطير كما سبقت الإشارة، لاسيما وأن المسؤولين في إسرائيل يستندون إلى خلفية ثقافية وعسكرية يعتقدون معها أن إظهار القوة الساحقة، والمبالغة في سفك الدماء وإحداث الدمار (اللامعقول) هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة أي عدو؛ ولسنا هنا، ببعيد عما يحدث في قطاع غزة، وسبق وشهدته كافة مناطق فلسطين المحتلة، وشهدته كافة الحروب التي خاضتها تل أبيب على مدى سبعة عقود؛ لكن على ما يبدو أن الحوثيين هم أول عدو لإسرائيل يمتاز بقدرة على اتخاذ قرار مفاجئ وخارج حدود المنطق في المعركة العسكرية؛ وبالتالي من المحتمل أنه سيذهب بالمواجهة مع تل أبيب إلى مربع إما أن تتراجع معه تل أبيب خوفًا من عار الهزيمة التي لا تتقبلها توقعًا، ما بالك أن تكون واقعا من قبل حركة تعتقد إنها بمستوى حزب الله الذي هزمته بأجهزة اللاسلكي، بينما من المتوقع أن تذهب المواجهة بهما إلى احتمال القذف بإسرائيل في صندوق لم يسبق لها أن اختبرته سابقًا؛ لاسيما بعد التقرير الذي نشره موقع «بلغاريان ميليتري» المتخصص بالشؤون العسكرية، عن القدرات الصاروخية لـ«أنصار الله»، وخاصة على صعيد الدفاع الجوي، والتي كادت أن تُسقط طائرة إف-35، متجاوزة بذلك الصين وروسيا حسب التقرير؛ ما يعني أن هذه الحركة ما زالت تُخفي الكثير من المفاجآت التسليحية، ومهما كانت تقليديتها إلا أنها قادرة على إحداث الفارق في مواجهة التقنية العسكرية الحديثة، وفق محللين عسكريين.

عمليات صاروخية
تستهدف مطار بن غوريون

قبل الهجوم الإسرائيلي على مينائي الحُديدة والصليف، الجمعة، كانت إسرائيل قد أعلنت عن قصف ثلاثة موانئ يمنية في 11 أيار/مايو، وسبقت ذلك بإطلاق تحذير للسكان اليمنيين في محيط تلك الموانئ؛ لكنها وبدون إعلان تفسير تراجعت عن القصف؛ وعقب ذلك نفذ الحوثيون ثلاث عمليات صاروخية استهدفوا فيها مطار بن غوريون، وأُوقفت في كل عملية الإقلاع والهبوط في المطار مؤقتًا؛ وتم خلالها هروب الملايين من الإسرائيليين إلى الملاجئ، ومعهم السفير الأمريكي في تل أبيب الخميس الماضي. وكان اليمنيون يتوقعون عقب كل عملية صاروخية حدوث قصف إسرائيلي في اليوم ذاته؛ لكن إسرائيل لم تفعلها.
يعلم المتابع جيدًا أن تنفيذ إسرائيل لغارات جوية من خلال مقاتلات تقطع أكثر من ألفي كيلومتر عملية مكلّفة وليست يسيرة أيضا، ومن الصعب أن يتم تنفيذها بالتوالي اليومي وخاصة على مدى اليوم؛ حتى لو نفذ «أنصار الله» عمليات صاروخية يومية ضد تل أبيب؛ وبالتالي فالكفة في العملية الهجومية عسكريا راجحة لصالح «أنصار الله» بصرف النظر عن الخسائر الاقتصادية، التي تلحقها الغارات الإسرائيلية على اليمن، باعتبار أنها تستهدف منشآت ومرافق حيوية مدنية.
وفي المقابل، يمكن القول إن «أنصار الله» استطاعوا إسناد غزة من خلال خلق تأثير واضح في القدرات الإسرائيلية، بواسطة فرض حصار بحري منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وحصار جوي منذ أيار/مايو 2025؛ بدليل أن عددا من شركات الطيران علقت رحلاتها من وإلى مطار بن غوريون؛ وهو أمر قابل للتصاعد مع استمرار الغارات اليمنية على المطار ذاته؛ إذ قد تعلن شركات كثيرة عن إيقاف رحلاتها مؤقتًا من وإلى تل أبيب؛ وهو ما سيمثل ضربة اقتصادية مؤثرة على إسرائيل، لاسيما ونحن في فصل الصيف.
في عدوانها على اليمن قصفت إسرائيل ميناء الحديدة ست مرات، وميناء الصلف مرتين، وكذلك ميناء رأس عيسى عدة مرات؛ وبقيت الموانئ تمارس عملها؛ لكن السؤال: هل إسرائيل قادرة على فرض حصار بحري على «أنصار الله»؟ بالطبع الحصار الذي تهدد بفرضه هو يستهدف بالدرجة الأولى 70 في المئة من الشعب اليمني.
كما قصفت مطار صنعاء غير مرة، ومحطات الطاقة في محيط العاصمة عدة مرات، بالإضافة إلى مصنعي أسمنت في عمران وباجل، ولم يسبق لإسرائيل أن استهدفت موقعًا عسكريًا يمنيًا؛ في دلالة على ضعفها الاستخباري؛ وهو ما سبق وعانت منه الولايات المتحدة في تصعيدها في اليمن.
على صعيد الواقع؛ استطاعت «أنصار الله» رفع الصوت عاليًا في إسنادها لغزة، وحصدت بذلك دعمًا شعبيًا عربيًا وإسلاميًا ملحوظا؛ كما إن إسنادها صار مؤثرًا في العمق الإسرائيلي؛ ولو لم يكن كذلك لما تحركت القوة الإسرائيلية واستهدفت اليمن، وصدرت تصريحات إسرائيلية فيها من الانفعال والغضب الشديد، ما يدلل على مدى ما تحدثه صواريخ اليمن حتى وإن تحدث الإسرائيليون عن اعتراض معظمها، إلا أن إعلانهم بوصول بعضها يدلل على أن المعركة لم تعد كما كانت، وإن على إسرائيل أن تستشعر خطر اللحظة الراهنة؛ وهو ما يعبر عن إسرائيليون في تدوينات وكتابات صحافية تطالب نتنياهو بإيقاف الحرب على غزة باعتبارها الأساس لكل الإشكالات التي تعاني منها إسرائيل والمنطقة.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس: سندافع عن أنفسنا بقوانا الذاتية في وجه كل عدو. وأضاف: إذا واصل الحوثيون إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل فسيتلقون ضربات موجعة.
فيما قال نائب رئيس الهيئة الإعلامية لـ«أنصار الله»، نصر الدين عامر: لن تتوقف عملياتنا المساندة لغزة، ولن يُرفع الحصار عن السفن الصهيونية، وسنواصل الجهد العسكري لاستكمال الحصار الجوي على مطارات العدو الصهيوني.
وبالتالي؛ فالتوقعات مفتوحة على احتمالات عديدة عنوانها الهجمات والهجمات المضادة وصولًا إلى تداعيات تدفع بالمنطقة إلى مربعات خطرة؛ بينما لو توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لانتهت المشكلة من جذورها؛ ما يعني إن إسناد «أنصار الله» لغزة سيذهب إلى أن يؤكد للعالم الخطر الكبير وراء صمته إزاء ما يتعرض له 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة؛ وتلك معادلة يذهب الحوثيون إلى تكريسها ليسمع الأقربون قبل الأبعدين مخاطر الصمت عنها وتجاهل مأساتها، وفي المقدمة من ذلك تل أبيب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية