صنعاء – «القدس العربي»: أعلنتْ وزارة الصحة في صنعاء عن ارتفاع ضحايا الغارات الإسرائيلية التي استهدفت، الثلاثاء، العاصمة ومحافظتي الحُديدة وعمران، إلى 7 شهداء و94 جريحا. وصدرت تصريحات لبعض قيادات حركة أنصار الله تمحورت حول جانبين مهمين: غضبهم الشديد من تصريحات ترامب عما سماه “الاستسلام”، وهو ما رفضوه ونفوه في آن، موضحين أن ذلك التصريح هو تعبير عن العجز والفشل ووسيلة لحفظ ماء الوجه، والأمر الثاني هو أن عملياتهم الاسنادية لغزة مستمرة، بما فيها استهداف الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، وربما نضيف أمرا ثالثًا، وهو أن ما تم بشأن وقف إطلاق النار، مرتبط بزيارة ترامب للمنطقة في وقت لاحق من الشهر الجاري.
وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن، الثلاثاء، من البيت الأبيض، بعد أزيد من خمسين يوما مما وصفها “الحملة الساحقة والمميتة”، أن الحوثيين “لم يعودوا يرغبون في القتال”، وأن الولايات المتحدة “ستحترم ذلك” وتوقف قصفها لليمن. وقال: “لقد استسلموا، والأهم من ذلك، أننا سنصدق كلامهم”. “يقولون إنهم لن يفجروا السفن بعد الآن، وهذا هو الهدف مما كنا نفعله”.
تصريحات ترامب لم تحمل تفاصيل واضحة بقدر ما حاولت تبرير إيقاف القصف ونزول القرار الأمريكي عند رغبة الطرف الآخر، وهو قرارٌ بدا غامضا وناقصا في فحواه، كذلك هو البيان العُماني، الذي صدر لاحقا، وتحدث أن وساطة مسقط أسفرت عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين “وفي المستقبل لن يستهدف أي منهما الآخر، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب”، كما لم يوضح البيان العُماني هل أن الاتفاق يشمل جميع السفن أم الأمريكية فقط؟ وعلى الرغم من أن بيان مسقط سمى ما جرى اتفاقا، فإن مسؤولا أمريكيا قال، الأربعاء، إنه ليس اتفاقا بقدر ما هو تفاهم شفهي.
بالاطلاع على تصريحات ترامب، وما صدر بعدها من تصريحات لمسؤولين أمريكيين ، سيتضح للمراقب أن المسؤولين الأميركيين لم يقدموا سوى القليل من التفاصيل إزاء ما يسمى اتفاقا، وهي تفاصيل غير كافية لفهم طبيعة التحول غير المتوقع في الاستراتيجية الأمريكية، لاسيما وأن ذلك يأتي بعد أسابيع من الغارات التي ظلت التصريحات الأمريكية تصاحبها، وهي تشيد بالعملية العسكرية الأمريكية، وما تحققه من نجاح، على الرغم من أن وزارة الدفاع ظلت متحفظة في مسألة الكشف عن التفاصيل الجوهرية، لما تحققه على الأرض، وهو ما أشارت إليه جزئيا صحيفة “واشنطن بوست”.
يعزز من هذا الغموض، تصريحات قيادات في حركة “أنصار الله”، التي بدت غاضبه جدًا من تصريحات ترامب، بل لم تصدر بيانًا رسميًا كعادة دبلوماسية دارجة إزاء أي اتفاق، مما يؤكد أن الاتفاق المعلن عنه أمريكيا وعُمانيا لم يكن اتفاقا كما هو دارج.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى الحاكم باسم “أنصار الله”، مهدي المشاط، في تصريح نقلته وكالة الأنباء سبأ بنسختها التابعة للحركة: “أبلغنا الأمريكي بشكل غير مباشر أن استمرار التصعيد سيؤثر على زيارة المجرم ترامب للمنطقة، ولا شيء غير هذا أبلغناهم به”.
وأضاف: “إذا أراد المجرم ترامب وقف عدوانه وتعويض ما خلفه، فهذا راجع إليه”. وفي التصريح الصادر عن المشاط يتجلى أن الحركة تريد أن تقول إن الأمر انحسر في تأثير التصعيد على زيارة ترامب للمنطقة، وهو ما أبلغوه للأمريكي ربما عبر الوسيط العُماني، باعتبار هذا ما تم، مطالبا بالتعويض الأمريكي عما خلفته الغارات، معتبرا قرار أمريكا بإيقاف الغارات قرارا راجعا لواشنطن.
وكانت تقارير صحافية تحدثت ليل الثلاثاء/ الأربعاء، عن ضغط “شرس” مارسته الرياض، خلال الأيام الماضية، على واشنطن لإيقاف الهجمات على اليمن قبل زيارة ترامب للمنطقة، كون حصول الزيارة مع استمرار التصعيد في اليمن، سيتسبب في إحراج للمملكة.
بينما يرى آخرون أنه “ربما كانت طهران تنوي تقديم وقف إطلاق النار كبادرة حسن نية في المحادثات النووية”، وهو ما ذهب إليه موقع “ذا اتلانتيك” في سياق تبرير الأسباب وراء ذهاب “أنصار الله” باتجاه الاتفاق، وهي حركة- كما يقول- متجذرة في كراهيتها لأمريكا واسرائيل.
إلى هنا مازلنا في إطار التكهنات، بشأن ما يقف وراء الاتفاق الخاص بإيقاف إطلاق النار بين الجانبين، وإن كانت زيارة ترامب للمنطقة تمثل سببا معقولا، وربما للخروج من مأزق الحرب مع الحوثيين، التي أجمعت بعض التقارير إنها ستكون حربا بلا نهاية، وهو ما يشكل لواشنطن تحديا كبيرا، مما قد يجعلها تتجه إلى وسيلة لتجاوز هذا التحدي، وهو الاتفاق، أما استخدام ترامب لكلمة “الاستسلام” ربما يأتي انسجاما مع شعور شخصيته الزائد بالعظمة، وحفظا لماء الوجه، كما ذهبت إليه تصريحات من قيادات “أنصار الله”.
لكن ماذا عن الاتفاق وكيف تنظر إليه حركة “أنصار الله”؟
يقول رئيس الوفد التفاوضي للحركة، محمد عبد السلام، لقناة المسيرة الفضائية: “نحن تلقينا الطلبات من أمريكا عبر سلطنة عُمان، والذي تغير هو موقف الأمريكي أما موقفنا فثابت”.
وأكدَّ أن عمليات المساندة لغزة لا يمكن أن تتوقف. وهو بهذا يؤكد استمرار العمليات البحرية ضد الملاحة الإسرائيلية، باعتبارها جزءًا من عملية الإسناد. واستطرد: “الإسناد لغزة سيتطور بشكل أفضل، لأن العدوان الأمريكي جاء لإسناد العدو الإسرائيلي”.
وأضاف: “ما صدر عن الأمريكي من مزاعم الاستسلام هو تعبير عن العجز والفشل، وهو لم يتمكن من حماية السفن الإسرائيلية”.
فيما قال عضو المكتب السياسي للحركة، ضيف الله الشامي، إن تصريح ترامب يظهر “أنه يريد حفظ ماء الوجه بسبب فشل العدوان الأمريكي على اليمن”.
وقال الشامي في تصريحات تلفزيونية، إن ترامب “يكذب” من أجل الخروج من الوضع الذي وجد نفسه فيه.
وأضاف “مهما قال فلن نسمح لأي سفينة إسرائيلية، بالوصول إلى مينائها حتى يتوقف العدوان على غزة ويُرفع الحصار”.
وقال القيادي في الحركة، محمد البُخيتي، لوكالة بلومبرغ الأمريكية، “إن العمليات في البحر الأحمر وإسرائيل “لن تتوقف مهما كانت العواقب حتى انتهاء العدوان والحصار على غزة”.
كما اعتبرت بعض التصريحات لقيادات في “أنصار الله” هذا الاتفاق “نصرا يفصل الدعم الأمريكي عن الكيان(الصهيوني) المؤقت”.
وماذا اُستجد بشأن واشنطن؟
قال مسؤول أمريكي لقناة الجزيرة، الأربعاء:” ما توصلنا إليه مع الحوثيين ليس اتفاقا، بل هو تفاهم شفهي على وقف الهجمات المتبادلة.
وأضاف أن: “ويتكوف تلقف إشارات الحوثيين وتفاوض معهم عبر الوسيط العُماني”.
وتابع: “التفاهم مع الحوثيين سيعيد إرساء حرية الملاحة، لكننا نعتقد أنهم سيواصلون مهاجمة إسرائيل”.
وأكمل: “سنساعد إسرائيل في الدفاع عن نفسها، إذا تعرضت لأي هجوم وهي تمتلك قدرات كبيرة”.
وماذا عن إسرائيل؟
قال مسؤول إسرائيلي كبير لموقع أكسيوس الأمريكي، إن الولايات المتحدة لم تُخطر إسرائيل مسبقا بإعلان ترامب عن هدنة مع الحوثيين.
وقال المسؤول “لم نكن نعرف هذا الأمر، لكن ترامب فاجأنا”.
وفي تعليقه على الاتفاق قال موقع أكسيوس:”يأتي هذا الاتفاق الهش في أعقاب تعزيز الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط الكبير، وبعد أشهر من تبادل الصواريخ والطائرات بدون طيار التي استنزفت المخزونات الأمريكية “.
وقال مسؤول أمريكي إن الإدارة لم تبلغ إسرائيل بالاتفاق مع الحوثيين قبل أن يتحدث ترامب عنه علنا.
وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة المحادثات الدبلوماسية الخاصة، إن إسرائيل شعرت بالانزعاج من الأخبار غير المتوقعة – خاصة وأن الحوثيين واصلوا شن هجمات على إسرائيل نفسها وأهداف إسرائيلية أخرى.
ترحيب إيراني
وأصدرت عدة دول بيانات رحبت فيها بإبرام هذا الاتفاق، بينما جاء بيان وزارة الخارجية الإيرانية مختلفا، إذ رحب “ببيان وزارة الخارجية العُمانية بشأن التطورات المتعلقة بالجمهورية اليمنية ووقف الاعتداءات الأمريكية على هذا البلد”.
وأشاد إسماعيل بقائي المتحدث باسم الخارجية الايرانية “بصمود الشعب اليمني العظيم في دعمه للشعب الفلسطيني المظلوم في وجه الإبادة الجماعية والاحتلال، وبثباته في مواجهة الاعتداءات الأمريكية المتكررة خلال العام الماضي”، وبينما اعتبر “أن الحكومة الأمريكية تُعد، وبلا شك، شريكاً في الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب اليمني”، دعا “المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فعالة وسريعة لوقف اعتداءات هذا الكيان على البنية التحتية المدنية في اليمن ووقف المجازر بحق الأبرياء”.
إلى كل ذلك، أكد مسؤولون دفاعيون لموقع (يو إس إن آي نيوز) التابع للبحرية الامريكية “أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، أمر بتمديد مهمة مجموعة حاملة الطائرات هاري إس. ترومان الضاربة لمدة أسبوع ،أواخر الأسبوع الماضي”.