يحاول الأستاذ والمحاضر الجامعي أنطوان نجم إعادة تشخيص النظريات والطروحات السياسية لزعيم الحزب السوري القومي الراحل أنطون سعادة في كتابٍ لنجم (الأستاذ في جامعة الروح القدس الكسليك في لبنان) صدَرَ مؤخراً بعنوان: «أنطون سعادة في الطريق المسدود».
والكتاب وما ورد فيه أظهرا ان الكاتب نجم ملمٌّ بكتابات أنطون سعادة الرئيسية وخصوصاً «مجلد نشوء الأمم، الأعمال الكاملة» الذي تم جمعه وإصداره في العقود الأخيرة ولاقى انتشاراً واسعاً.
ولكن الأستاذ نجم، والذي يصف نفسه في مقدمة كتابه بالـ»مسيحي اللبناني المشرقي» علماً انه بلغ أواخر ثمانينايته من العمر، لم ينجح كلياً في تجاوز ميوله السياسية وانتسابه إلى «حزب الكتائب اللبنانية» المنافس للحزب السوري القومي الذي أنشأه سعادة واستشهد من أجله، وبالتالي بالإمكان إخضاع بعض طروحاته بدورها للنقد.يعالج نجم أيديولوجية سعادة القومية السورية وكأنها نظرية فلسفية فقط ومن دون التركيز على أنها كانت نظرية اجتماعية ـ سياسية حاولت مواجهة اتفاقيات «سايكس بيكو» و»وعد بلفور» وتقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ شملت نفوذ فرنسا على لبنان وسوريا، من جهة، وبريطانيا العظمى على فلسطين والأردن والعراق، من جهة أخرى، وأن سعادة دفع ثمناً بإعدامه في مقتبل عمره لكونه عارضَ الهيمنة الفرنسية والانتداب الفرنسي السياسي والأمني على لبنان وسوريا الذي بقيت له آثاره حتى الآن.
ولكن هذا الأمر ليس وحده الأمر الذي من الضرورة تناوله في هذه المراجعة. فالمنطلق الفكري والمقاربة اللذان يرتكز عليهما المؤلف فيهما من الثغرات التي من المتوجب التطرق إليها وتناولها تحليلياً.

فأكثر ما يشدد عليه نجم هو ان المنطقة الجغرافية التي اختارها سعادة للأمة السورية المقبلة غير واقعية وان الأثنيات والمجموعات اللغوية المختلفة في منطقة «الهلال الخصيب» لا تشكل وحدة متكاملة بل على العكس ففيها من المتناقضات اللغوية والأثنية والحضارية والدينية ما يكفي لدحض إمكانية تحولها إلى كتلة مندمجة سياسياً واجتماعياً ومشكّلةً أمة سورية.
كما يصف المؤلف توجهات سعادة الأيديولوجية بالديكتاتورية التي تأثرت بالنظريات الفاشية التي كانت منتشرة في أوروبا والعالم في مطلع القرن الماضي ويتهمه بانه دعا إلى السلطة المطلقة المنافية لقيم «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» والمواثيق الدولية، وكأن هذا الإعلان وهذه المواثيق طُبقَت بالفعل في الشرق الأوسط والعالم من جانب الدول الاستعمارية الكبرى التي أنشأت هذا الإعلان!
يتساءل نجم في الصفحة 35 قائلاً: «هل يشكل السكان الذين يعنيهم أنطون سعادة في إطار الدولة التي يريدها وحدة قومية بمفهومه للقومية؟».
ويركز على الاختلافات اللغوية بين سكان المناطق التي أدرجها سعادة في كيان «الهلال الخصيب» بالإضافة إلى التنوع الإثني ويعطي أمثلة على ذلك بان الأكراد والأرمن والسريان المتواجدين في منطقة «الهلال الخصيب» يتكلمون ويبنون ثقافاتهم على لغات مختلفة عن اللغة العربية وثقافتها. ويستنتج، ومن دون التركيز على التحليل الاجتماعي الإنساني، بانه بسبب التعدد اللغوي في منطقة «الهلال الخصيب» ليس من الممكن وجود حياة روحية وإنسانية مشتركة تجمع أبناء الأمة السورية. (ص 44).
ويعتبر ان أي محاولات لدمج المجموعات الاجتماعية في منطقة «الهلال الخصيب» هي محاولة تصهيرية تذويبية ليست الأولى من نوعها بل سعت قبل ذلك الماركسية والفاشستية والنازية إلى تحقيقها وفشلت. (ص 44 أيضا).
ولكن، وفي هذا الطرح يتوصل نجم إلى مقاربة مخالفة للكثير مما كتبه كبار أرباب العلوم الاجتماعية في العقود الماضية وفي طليعتهم أحد مؤسسي علم الأجتماع أميل دوركهايم. فدوركهايم في نظريته حول إمكانية وأهمية خلق «الضمير الاجتماعي المشترك» في المجتمعات لا يتراجع عن مقاربته بسبب تعدد الغثنيات والكيانات الجغرافية واللغات. فالإنسان، بالنسبة لدوركهايم ومن تبعه من كبار مفكري العلوم الاجتماعية ـ السياسية، لا يرتبط روحياً واجتماعياً بالإنسان الآخر فقط لانه يشاركه لغته أو إثنيته أو طائفته الدينية. وهذا توجه ربما تأثر به أنطون سعادة ليصبح أحد رواد علم الاجتماع في المنطقة.
يشدد عالم النفس والإجتماع الألماني ـ الأمريكي البارز إريك فروم على أن ما يسميه «الشخصية الاجتماعية» تنشأ في بقعات مختلفة من العالم استناداً إلى القيم الإنسانية والأخلاقية المشتركة، وهذا ما توافق وتشارك مع فروم فيه كبار من المفكرين الاجتماعيين الأوروبيين وسموه «الشخصية الأساسية» في الهوية، وهذه النظريات شكلت ركيزة أساسية لنشوء الوحدة الأوروبية والمنظومة السياسية الأوروبية المشتركة «الاتحاد الأوروبي» برغم اختلاف لغات وإثنيات الدول المشاركة في الاتحاد.
إذن، فما طرحه أنطون سعادة إزاء المجتمع «المشرقي السوري» كانت أفكاراً تنبؤية سوسيولوجية سابقة لعصرها، وعلى عكس ما يقوله الأستاذ نجم بإن أفكاره كانت عنصرية بعيدة عن الواقع.
وقد دفع أنطون سعادة ثمناً كبيراً بسبب طرحَه لها إذ تقاذفته الأنظمة اللبنانية والسورية العميلة التابعة للمخططات الاستعمارية وانتهى على منصة الإعدام من دون محاكمة عادلة، وخصوصاً بسبب معارضته لإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين.
من التبسيط التساؤل كما فعل الكاتب نجم في الصفحة (46) من الكتاب قائلاً: «أين الشعور السوري الواحد بين سكان لواء الاسكندرون وكيليكيا وجبال طوروس وشمال سوريا والعراق وبين شمال إيران وسهل الأهواز فيها وبين أكراد العراق ومواطنيه السنّة والشيعة، فما عليه سوى مراقبة التأييد الكبير للنضال الفلسطيني الحالي من سائر المجموعات اللغوية والأثنية وأبناء شعوب المنطقة عموماً».
يضيف المؤلف أنه «لولا ارتباط الحزب السوري القومي بنظام عائلة آل الأسد في سوريا منذ أربعة عقود ونيف ثم تحالفه مع (حزب الله) المنادي بولاية الفقيه والمتعاهد مع الأسد لما كان له دور في السياسة اللبنانية حالياً. فهل هذه النظريات مرتبطة بميوله السلبية تجاه الحزب السوري القومي ومؤسسه أم هي نظريات أكاديمية موضوعية؟».
كما ان سؤالاً يُطرح هنا: هل عالج الكاتب دور الحزب السوري القومي في سوريا في الأربعينيات وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي؟ وهل تساءل لماذا تمت تصفية أنطون سعادة بطريقة غير متوافقة مع شرائع حقوق الإنسان وحق الإنسان بالمحاكمة العادلة وبالتعاون بين الحكومتين السورية واللبنانية آنذاك الخاضعتين للاستعمار الأجنبي؟
ويحاول الكاتب الاستشهاد بدراسات وباستفتاءات جرت في العراق وسوريا وأكدت وجود رغبات بالاستقلالية الإثنية الكردية وغيرها، وكأن سعادة لم يكن مدركاً لهذه التوجهات الانفصالية التي تواجدت وتتواجد في أوروبا والعالم بأسره. كما ان الكاتب يتهم سعادة بالعنصرية وبالتأثر بالنظريات الانثروبولوجية التي تركز على تفوق الجينيات الإنسانية السورية على غيرها كما فعل هتلر في ألمانيا النازية، من دون أن يوسع بيكار تحليله في هذا المجال وان يدرك بان سعادة ربما كان يتحدث عن تقدم وتفوق اجتماعي ـ حضاري وليس تفوقاً جينياً جسدياً ولا بيولوجياً لأبناء المجموعة الاجتماعية السورية، وإن فُسرت نظرياته بغير ذلك من بعض الجهات المعارضة لأفكاره ومواقفه، ولكونه تناول في تحليلاته مقاربات أنثروبولوجية كانت مطروحة في عصره.
المشكلة في كثير من نتاج رجال فكر تخصصوا في الفلسفة والعلوم التي تدور حولها أنهم يفتقدون إلى منظار سوسيولوجي في تحليل الأمور، وبالتالي لا يدركون بان آراء أنطون سعادة تندرج في منظار فكري سوسيولوجي لم يتدربوا على اعتماده في مقارباتهم الفلسفية والفكرية قبل نشوء علم الاجتماع. فيقسمون التوجه الإنساني الفكري إلى إما «ديمقراطية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» أو «الديكتاتورية الشيوعية والنازية» متجاهلين مقاربات أميل دوركهايم وماكس فيبر واريك فروم وواضعي أسس علم النفس الاجتماعي وآباء وكبار الاجتماع التي تناغم معها أنطون سعادة في منهجه الفكري، فهي خارج حيزهم الفكري الفلسفي الضيق. وقد وصفها أحد كبار الفلاسفة في مدرسة الأستاذ نجم الفكرية بالت: «خلطولوجي» أي «التشوش والخلط التحليلي».
ولعل ما يدرجه الكاتب عن إحصاءات الزواج من طوائف أخرى في لبنان في الصفحة (79) من كتابه توضيح مدى محدودية تحليلاته السوسيولوجية والاجتماعية. كما يوضح قوله في الصفحة (83) عن الانقسام الحالي في الحزب السوري القومي مدى عدم موضوعيته في معالجة موضوع هذا الحزب ومؤسسه إذ يقول: «لا تأثير شعبياً له على أرض الواقع ولا حضور سياسياً فاعلاً له لو لم يرتبط وجودياً بنظام الأسد والديكتاتوريين الحاكمين في سوريا». وهنا يختلط البحث العلمي بالميول السياسية للكاتب.
وبما ان الكاتب يشير في القسم الأخير من كتابه إلى مقابلات ومناسبات التقى فيها بشخصيات تعرفت وتعاملت سابقاً مع أنطون سعادة بينها بعضهم ممن أعرفهم شخصياً وأنتمي عائلياً إليهم، فسأعلق على بعض ما قاله عن لقاء اجتمع خلاله الكاتب بعمتي الراحلة اوديت ناصيف عياش في منزل الدكتور شارل مالك في 21/1/1980 يقول نجم: قالت اوديت ناصيف عياش إن أنطون سعادة كان يقضي وقتاً طويلاً عند شقيقتها المقعدة جولي وانها تعرف لماذا توفيت والدة أنطون في مصر، وألمحت بأن والده كان على خلاف مع والدته وان سعادة كان يكره والده بسبب وفاة والدته المبكرة، ويترك باقي القضية مفتوحاً لخيال القارئ… (ص 543).
ما هي أهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى علاقة أنطون سعادة بجدتي ايلين ووالدي الراحل انيس ناصيف وعمتي. ألا يعرف مؤلف هذا الكتاب بان أنطون سعادة ووالدي انيس وجدتي ايلين وأمين الريحاني قادوا عملية حماية الكاتبة والأديبة مي زيادة من التنكيل بها وإتهامها بالجنون من قبل خالها للاستيلاء على ميراثها؟ وأنهم نظموا تظاهرة تكللت بظهور علني لميّ زيادة وبخطاب ألقته أكد وعيها الكامل في قاعة وست هول في الجامعة الأمريكية في بيروت، بعدما كانت مختبئة في منزل جدتي في رأس بيروت؟ لماذا لا يركز على هذه القضية؟
ما هي أهمية خلاف أنطون سعادة الشخصي مع والده والمشاكل الزوجية بين والده ووالدته ودور عمتي في الموضوع في كتابٍ عن سيرة ومعتقدات أنطون سعادة، ثم تجاهل مواقف اجتماعية وثقافية وإنسانية قام بها سعادة مع عائلتي ومع غيرها؟
أنطون نجم: «أنطون سعادة في الطريق المسدود»
دار سائر المشرق، بيروت 2020
616 صفحة.