من بين أعنف الاختلالات العاصفة بحياة الشعوب، خاصة منها تلك التي ترزح تحت نير احتلال ما، تلك المتمثلة في افتقارها إلى الإواليات المعرفية، التي تخول لها إمكانية فهم الشروط المؤثرة في توجيه وتحديد مصيرها. وما نعنيه بالإواليات المعرفية، هو مجموع القيم الحقوقية التي تحتمي بها الإنسانية/الأوطان عادة، من أذى الديكتاتوريات الهيمنية، بمختلف مشاربها، ذلك أن استشراء آفة الأمية في أوساط هذه الشعوب، يحول بينها وبين ممارسة حقها في الدفاع المشروع عن نفسها، نتيجة عدم تحصنها بالقيم الحقوقية، التي تستمد منها دلالة الوجود.
والأمية هنا، تفيد سمك الحجاب المسدل بين ما هو كائن، بوازع القهر والإخضاع والسلب الممارس من قبل الأنظمة المستبدة، وما يجب أن يكون، بمنطق الإطاحة العقلانية والممنهجة، بمجموع تداعيات هذه الممارسات، حيث يعتبر التخلف المعرفي والثقافي، بمثابة عائق حقيقي للرؤية، بما هي تعرّف، وفهم، وإدراك لواقع الذات، وبما هي فهم وإدراك للآخر. ومن الطبيعي أن ترغم حالة العمى الثقافي هذه، شعوبها على الدخول في حالة مزمنة من الانكفاء/الانتكاس الذاتي، الذي تحتمي به من الممارسات الهمجية لفعل التسلط. ولن يكون هذا الانكفاء، سوى ضرب من الاستجابة العفوية والمطلقة في آن، إلى نداءات القيم الروحية المتجذرة في الدواخل، التي يمكن اختزالها في «نداء الكرامة».
ومن الضروري الإشارة في هذا السياق، إلى أن الأمر يتعلق بحالة «استنهاض الهمم» التي تعتبر بمثابة كلمة «سر» تعتمدها الشعوب، في تجميع قواها، وتوحيد كلمتها، فور استشعارها لمخاطر التهديد الداخلي أو الخارجي، ورغم كل ما يزخر به منهاج مقولة «الاستنهاض» من قيم روحية ودينية، إلا أنه يظل مفرغا أو يكاد، من ثقل حمولته التنويرية، المتفردة هي أيضا بإجرائية قوانينها. وبين المنهاجين معا، تمتد مسافة شاسعة من التباينات الفارقة، التي تلقي ظلالها الكثيفة على علاقة الشعوب بأسباب وجودها.
فالمنهاج الموجه بمقولة استنهاض الهمم، والمؤطر بالمرجعيات السلفية، المتجذرة في اللاوعي الجمعي، يتخذ من التضحية بـ»الغالي والنفيس!» أداته المركزية في حماية الهوية، من مخاطر الآخر المتربص بها. فيما يستند الثاني على البنود والقوانين الدولية والكونية، المعتمدة في تدبير صراعاته مع هذا الآخر، سواء كان عدوا داخليا أو خارجيا. وتلك هي المفارقة التاريخية، التي تفصل بين نمطين متضادين من أنماط الوعي بإشكالية الوطن والمواطنة، وبالحق في الوجود، وبالنظر لواقع البؤس الثقافي والمعرفي المهيمن على الفضاءات العربية، فإن قدر شعوبها أن تعيش رهينة القيم المثالية المنكفئة على ذاتها، ومنقطعة صلتها بالأنساق التنويرية، التي دأبت، منذ فجر الفلسفة الإغريقية، على مواكبة سيرورة الذات المسكونة بالبحث عن جوهر كينونتها.
إنه الانكفاء الذي يوقعها في حالة من التخبط الاندفاعي، المجرد من أي بوصلة معرفية يمكن أن تمضي به إلى الوجهة المطلوبة. وما نعنيه بالتخبط الاندفاعي، هو حالة الجموح الروحي المناهض للدخيل، التي تستلهم حماسها من جذوة الهمم المستنهضة، وليس من جذوة العقلانية، التي تقارب العلل على ضوء مقاربة خلفياتها التاريخية، السياسية والاقتصادية.
إن الوطن من هذا المنظور، يعلن عن حضوره بوصفه مكانا مقدسا، أو «فردوسا» أرضيا، ليس لأي قوى داخلية غير عادلة، أو أجنبية أن تغامر باغتصابه. لذا، تعتبر حمايته والذود عن حياضه – كما يقال – مسؤولية ملقاة على عاتق كل مواطن مؤمن، ومخلص لدينه، ولأولياء أمره. فضلا عن كون هذه الحماية تتم على أساس جهادي واستشهادي، وليس على أساس الرؤى التحررية المتشبعة بروح القيم الكونية لحقوق الإنسان. كما أن عملية تجنيد المواطنين وتعبئتهم، تتحقق ضمن المواصفات المندرجة في هذا السياق. فالمنظور السلفي يصبح بمثابة بطارية سحرية، تتحكم في توجيه المرحلة، وكذلك في تأجيج الوعي بقدسية العمل النضالي.
ومن المؤكد أن أمل الفوز بحظوة الشهادة، يضاعف من شراسة المقاومة، حيث تأخذ الروح الوطنية ضمن هذا المنطلق، شكل معادل موضوعي للروح الدينية. فمحبة الوطن، وحماية حياضه من تكالب الدخلاء والمستبدين، هو الامتداد الطبيعي لمبدأ الالتزام بجوهر التعاليم.
وانطلاقا من التأثير السحري، الذي يحدثه هذا الخطاب، لدى الذهنيات المشبعة بالقيم التراثية والسلفية، فإن النخب السياسية المتميزة بحسها التنويري، تحرص على اعتماده هي أيضا في عملية التأطير والتحشيد، لاقتناعها الضمني بفاعليته الملموسة في تسريع المردودية النضالية، وشحذ فعل الاستجابة لدى أغلب الشرائح المعنية. فبالنظر إلى الأمية والجهل المهيمنين، سيكون هذا النموذج من الخطابات – بما هو عزف على وتر الجهاد، ووعد بنعيم الجنة – وحده الأكثر مصداقية من أي عامل آخر في عملية الاضطلاع بالأدوار الطليعية، الهادفة إلى إنجاز مهام «استنهاض الهمم».
ومن المؤكد أن أمل الفوز بحظوة الشهادة، يضاعف من شراسة المقاومة، حيث تأخذ الروح الوطنية ضمن هذا المنطلق، شكل معادل موضوعي للروح الدينية. فمحبة الوطن، وحماية حياضه من تكالب الدخلاء والمستبدين، هو الامتداد الطبيعي لمبدأ الالتزام بجوهر التعاليم. كما أن التفاني في حب الوطن، يتداخل تلقائيا مع الإيمان بالذات الإلهية، حيث يعتبر التفريط فيه تفريطا مباشرا في أحد أهم أسس العقيدة.
من هذا المنطلق تحديدا، يتم إلهاب حماس المواطنين، بغاية تحقيق حظوة الإجماع، وبالتالي فإن من يتوانى في التفاعل مع الوطن بهذه الرؤية هو ـ في اعتبار «العرف» ـ مدان بخطيئة الكفر، والتواطؤ الضمني، مع العدو ضد إرادة المصالح العليا. وفي حالة تبني «فصيل» ما للاختيارات التنويرية، فإنه حتما سيكون موضوع شبهة، ما لم يدعم اختياره بالرؤية الدينية والعقدية للوطن. والغريب في الأمر، أن النخب تجد ضالتها الكبرى في هذه المعادلة، إذ من خلالها فقط، تمارس حضورها. فبالنظر إلى الأمية السائدة والمهيمنة، سيكون من العبث، أن تتبنى مشروع تأطير الصراع والممانعة على أسس فكرية أو اقتصادية، التي قد تؤدي إلى تبلور وجهات نظر متباينة، بما قد يؤدي إلى إحداث قطائع، قد تؤثر سلبا في نقاء الاستجابة، وإلى تفشي حالة اليأس بين الشرائح المجتمعية. ذلك أن حجاب الأمية، لا يسمح بتاتا باستشراف الرؤية المستقبلية للواقع. ولعل أهم ما يعنينا من هذا الاستنتاج، هيمنة القناعات الغيبية على البنية الذهنية، وتحولها إلى إطار مبدئي للعمل الذي لا يتقبل أي مبادرة تشكيكية، بفعل تجذره العميق في الذاكرة، كما في الممارسة الحياتية، على امتداد قرون وقرون، دون أن تفلح كل منجزات التحديث في المس بشرعيته. ولعل السبب في ذلك يعود إلى غياب التعامل مع مفهوم الوطن، من وجهة نظر عقلانية وثقافية، بما هي رؤية تحليلية وبنائية للواقع، وللزمن التاريخي، في علاقته بالذات، وبالآخر.
وموضوعيا، يعود مصدر هذا الغياب إلى النخب المتنورة، التي لم تكن معنية أبدا باقتراح مبادرات عقلانية، من شأنها المزاوجة بين المنهجيتين، من خلال التهيئة الرمزية لأرضية مفكر فيها، قوامها التعامل العملي والبراغماتي مع إشكالية الوطن، هذه النخب، رغم توجهاتها الحداثية، تجد نفسها مكبلة تماما بالتصورات المكرسة، كلما دخلت في صراع مع السلط الحاكمة، حيث تكون ضحية سيادة التصورات القداسية، التي ساهمت من جهتها هي أيضا، بقسط وافر في تعميمها. ما يحول دون إمكانية اختراقها لحاجز الرؤية، المعززة بروحها السلفية، وتعذر زرعها لبذور خطابات مضادة، كفيلة بتجديد علاقة المواطن بذاته ومحيطه.
وهو ما يلاحظ بالنسبة لأجيال ما بعد الاستقلال في الوطن العربي، التي فشلت في تأسيس رؤية تنويرية للوطن، باعتبار أنها وقعت هي أيضا، في خطأ إضفاء الطابع القداسي على المذاهب المادية والتاريخية، التي دأبت على استعارتها من منجز التجارب التقدمية، مكرسة بذلك قناعات قداسية بشكل معكوس، خاصة عند اتخاذها لمنحى عدواني تجاه الرؤية الدينية، ما ساهم في تأليب أغلب الشرائح المجتمعية عليها، خاصة منها الخبيرة بتوظيف آليات تنشيط وتجنيد الضمير المجتمعي المناوئ للتوجهات الحداثية، باعتبارها أداة تدمير معلن ومكشوف للقيم السائدة و المتداولة.
شاعر وكاتب من المغرب