في عالم كرة القدم، عندما تكون منتصراً ومتألقاً، فما أجمل منها حياة، ولكن عندما يكون العكس هو الصحيح فكل زخرفة سقف البيت ستنهال على رأسك، وهو ما يكتشفه باريس سان جيرمان حالياً مع نجمه الارجنتيني ليونيل ميسي.
قبل عامين، عندما حارت الأقلام والعقول في تخمين من هو «المحظوظ» الذي سينال خدمات السوبر ستارز ميسي وشريكه في النجومية كريستيانو رونالدو، كان واضحاً أنهما يبحثان عن مكان هادئ ينعمان به بنفس قدر النجومية والهالة الاعلامية والتنافسية، لكن من دون مشقة السنوات الماضية، أو بمعنى آخر بدون مطالبتهما بالمزيد من الأرقام القياسية والعروض الخيالية والاهداف التعجيزية، حتى وان لم يذكرا هذا أبداً، فالسوبر ستار عندما يتخطى سن 33 عاماً، أسوأ سيناريو ممكن له ان ينضم الى فريق جديد يسعى الى البناء أو يكون في مرحلة انتقالية بعد معاناة، وينظر الى هذا النجم على أنه «المخلص»، فهكذا نظر مانشستر يونايتد الى رونالدو، وهو في مرحلة تخبط، فأخفق النجم البرتغالي في احياء نوستالجيا لأنصاره، لأن الزمن في الواقع لا يعود الى الوراء، والتاريخ لا يعيد نفسه في عالم كرة القدم. وفي حين كان ممكنا لرونالدو الذهاب الى الدوري الامريكي الأقل تطلباُ، فانه اختار ثروة هائلة على اي اعتبار آخر، بانتقاله الى النصر السعودي، حيث عانى الأمرين في الامتار الأخيرة من عمر الدوري.
الأمر ذاته تكرر مع ميسي، فهو اختار ثروة هائلة، بانتقاله الى باريس، وحظي باستقبال الملوك، واستقبلته بحفاوة مئات الألوف من أنصار سان جيرمان، والتي وقف الكثير منها في الأيام الاخيرة متظاهرين أمام مقر النادي في بولوني-بيانكور للتعبير عن غضبهم حيال ما آلت إليه الأمور وتراجع أداء الفريق. وهتف المشجعون بعد 3 أيام من الخسارة أمام لوريان 1-3 في الدوري والتي كانت الثالثة لسان جيرمان في مبارياته الأربع الأخيرة على أرضه «سئمنا من المرتزقة! يجب طرد ميسي». كما تجمع قرابة 100 مشجع ارتدوا قمصانا سوداً أما منزل نيمار، الغائب عن الملاعب حتى نهاية الموسم الحالي جراء تعرضه لاصابة، في بوجيفال (إيفلين) وهم يرددون هتافات مسيئة «نيمار ارحل». وعلى خلفية هذه الأحداث، اتخذ سان جيرمان اجراءات لتعزيز الحماية، مع زيادة وجود حراس الأمن في مركز التدريب في «كان دي لوج» وأمام منازل نيمار وميسي وفيراتي «جميع المستهدفين» بهتافات معادية.
ميسي اعطى الانطباع بان الهدف من انتقاله الى باريس هو الترويج الى النادي، وتحقيق انتصارات سياسية وتسويقية أكثر، خصوصاً بعد نجاحات كبيرة لصورة النادي في الخارج، خصوصاً في شرق آسيا. كما سمح انتقال النجم الأرجنتيني بوصول رعاة جدد، وضمنت صورة علامته التجارية عمليات مربحة للنادي ومكّنت سان جيرمان من اتخاذ منعطف عالمي ايجابي، فبيع القمصان وعقود الدعاية والتغطية الإعلامية وارتفاع أسعار التذاكر، كلها عوامل ساهمت في زيادة دخل النادي.
لكن هذه النجاحات خارج الملعب، قابلتها اخفاقات في داخله، وهو ما قاد الى غضب عارم عند المشجعين، الذين سئموا معاملة النجوم والسوبر ستارز لناديهم على انه مرتع لنزواتهم ووجهة لقضاء اجازات سعيدة مع عائلاتهم مع ضمان مداخيل ورواتب عالية، فنيمار بالكاد يلعب في ربيع كل سنة منذ انتقاله الى النادي في 2017، في حين أظهر ميسي منذ تتويجه مع منتخب الأرجنتين بكأس العالم نهاية العام الماضي، وجهاً مختلفاً تماماً في باريس. ومع خيبات سان جيرمان هذا الموسم، بدا أنه فاقد الشهية في اللعب، فيمشي كثيراً وقليلاً ما يجري، ويخسر المواجهات والالتحامات الثنائية، وبعض ومضات عبقريته القليلة لم تمح كل شيء. رغم ان الطموحات مع ميسي، كانت أن يسجّل سان جيرمان علامة فارقة في دوري الأبطال ويكسر العقدة ويحقق اللقب، لكن لا يزال النادي بعيداً مع إقصائين متتاليين من ثمن النهائي، ويبدو أقرب إلى الانحدار منه إلى التطوّر. ومنذ العودة من كأس العالم، أقصي سان جيرمان من دوري الأبطال، وكأس فرنسا أمام مارسيليا، إضافة إلى سلسلة هزائم في الدوري ضد رين وليون ومؤخراً ضد لوريان. وتزامنت تلك النتائج السيئة مع تراجع أداء ميسي في الملعب، فسدد أقل على المرمى، وركز أقل في التسديد، ولمس عدد أقل من الكرات خصوصاً في منطقة الجزاء منذ مونديال قطر. فقبل المونديال، سجّل 12 هدفاً و14 تمريرة حاسمة في 19 مباراة. وبعده، سجل 3 أهداف وتمريرة واحدة حاسمة.
ميسي اعتذر على رحلته الى السعودية من دون اذن مسبق من ناديه، لكن الأنكى ان اعتذاره الذي جاء عبر تسجيل فيديو في حسابه على «انستغرام»، كان فقط لناديه ولزملائه، ولم يذكر قط الجماهير التي يعضون أصابع الندم، على لحظات اعتقدوا فيها أن قلوب النجوم تنبض عشقاً لهم ولأنديتهم، كعشقها لرواتبهم ومداخيلهم، لكن في نهاية المطاف وبكل بساطة ستصيح الجماهير: وداعا ميسي، مثلما قالوا أهلا ميسي، من دون أن تشعر بأي فارق في حياتها.