أولمبياد تصفية الحسابات!

قبل 100 عام، وعندما كان العالم لا يعرف التكنولوجيا، ولا الرقائق الالكترونية او الشرائح الذكية، وعندما كانت وسائل التنقل ما زالت على ظهر الدواب او عبر قطارات بدائية، نجحت باريس في استضافة دورة الألعاب الأولمبية التاسعة بدون أي مشاكل او اضطرابات، لكن اليوم وبعد مرور قرن كامل من الزمن، عادت الألعاب بنسختها الرابعة والثلاثين وفي وقت يقوم الذكاء الاصطناعي بكل ما يعجز عنه البشر، لكن مع الكثير من صداع الرأس للمنظمين والمضيفين وربما الزوار.
رغم انطلاق حفل افتتاح أولمبياد باريس الجمعة، بعرض غير مسبوق على نهر السين بمشاركة 6800 رياضي من 205 دول أمام معالم تاريخية في العاصمة الفرنسية، فلن أتحدث عن هطول أمطار عكّرت الأجواء، لكن عن تعرّض شبكة القطارات لعملية تخريب، ومنغصات أخرى حتى قبل يوم الافتتاح. وطبعا للمرّة الأولى في التاريخ، أقيم حفل الافتتاح خارج الملعب الرئيسي، وشاهده 320 ألف متفرّج من مدرّجات بُنيت خصيصاً على ضفاف النهر، ونحو 200 ألف من على شرفات المباني المجاورة. وأقيم الحفل في ظلّ إجراءات أمنية مشدّدة بعد ساعات من التعرّض لأعمال «تخريب». وقبل ساعات من مراسم الافتتاح، تعرّضت شبكة القطارات السريعة لهجوم ضخم واسع النطاق هدف إلى شلّ شبكتها، وتسبّب باضطرابات شديدة وطال 800 ألف راكب مع إلغاء 25% من رحلات أيضاً لقطارات «يورو ستار» بين لندن وباريس. ورفض المسؤولون الفرنسيون التعليق على هوية الجناة الذين يبدو انهم يتمتعون بمعرفة متطوّرة بالشبكة. لكن فرنسا لاعب رئيسي في الأحداث الملتهبة في العالم، ان كان في الحرب الأوكرانية او الحرب على غزة او نفوذها المقت في أفريقيا، ولذا تسعى الى تعزيز صورتها من خلال هذه الألعاب، عبر استضافة نحو مئة رئيس دولة أو حكومة، لمواصلة نشاط دبلوماسي مكثّف بينما تشتعل الصراعات. لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان الغائب الأكبر، علماً أن بلاده موقوفة ولن يتم عزف نشيدها بحال تتويج بعض الرياضيين المشاركين تحت علم محايد وبشروط صارمة خصوصاً عدم دعم الحرب ضد أوكرانيا. كما أعربت إسرائيل الخميس عن قلقها من «تهديدات إرهابية محتملة» تطاول رياضييها وسيّاحها، وذلك في رسالة وجّهتها الى الحكومة الفرنسية.
وقوى الأمن في حالة تعبئة غير مسبوقة، مع نشر 45 ألف عنصر من الشرطة والدرك. يضاف اليهم ألفا عنصر أمن خاص وألف شرطي من بلدية باريس. كذلك، ستقوم فرقة قوامها عشرة آلاف عسكري بدعم هذا الانتشار الأمني. ونُشر قناصة على أسطح باريس على طول النهر، لتحييد أي مسلّح يستهدف الحشود أو وفداً من الرياضيين على متن قارب أو رئيس دولة أو حكومة زائر. وللمرة الأولى، ستعمل الوحدات الخاصة والشرطة والدرك بشكل مشترك.
طبعا كل أصابع الاتهام ستذهب الى خصوم فرنسا في العالم، على رأسهم الروس والايرانيون وبعض الافارقة على هذه الفوضى و«التخريب»، رغم ان اليسار الفرنسي له ماض في شل حركة البلاد، في وقت تعصف التغييرات السياسية بالمزاج العام، فكأن الباريسيين يقولون «الأولمبياد ليس وقتها الان».
طبعا صداع الرأس لم يتوقف عند الشؤون السياسية، بل امتد الى الأمور اللوجستية والإدارية، حيث أثار عدم السماح للعداءة الفرنسية سونكامبا سيلا، بحضور حفل الافتتاح بالحجاب، ردود أفعال واسعة النطاق. وتزايدت بعد أن أعلنت سيلا، التي ستمثل فرنسا في سباق التتابع 4×400 متر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، أنه لن يُسمح لها بحضور حفل الافتتاح لأنها ترتدي الحجاب.
وبينما انتقد الرياضيون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الحكومة الفرنسية، صرحت وزيرة الرياضة أميلي أوديا كاستيرا أن هناك «حلا» لحضور الرياضية حفل الافتتاح. وقالت: «هذا هو القانون وعلينا الالتزام به، وهي تدرك جيدا أنه عندما تكون رياضيا تمثل بلدك، عليك أن تكون قدوة يحتذى بها». كما واجه المنتخب الفرنسي للمبارزة، أزمة مرورية خانقة استغرقت ساعة و40 دقيقة، للوصول من القرية الأولمبية إلى القصر الكبير موقع المنافسات في أولمبياد باريس. وتسببت إقامة حاجز فحص بتقنية الرمز المربع (كيو آر) التي تسمح بالوصول إلى المنطقة في تكدس عشرات السيارات أمام الفريق الفرنسي الذي كان بصدد استكشاف مكان المنافسات وإجراء فحص تقليدي للأسلحة. كما اشتكى عدد من الرياضيين، من عدم كفاية الطعام في القرية الأولمبية بالعاصمة الفرنسية. وبحسب صحيفة «ليكيب» الفرنسية، فإن الرياضيين يجدون أن كمية الطعام المقدمة لهم في القرية الأولمبية غير كافية، خصوصا البيض واللحوم.
وتبدو الأحداث الرياضية الكبيرة مناسبة للمختصمين لحل صراعاتهم، بل يتفنن الجميع في إيجاد السلبيات، اما في التنظيم أو في التسهيلات أو الطرق والفنادق، واي شيء يمكن أن ينتقد، وربما هي طبيعة بشرية الإذعان في سرد النقد اللاذع، وربما هي فرصة لمخطط شرير لتصفية حسابات ما بين المختصمين، وربما هي إخفاقات متوقعة من المنظمين في ظل أحداث متسارعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية