في كثير من قصص هند جعفر الواردة في مجموعتها القصصية «أيام سمير حمص»، ثمة نزوع إلى السيطرة على التفاصيل، بما يلائم نموها المتدرج، وتأثيرها النهائي عندما تصل إلى كلمة النهاية، المشحونة دائماً بانفعالات قوية، بغض النظر عن كيفية قولها. وثمة أيضاً، نزوع جمالي يتغذى على البساطة في التعبير، والابتعاد عن الانزلاق وراء الألفاظ المبهرجة، التي تفقد القصة تأثيرها المرتجى عند التلقي، فهي تحاول أن تجد للعواطف، والأحاسيس، مكاناً مضيئاً في نصوصها، كأنها تمتثل لوصايا كاتب فذ، وإن كان مُقِلاً في أعماله مثل المكسيكي خوان رولفو. وهو يرى أن القصة القصيرة الجيدة ما هي إلا «ضربات فأس هنا وهناك، وعمليات مراجعة وحذف وإضافة، وطرح وجمع، والقصة لها فرصة واحدة في الزمن والحيز، وحظها يتكرر في الحين مباشرة بعد مرحلتين: كتابتها ثم قراءتها، فأي طلب أو تعديل، أو إضافة، أو وصية، أو تنميق أسلوبي، لا جدوى منه».
يبدو هذا النزوع واضحاً، عند مطالعة النصوص، إلى جانب ميلها إلى التمدد أفقياً، لكي تتسع رقعة النص لاحتواء أكبر قدر ممكن من الصور اللحظية التي تريد توصيلها لخدمة العمل، وإحكامه سردياً، من خلال تلك المساحة الضيقة المسموح بها للقصة القصيرة.
في قصة «رفات»، ثمة راوٍ متألم، يحكي لنا عن موت أبيه في الحرب، كل ما يملكه من دليل هو وأسرته ذلك القرص المعدني المحفور عليه رقمه واسمه، وبطاقة شخصية تآكلت حوافها، لشاب في السابعة والعشرين من عمره، وخطاب كان قد خطه للأم. إنها الحرب، قمة المأساة الإنسانية، عندما تخلف حكايات بحجم أبطالها، وحجم أوطانهم، وبعدد أسرهم، التداعيات القاسية على روح البشر، خاصة هؤلاء الذين تجرعوا مرارة الهزيمة. يستطيع الكاتب الماهر التقاط الزاوية المناسبة، والبدء في سرديته، مشاركاً في الأحداث، أو قائماً بتسجيل ثقل وقائعها على حياة الآخرين. إنها لا تخصه وحده، فهي لا تعد سيرة فردية، بقدر ما هي بحث في الهوية القومية، عبر اختيار موضوعات تهم الجميع، فليس هناك، داخل الوطن، من لم يتأثر بمثل هذه الحالات التي تنفتح على الماضي والحاضر ولا ينجو منها المستقبل.
هي الحرب إذاً، ما زالت هي المحرك، ذات الحضور المدرك، المقلق دائماً، تلقي بظلالها الكئيبة على نص آخر، حكاية أخرى، لكنها في هذه المرة تتشكل تداعياتها القاتمة على لسان أنثى، تأخذ دور الراوي وتسرد لنا بضمير المتكلم، وبخيبة الأمل والنبرة المنكسرة نفسها، تلك القصة الحزينة عن والدها. كمرادف للألم. وحكي يفرط في إضاءته على تلك المناطق المعتمة في تاريخنا الحديث، لكن أهميته تأتي من خلال تدوينه بعيداً عن التاريخ الرسمي، المكتوب من علٍ. إنه يأتي من أسفل، على لسان البشر، فلا شيء خارج حدود الأدب لا ينبغي ذكره، أو تتعذر إمكانية سرده إذا كان واقعياً، مدركاً، ربما كانت مشاهد تأتي كتلخيص لصدمات نفسية، تذكرها يبعث على الألم، تحاول فيها الذات الساردة، على إرغام نفسها على عدم النسيان، من خلال الوصف المباشر والمركز على ما جرى.
يحتاج القص إلى لغة فنية، كضرورة لرصد انفعالات البشر، أثناء انعكاس التغييرات التاريخية الكبرى عليهم. قوة ردود الأفعال، حتى لو كان من بينها الانعزال، فهذا موقف من العالم أيضاً، ينبغي رصده، والتفتيش عن أسبابه، ملاحظة المدلولات المنطقية وراءه. فتصوير الدوافع على نحو جيد، يعطي للنص ثقله الخاص، ويجعله متوائماً مع أهداف الكاتب.
في قصة «ذاكرة حية»، ثمة توق، وحنين إلى خورخي لويس بورخيس، ذلك الكاتب الأرجنتيني الأسطوري الذي رفد النثر الحديث بأرفع لغة ممكنة، واهباً السرد إمكانيات لم تكن له من قبل، فقد جعل القص سحراً خالصاً، نثراً زاهياً، لا مجرد كلمات خالية من الجمال والتأثير، وربما من خلاله مر معظم كتاب العالم الكبار، اللاعبون المهرة تحديداً، أصحاب الخيال الجامح واللغة الرفيعة. تحاول الكاتبة هنا محاكاة قصته الشهيرة «ذاكرة فونس القوية»، من خلال بطلها المؤرَّق، الذي لا يرى فرقاً بينه وبين إرينيو فونس رجل بورخيس المبجل: «كلانا ممدد على مرقده في جو خانق، أو هكذا هُيئ لي حين استعدت ذكراه في تلك الليلة الحارة في غرفتي بالإسكندرية».
إنه بطل قلق، ذو ذاكرة مشوشة، يقترب من الأربعين، عاطل، فارغ تماماً، أفكاره لا تنتمي إلى هذا العمق الذي يظلل أفكار فونس، لأن راويها هو بورخيس ذاته وهو يتأمل العالم على طريقته الفريدة، ويلقي في طريقنا بدُررٍ ثمينة كل عدة سطور، فيما يشبه السرد السيريذاتي، كعادته. فهذا الكاتب الذي صار في مصافِّ آلهة الأدب في القرن العشرين، كان يكتب فيما يكتب، عن ذاته، عن المدعو خورخي لويس بورخيس، أناه الآخر، عن تأملاته، وعن أفكاره، مستعرضاً قراءاته، معتمداً في سرده على خيال جامح، كان منحة من عمائه، الذي أتاح له النظر إلى الداخل، واصطياد بعض الألعاب السحرية من عالمه الخاص جداً، مشيداً بها أجمل القصص القصيرة في العصر الحديث. ربما كانت القصة تحية خاصة لبورخيس، واعترافاً جميلاً بأبوته الأدبية، من كاتبة تحمل بداخلها افتتاناً خاصاً به. وتحاول قدر الإمكان التفاعل مع عوالم الكبار الذين تروق لها كتاباتهم.
حتى الخواء، يمكن رصده، ولمس أشباحه، وعوالمه المبعثرة، اللامحسوسة. عبر السرد الفطن، الذي يقبض على المتروك، ويجعله قابلاً للحياة، من خلال أفكارنا الغريبة حوله، بطرق تكشف المغزى وراء وجوده، وتحلله بالتفتيش في داخل الشخصيات، وإدراك تأثيره فيها. إن الاهتمام ببناء الأجواء المحيطة، وتشكيلها، على نحو جيد يصرف عنها الارتباك والخطأ، ويعطي للنص زخماً وحيوية، ويجعله مثيراً للاهتمام.
مرة أخرى، نعاين تقنية «الحلم» تلك اللعبة المفضلة للكُتَّاب عندما يريدون الذهاب إلى عالم الخيال، بمساحاته اللانهائية، التي تحوي في داخلها كل ما خلق الله، ما رأيناه، وما لم نرَه، ما تصورناه موجوداَ، وما لم نتخيل وجوده أصلاً. فتجارب الأحلام متوفرة بعدد سكان الكرة الأرضية. يأتي الحلم هنا، في قصة «ركض دائري» كركيزة أساسية يدور حولها النص، البطل، منغمس بقوة في فضاء حلمه، يدرك تماماً ما يراه أثناء نومه، وما ينطوي عليه من مفارقات واقعية، مشحونة بالتلميحات، والأصداء الرمزية، بالتكثيف الراهن على مضمونها الإيحائي. يرى في منامه أنه يركض داخل غابة داخلية، مغطاة بالكامل بشجر متوسط الطول، مشذب بعناية فائقة، يركض خائفاً، بينما لا أحد يطارده، إنه يعي ذلك جيداً، يعي لون الأشجار، ويتذكر ألوانها غير المألوفة. يتحول الحلم إلى جولات خائفة في داخل متاهة، يصحو منه لاهثاً، مبللاً بعرق غزير، ودموع تملأ عينه. يحكي لأمه، يسرد عليها أحلامه، تصل العدوى إليها، يتناوبان الحلم نفسه، في لعبة فريدة تغذي القصة بدوافع فنية للمواصلة، على نحو تجيد الكاتبة التمكن من آلياته. فهي تعلم أن الأرواح المتعبة في حاجة دائماً إلى الهروب من واقعها التعيس إلى عوالم بديلة، فربما وجدت بعض السلوى.
يحاول الكاتب الحاذق الإقبال على المناطق الوعرة من الحياة، ربما وجد هناك المدهش والفريد، مستجيباً لإحساسه المباشر، وهو يروض العناصر المكتشفة، للجانب المظلم من الطبيعة البشرية، التعرض للأوهام، والإحساس الجارف بالغربة، باعتبارنا أحياء وسط هذا الحطام، غير معزولين عما يدور حولنا، نقتفي أثر الخيوط الخفية لوجودنا، وكأننا نعيش على شفا هاوية.
في مقدمة الكتاب، وعلى نحو مراوغ، تضعنا هند جعفر على قارعة الطريق التي تود المضي فيه، بإشارة خفية. باستهلال بورخيسي دال، تحت عنوان «تمهيد قد يكون له داعٍ» تقول فيه: «قبضت الملائكة رجلاً ما؛ حينها فقط أحاط بما كان لزاماً عليه؛ وهو كتابة – ولو- قصة واحدة يحكي فيها عن أي شيء. حان وقته دون أن يدون أياً مما خبره أو رآه، حتى حكايا مَن عرفهم ذهبت معه إلى القبر. لم تمهله الملائكة، قبضت بشدة على روحه، وتركت جسده خرِباً يشكو قلة المعرفة.. وفي البرزخ أدرك أن أمامه متسعاً». تقديم قَرَّب المسافة بين الكاتبة والمتلقي، وجعل القراءة لعبة تبادلية، كرة مضرب، يتقاسمها لاعبان، في مساحة معينة، وفقاً لذات لا تريد أن تعيش وحدة مطلقة.
نجد ذلك في تفصيلات بعض قصص المجموعة، أفكاراً مرتبة، ميالة إلى التعبير عن وعي الإنسان بحقيقته، ضعفه أمام بعض أسرار الحياة، والمظاهر المادية لعالمه، كما في قصة «أعمال سين التي ذهبت هباء» عن فتاة عشرينية تدعى «سين» لقيت نحبها دهساً بسيارة مسرعة. هذه الفتاة، كانت متيمة بنجم سينمائي، تمتلئ حوائط غرفتها بعدد من صوره التي كانت تقصها من المجلات، ماتت وهي تخطط لحضور فيلمه الأخير. تستمطر الكاتبة عوامل الدهشة من تلك اللحظة التي تلي صعودها إلى السماء، تتأقلم الفتاة مع وضعها الجديد، وتستغل وجودها في العمل في وظيفة مبتكرة: ملاك حارس لنجمها السينمائي، ترافقه في كل مكان، وتصاحبه في أسفاره، تراقبه عن كثب، وحين توفيَ كانت سعادتها بالغة، فقد توقعت «أن جمع الشمل قد حان، ولكن الرجل صعد كنجم وكان عليها أن تكتفي بمرافقته من بعيد لمرة ثالثة».
عبر تسع عشرة قصة، تتنافس على الجودة، وعلى الإخلاص لهذا النوع الأدبي الرهيف، تحاول الكاتبة أن تجد لنفسها مكاناً بين رهبان هذا المحراب، بصياغات دقيقة، لشخصيات متمركزة حول ذواتها، تبحث عن عوالم بديلة، بازغة، أو مترسبة في أعماقها. متمردة، دون أن تدري، على الأوضاع القائمة، من خلال عدم الرضا، والإيمان المطلق، غير القابل للنقاش، باللاجدوى.
تدور قصة «دانة» حول زمنين، الماضي الذي لا يغادر الذاكرة، والحاضر الماثل، والد البطل هو وقود الماضي، الذي يتحين أي فرصة للحديث عن تعرضه للقصف بالقنابل من قبل العدو، إنه أحد أبناء مدن القنال التي تعرضت للهجوم الوحشي والتهجير. يحكي لابنه بدقة فائقة، بادئاً بذكر ما يجري في سوريا من انفجارات، مكانها وعدد الضحايا، وحجم الدمار، كأنه يربط بين عدوين، تجمع بينهما الوحشية والتخريب، عدو تاريخي، وعدو داخلي لا يرحم. في الوقت الذي لا يود الابن سماع أي كلمات عن الحرب، والحديث المكرور عنها. يقول الأب، منطلقاً في ذكرياته المتجددة دوماً، يحكي له، كيف وجد نفسه مكوماً بجوار دراجة وبجواره قتلى وجرحى كانوا يتحدثون معه عن الوجهة التي سيهاجرون إليها، وبالقرب منهم حفرة عميقة تسببت فيها «الدانة»، لم يلتقط الابن من الحكاية سوى ذلك الاسم: دانة. رآه اسماً يليق بفتاة عشرينية، وأجمل من كلمة صاروخ أو قنبلة. هل هو نزوع داخلي للهروب من الحروب وكوارثها، وتداعياتها المأساوية، التي لا يمل الأب ترديدها؟ هل هو اِلتماس السلام من وسط الدمار، لمنطقة قُيِّض لها أن تعيش تاريخها الحديث فوق حقل ألغام ومتفجرات وتطاحن داخلي وخارجي. ربما!
هند جعفر: «أيام سمير حمص»
دار الشروق. القاهرة 2023
91 صفحة.