عود على بدء. ما هو مصير قرار «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بعلاج الفنان الكبير إيمان البحر درويش على نفقتها؟!
كنت أدرك أنه قرار لذر الرماد في العيون، بعد أن نشرت كريمته صورته، وهو على فراش المرض، وذلك بعد انقطاع أخباره قرابة العامين؛ منذ الفيديو الشهير، الذي هاجم فيه أهل الحكم، وبدا للرأي العام أنه «تغييب قسري»، ولهذا فعندما ظهر، وقد هده المرض، واختلفت ملامحه تماماً، استقر في وجدان الناس، أنه تعرض للاعتقال، وربما أخرج منه ليموت في بيته.
وإزاء ثورة منصات التواصل الاجتماعي، كانت الدعاية المضادة تبدو متهافتة، وهي تستهدف تغيير مجرى الحديث، حول ما ارتكبته ابنته، حيث لا يجوز من الناحية الأخلاقية نشر صور المرضى. والمضحك أن هذا الكلام يصدر من إعلام استباح الأعراض، ولا هم له إلا الخوض في الحياة الخاصة للبشر، حتى أصبح زواج المطرب الشعبي حسن شاكوش وطلاقه هو حدث الموسم، وأعطي الميكرفون في عدد من البرامج التلفزيونية لمطلقته، والحق في أن تصول وتجول، وتلمح وتصرح، بما يكفي تصريحاً كان أم تلميحاً، لسجنها وسجن كل من تصادف وجوده في الأستوديو.
ومع تعطيل مهنة الصحافة في مصر، فمثل هذه اللقاءات التلفزيونية تصبح في اليوم التالي موضوعاً في الصحف، الالكترونية والورقية، ومالك القنوات هو نفسه مالك هذه الصحف!
لا بأس، فقد أعلنت الشركة المتحدة في (11 الشهر الجاري) قرارها بعلاج «الفنان الكبير» على نفقتها، «تقديرًا لموهبته ومشواره الفني المتميز»، وأنها – أي الشركة – تتواصل مع أسرة الفنان الكبير لبحث موقفه الصحي على وجه الدقة، تمهيداً لتوفير أفضل السبل لعلاجه.
كان هذا في وقت تطور فيه موقف نقيب الموسيقيين (رجل المرحلة) من كونه لا يعرف رقم هاتف الفنان، الأمر الذي تحول إلى مسخرة من العيار الثقيل، إذ كيف لا يوجد في النقابة سجلات بأسماء الأعضاء وبياناتهم، وليس إيمان البحر درويش «مزيكاتي»، أو من آحاد الفنانين، فقد شغل موقع النقيب فضلا عن كونه فنانا كبيرا، عندئذ قال النقيب إنه تواصل معه، لكنه فوجئ بهاتفه مغلقاً، قبل أن يتطور الموقف إلى قوله إن ابنته لا ترد عليه، ثم قال إنه لا يعرف عنوان منزله، إلى أن وصل إلى التصريح الفج أنه ليس مطلوباً منه المرور على بيوت الأعضاء. فموقف نقيب المرحلة هو رد فعل، ولهذا يتطور بناء على حصار الناس له!
وكان (نقيب المرحلة) في موقفه الارتجالي يعزز ما استقر في وجدان الناس، وقد بادرت «الشركة المتحدة» لنشر هذا الإعلان، لتنفي عن ملاكها تهمة التورط في سجن الفنان الكبير، وتعرضه للتعذيب، لكني أدرك أن خيال القوم من أهل الحكم، وفي جميع مؤسساتهم ليس رحبًا، وهم وإن تصرفوا على مستوى الحدث، فلديهم مشكلة مع اكتمال الرواية، لهذا ومنذ هذا الإعلان فأنا دائم التردد على موقع الشركة الالكتروني وصفحتها على منصة فيسبوك!
أزمة على رأس الساعة
وبدا الناس وقد نسوا «الحدوتة»، فقد جاءهم ما يشغلهم، والذي تمثل في انقطاع التيار الكهربائي بالساعات ولأكثر من مرة في اليوم الواحد، ودائماً ينقلنا فشل السلطة من أزمة إلى أزمة، والأزمة الحالية بدأت بعض البرامج التلفزيونية تناقشها، لكن بنقل تصريحات المسؤولين، وهي متناقضة؛ بين أن الأزمة في الكهرباء، وبين أن سبب الأزمة إنما يرجع إلى نقص الغاز، ويتبنى الرواية الأولى مجلس الوزراء، بينما يبتنى الرواية الثانية وزير البترول طارق الملا، مع أنه صاحب التصريحات المتواترة عن تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز، مع فائض للتصدير، وذلك منذ سبتمبر/أيلول 2018، فالسلطة كلها بمن فيها رأسها والحكومة تردد ذلك طيلة السنوات الماضية!
وإذا بدت البيانات الحكومية في جانب منها مسخرة، تغري بالتحرش الإعلامي بها، فقد دخلت لميس الحديدي على خط السخرية منها، لا سيما التصريح الذي ألقى في القلوب الرعب عن استخدام المصاعد الكهربائية والذي يحذر من استخدامها قبل رأس الساعة بعشر دقائق، وبعدها بعشر دقائق، وهو البيان الذي قال عمرو أديب إنه لم يفهمه، واستعان بصديق، هو مسؤول بالكهرباء، لكن لميس كانت مستوعبة لهذا القرار، فسخرت من رأس الساعة!
واستمرت التصريحات المتناقضة، إلى بيان رئيس الحكومة مدبولي، الذي فهم منه أن الأزمة مستمرة، وأنهم يعولون على انتهاء فصل الصيف وقدوم الشتاء، وبدا أسفاً لأن هناك من وصفهم بـ (الزعلانين)، لأن الكهرباء تقطع لثلاث ساعات، ولا يدركون أنه لولا اصلاحاتهم، لكانت الكهرباء لا تعمل في اليوم سوى ثلاث ساعات فقط.
وبالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن الأمة فرداً فرداً، أتقدم بالشكر لأهل الحكم في مصر على هذا الإنجاز الكبير، مع العلم أن الإصلاحات على الشبكة، وبحسب السيسي نفسه، بلغت تكلفتها 1.8 تريليون جنيه، والمعلن في تصريحات أهل الحكم والجوقة الإعلامية، أن زمن انقطاع التيار الكهربائي، الذي كان يحدث في عهد محمد مرسي ولى، إلى غير رجعة، وتساءل الجنرال، هل نسيتم انقطاع الكهرباء؟ وهي الرسالة التي عاد وزاد فيها المسلسل التلفزيوني «الاختيار»، علماً أن عهد مرسي لم يشهد هذا الانقطاع الكبير الحاصل الآن!
الترسانة الإعلامية ملك المتحدة
ما علينا، فانقطاع الكهرباء، والذي يستمر لسبع ساعات في محافظات الصعيد، حسب لميس الحديدي، أنسى الناس أزمة إيمان البحر درويش، لكني لم أنس، فأعاود الدخول على منصات «الشركة المتحدة»، وأمكن لي بهذا الدخول أن أقف على الترسانة الإعلامية التي تملكها، فحتى راديو 9090، انتقلت ملكيته لها، وقال صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام في عهد مرسي، إنه صدر الترخيص له في عهده لصالح جهاز المخابرات. لكنه آل لـ»الشركة المتحدة»، بما يعني أن العملية في بيتها!
بعد خبر التكفل بالعلاج لإيمان البحر درويش، لا جديد، إلا تهنئتين، واحدة بمناسبة ثورة يوليو/تموز 1995 المجيدة، والثانية بمناسبة العام الهجري الجديد، بجانب منشور آخر عن توقيع الشركة المتحدة عقد رعاية الدوري المصري، وهذه إشكالية أخرى، فالثروة الحقيقية للأندية هي في عقود الرعاية والبث المباشر للمباريات، وهو ما استحوذت عليه السلطة عبر شركتها المتحدة، وانطلق البعض عائماً مع العائمين يردد الدعوة لخصخصة الأندية، فلا يجوز لها أن تعتمد على الدولة في تدبير مواردها. والحقيقة إن الدولة هي التي وضعت يدها على موارد الأندية!
لا شيء منذ منشور 11 يوليو/تموز، فلا خبر عن اتصال تم، أو زيارة له في بيته أو في المستشفى، ولا حديث عن إجراءات اتخذت بنقله مثلا إلا واحدة من مستشفيات القوات المسلحة، كما يحدث غالباً، ولا بيان بالحالة الصحية لإيمان البحر درويش، فقد تم الاكتفاء بهذا العرض الحاتمي، فلما انشغل الناس بعيداً عنه، نسيت الشركة المتحدة أنها وعدت بشيء!
لقد أمكن لي خلال هذه المتابعة لموقع الشركة المذكورة، أن طالعت بجانب ترسانتها الإعلامية، إلى التعريف بها «فهي تملك أكثر من 40 شركة رائدة في مختلف المجالات الإعلامية»، واكتشفت أن قناة «الناس» الدينية، قد انتقلت ملكيتها للشركة، وهي التي كانت في فترة من الفترات قناة «الأسرة المصرية»، نظراً لما تقدمه من خطاب ديني، فلم نعد نسمع عنها شيئاً، وهذه قدرة على قتل القنوات، عندما يكون القتل هو هدف الاستحواذ عليها، لكن الشركة تملك أيضاً قناة «القاهرة الإخبارية»، التي مهدوا لها بزفة، ودعاية كبرى، ومع ذلك ولدت ميتة، وكأنها طفل أنابيب قام عليه طبيب اخصائي أنف وأذن وحنجرة!
هل ذهب قرار «الشركة المتحدة» بعلاج إيمان البحر درويش مع الريح؟
إذًا، هل تركوا الفنان ليموت بالبطيء استغلالاً لانشغال الناس بأزمات مع سلطة تخرجنا من أزمة وتدخلنا في أزمة، فلم تفلح في أي ملف، حتى ملف الكهرباء، الذي أثار سخرية لميس، لكن لميس لن تجرؤ أن تقول الآن «مش أد الشيلة ما تشيلش يا دكتور مرسي»، لأنها صارت لدغة في الشين، وانظر كيف اجتمع حرفان شين في كلمة واحدة هي «ما تشيلش»؟!
قلوبنا مع الفنان إيمان البحر درويش!
صحافي من مصر