«أيوب» رائعة نجيب محفوظ واعترافات عُمر الشريف بالفساد

«أيوب» هي القصة الأصعب والأكثر تركيباً في إبداعات الكاتب الكبير نجيب محفوظ الفلسفية فهي تدور حول شخصية البطل المحورية ، رجل الأعمال عبد الحميد السكري الذي بدأ حياته في عالم البزنس من الصفر وتسلق وتواطأ ودلس ودفع من كرامته وإحساسه وشرفه، ضريبة صعوده من القاع إلى القمة.
تلك كانت فلسفة نجيب محفوظ ورؤيته لدنيا التجارة والأعمال في أزمنه معينة، حيث المقايضة على أنبل الأشياء وأهمها قيمة بالمال والشهرة والنجاح، وفي النهاية يبقى ثمن آخر للشخص المغامر، لا بد من أن يدفعه وهو فقدان السعادة وتأنيب الضمير، وعدم الإحساس بالراحة والأمان، في ظل وجود الخصوم والمنافسين الأقوياء كشخصية فاضل، التي جسدها باقتدار الفنان محمود المليجي في الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه، ورمزت إلى رجل القهر الذي ساعد على وصول عبد الحميد السكري إلى مُبتغاه ومهد له طريق النجاح المفروش بالشوك، رغبة منه في إذلاله والسيطرة عليه.
كتب السيناريو والحوار لفيلم «أيوب» الذي أنتج عام 1983 السيناريست محسن زايد، والتزم فيه إلى حد كبير مع بعض التصرف بما صاغه صاحب نوبل من أحداث كان لها وقع مهم على المُشاهد، لأنها انطوت على المعرفة بأصول وطبيعة العالم المادي الشرس، وتضمنت خبرات السنين الطويلة في المعايشة، وفرز البشر واستبيان الصالح والطالح منهم، وعدم الأخذ بالمظاهر الخداعة، فليس الثراء الفاحش، حسب وجهة نظر الكاتب دليلاً على الوجاهة وسلامة الشخصية من الداخل، بل على العكس فهو في كثير من الأحيان يكون غطاءً لندوب وجروح قديمة وتعاسة متوارية ودفينة.

على مستوى الطرح الفني استطاع المخرج هاني لاشين النفاذ إلى العمق في تقديم الشخصيات، لاسيما الشخصيات الرئيسية بدلالاتها ورمزيتها وما تُشير إليه، فـ»عبد الحميد السكري» (عمر الشريف) هو نتاج عصر الانفتاح الاقتصادي الفوضوي وعمليات القرصنة التجارية التي جرت في سبعينيات القرن الماضي، الرجل الذي باع كل غالٍ ونفيس في سبيل الحصول على المال وتكوين الثروة ولم يستفق إلا بعد اعتلال صحته وتعرضه لطعنات في الظهر من غريمه «فاضل بك» (محمود المليجي) أدت إلى إفلاسه وضياع مملكته الاقتصادية التي بناها بالألاعيب والنفاق والممارسات غير الأخلاقية. لذا قرر «عبد الحميد السكري» بعد أن التقى بصديق عمره «جلال أبو السعود» (فؤاد المهندس) الطبيب العصامي ومدير المستشفى الأميري أن يُطهر نفسه من رجز الخطيئة، ليعود كما كان إنساناً بسيطاً فشرع في كتابة مذكراته الخاصة، التي آثر أن تكون صادقه وشفافة بلا أي رتوش، فكتب مُعترفاً بكل دناياه وخطاياه وسقطاته الإنسانية والأخلاقية. وهنا اصطدم بالواقع الذي حال بينه وبين نشر المذكرات، فلم يرض شركاؤه في الجرائم من الانتهازيين والسماسرة وحيتان السوق، على توجهاته الجديدة فأعلنوا عليه الحرب وانضم إليهم زوجته وابنه الوحيد ولم يتبقى معه إلا ابنته وصديقه الوفي وصاحب المطبعة. وبينما تتصاعد الأحداث الدرامية وتصل إلى قمة الاحتداد والمواجهة بين السكري وخصومه نجده على صعيد آخر يتحسن صحياً ويتخلص تدريجياً من حالة الشلل التي أصابته إثر صدمة عصبية، وهنا تتبلور الفكرة الرئيسية التي بُني عليها الفيلم وهي استنهاض الهمة الداخلية للشخص بعد تخلصه من عُقدة الذنب، ورغبته القوية في تعديل مساره بعد الاعتراف الكامل بفساده كأن الاعتراف هو ترياق الشفاء.
لقد أبدع السيناريست محسن زايد في الإمساك بالخطوط الرئيسية للقصة والتعبير عنها بشكل أكثر بساطة من الكتابة المُركبة والمُتضمنة في القصة الأصلية، دون إخلال بالموضوع أو مقاييس التطور الدرامي للشخصيات كما كتبها نجيب محفوظ ، بيد أنه قدم المُعالجة الدرامية بما يُفيد المعنى بطريقة ميسرة يسهل استيعابها واقترابها من ذهنية جمهور السينما. وبالطبع ساعد في تخفيف اللغة الأدبية الخاصة توظيف المخرج هاني لاشين للأدوات الفنية، بما يتوافق مع المزاج العام للمُتلقي، ويُناسب الفروق الفردية لفئات الجمهور، فقد اعتمد المخرج على المؤثرات الإبداعية كالإضاءة والموسيقى والمونتاج والتصوير، لفك رموز الحكاية بأبعادها الإنسانية والنفسية، فلم يعتمد فقط على الحوار كلغة أحادية تفي بغرض التواصل بين المضمون الكلي للفيلم والجمهور كعنصر مُستهدف. وكذلك كان الأداء التمثيلي لعُمر الشريف، درساً بليغاً في فن التقمص والمُعايشة وحالة الصدق اللا مُتناهي في التعبير عن أزمة البطل الصحية والنفسية واستغراقه في مأساة الكذب والتضليل، قبل التغير المُفاجئ بالإصرار على التحول والاعتراف الصريح بالسقوط في براثن الرذيلة، والخوف والخيانة والطمع والترخُص لاكتمال التطهر والعودة إلى جادة الصواب.
كما أبدع محمود المليجي في آخر أدواره كممثل لا يُبارى في الإتقان والإجادة، وظهرت قُدراته جلية وواضحة كمنافس قوي وخطير لعُمر الشريف النجم العالمي ذائع الصيت والشهرة، ولولا إصابته بأزمة قلبية ووفاته قبل انتهاء تصوير مشاهد الفيلم لكان هناك تأثير آخر له أشد قوة وتألقاً.
ويبقى أداء كل من فؤاد المهندس ومديحه يسري علامتان بارزتان في السياق العام للأحداث، رغم أن دوريهما كانا ثانويين وتقليديين إلى حد كبير.
لقد مر نحو أربعون عاماً أو يزيد على إنتاج فيلم «أيوب» لكنه لا يزال عملاً فارقاً ومهماً بمقاييس الماضي والحاضر والمستقبل.

 كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية