أي مصير ينتظر قرى الأطفال فاقدي السند في تونس؟

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-“القدس العربي”: يودع الأطفال فاقدو السند في تونس رسميا في ملاجئ أربعة منتشرة في البلاد تسمى قرى الأطفال، وهي متواجدة في كل من ضاحية قمرت في العاصمة وسليانة في الشمال الغربي والمحرس من ولاية صفاقس جنوب البلاد وأكودة من ولاية سوسة منطقة الساحل. وتبلغ طاقة استيعاب هذه القرى قرابة الـ320 طفلا أي بمعدل 80 طفلا في كل قرية موزعين على عشرة منازل، ولكلّ قرية منها روضة أطفال وناد متنوع الأنشطة.

وترعى هؤلاء الأطفال فاقدي السند منذ تأسيس أول قرية سنة 1984 ما يسمى “الأمهات البديلات” اللواتي تسهر كل واحدة منهن على رعاية ثمانية أطفال في أقصى الحالات. وتمتع بخدمات هذه القرى، التي تتلقى ما بين 60 و80 في المئة من ميزانيتها من الجمعية العالمية لقرى الأطفال، قرابة 1300 طفل وذلك منذ تأسيس أول قرية سنة 1984.

أزمة مالية خانقة

 

تأتي البقية الباقية من ميزانية هذه القرى من الهبات من قبل “أهل البر والإحسان” وهي غير كافية لتغطية الحاجيات المتزايدة للقرى خاصة مع ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة في تونس التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات. وبالتالي فإنه لا مفر من مساعدات الجمعية العالمية لقرى الأطفال التي لا يمكن الاستمرار في تقديم الخدمات ورعاية الأطفال بدونها، باعتبار أن ما تقدمه هو الجزء الأكبر من ميزانية هذه المآوي التي لا غنى عنها في إطار تكريس منظومة متكاملة لحماية الطفولة.

وتتمثل المعضلة في أن الجمعية العالمية لقرى الأطفال، الممول الرئيسي لقرى أطفال البلاد فاقدي السند، تواجه صعوبات مالية كبرى، ووضعت تونس في قائمة الدول التي ستتخلى عن دفع المساهمة المالية المخصصة لقرى أطفالها التي باتت مهددة بالغلق في غياب المال. ولعل النتيجة الحتمية لهذا التخلي هو تشريد هؤلاء الأطفال اليتامى، الذين قست عليهم الحياة بدون إثم ارتكبوه أو خطيئة كانوا سببا فيها، وذلك إذا لم تسارع الدولة في إيجاد الحلول.
ويبدو أن الجمعية العالمية ستتخلى نهائيا عن دعم قرى الأطفال التونسية بحلول سنة 2020 وبالتالي فإن القائمين على القرى الأربع باتوا في سباق مع الزمن لإيجاد التمويلات الكافية لرعاية هؤلاء الأطفال. وأطلقت في هذا الإطار نداءات استغاثة عبر وسائل الإعلام، من قبل المشرفين على هذه القرى للفت نظر الرأي العام الوطني إلى هذه المعضلة الحقيقية التي باتت تؤرق المضاجع.

البحث عن الحلول

 

وتبدو دعوة مفتي الديار التونسية إلى التبرع بزكاة الفطر إلى هذه القرى نتيجة طبيعية للظهور الإعلامي المكثف للقائمين على هذه القرى ولدعواتهم للتونسيين إلى الالتفات إلى دعم هذه الملاجئ. وقد نالت دعوة المفتي استحسان الكثير من التونسيين الذين رأوا فيها فرصة لجمع ما أمكن من دعم مالي لرعاية هؤلاء اليتامى، فيما رأى فيها آخرون تدخلا سافرا من المفتي فيما لا يعنيه وأن كل شخص هو حر في منح زكاة الفطر لمن يشاء دون تدخل من أي جهة دينية.

وتسعى الجمعية التونسية لقرى الأطفال إلى البحث عن حلول تضمن لها الاستقلال المالي عن الجمعية الدولية التي تخلت عنها في نهاية المطاف ولا يوجد حل أمامها غير ذلك. وفي هذا الإطار طرقت عديد الأبواب على غرار وزارة المرأة والأسرة التي وعدت بحل مشاكل هذه القرى. لكن ورغم النوايا الطيبة فإن الوزارة لم تف بوعودها كاملة ما يستدعي ضرورة تدخل رئاسة الحكومة خاصة وأن قرية سليانة في الشمال الغربي قاب قوسين أو أدنى من الإغلاق النهائي وهو ما يطرح التساؤل بشأن مصير هؤلاء الأطفال في بلد يدعي الريادة عربيا وأفريقيا في مجال حقوق الطفل ووضع منظومة تشريعية متكاملة في هذا الإطار أثارت إعجاب المختصين.

ولعل ما يبعث عن الارتياح أن الدولة من جهة ومنظمات المجتمع المدني من جهة أخرى على علم بالموضوع الذي خرج إلى الإطار العام وبات مادة للتداول الإعلامي والسياسي ولم يعد حكرا على المسؤولين عن هذه القرى يثيرونه في مكاتبهم. وتبدو صورة تونس اليوم في الميزان كبلد ديمقراطي يحرص على إشاعة الحقوق والحريات ويقف أمام تحد حقيقي على رأى ومسمع من العالم. فهل تتدخل الدولة وتنهي هذه الأزمة وتعود مجددا إلى توجهاتها الاجتماعية التي بدأت تتخلى عنها في السنوات الأخيرة باتجاه تكريس منظومة ليبرالية رأسمالية، أم أنها ستواصل في هذا النهج الليبرالي مستقيلة من هذا الدور الاجتماعي متخلية عنه لمنظمات المجتمع المدني ذات الصلة التي تبذل جهودا تبقى دون المأمول مقارنة بما يمكن أن تقدمه الدولة؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية