إبراهيم معمّر في «دور الأمم المتحدة تجاه الأقليات: الفلسطينيون داخل الخط الأخضر»: ممارسات إسرائيل حولت فلسطينييّ الداخل إلى قنبلة موقوتة

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يكتسب كتاب صَدرَ منذ عامين عن أوضاع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل (فلسطينيو 48) أهمية خاصة في هذه المرحلة نظراً للدور الفاعل والهام الذي لعبه أبناء هذه الأقلية في الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة التي شارك فيها جميع أبناء فلسطين في وطنهم المحتل دفاعاً عن تدنيس المسجد الأقصى في القدس من قبل حكومة بنيامين نتنياهو وأتباعها من المستوطنين والمتطرفين اليهود بحماية من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، والتي سميت «عملية سيف القدس».
كتاب «دور الأمم المتحدة تجاه الأقليات: الفلسطينيون داخل الخط الأخضر» يقدم دراسة علمية وبحثاً موثقاً وملتزماً عن أوضاع الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين عام 1948 (عام النكبة) وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية ولكن التزامهم في معظمهم، ظل قومياً فلسطينياً في مختلف مراحل الاحتلال الإسرائيلي.
المؤلف إبراهيم معمّر، باحث فلسطيني يحمل شهادة دكتوراه من جامعة القاهرة وهو رئيس «الجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون في فلسطين».
مقاربة الكتاب الأساسية، كما ورد في مقدمته، ان ما تمارسه إسرائيل من انتهاك لحقوق الأقلية الفلسطينية فيها هو نتاج لطبيعة دولة إسرائيل العنصرية ونظامها القائم ولضعف واخفاق منظمة الأمم المتحدة في فرض وتطبيق شرائعها لحقوق الإنسان على ممارسات الدولة العبرية وتحديها للنظام العالمي ولقرارات المنظمة الدولية والمؤسسات التابعة لها.
والسؤال المطروح حالياً، والذي لم يطرحه الكتاب لكونه صَدرَ منذ عامين هو: هل ستستمر منظمة الأمم المتحدة بالخضوع لهيمنة الولايات المتحدة عليها في ظل قيادة أمريكية تقول إن هدفها تطبيق حقوق الإنسان في العالم، أو انها ستظل أسيرة لقادة أمريكيين على شاكلة جورج بوش الأبن ودونالد ترامب ومتغاضية عن ممارسات إسرائيل الوحشية ضد الشعب الفلسطيني؟ وهل سيؤثر ما تحقق في الأسابيع الأخيرة من وحدة وتعاضد لجميع أطياف الشعب الفلسطيني ضد القمع الإسرائيلي وانتهاك الصروح الدينية المقدسة والاستيلاء على الأراضي في توضيح الأمور إلى قيادة أمريكية جديدة في عصر انتهاء الهيمنة الأمريكية الأحادية على القرارات بشأن فلسطين وغيرها وانتقال العالم إلى عالم متعدد في أطراف قيادته وفي رغبات شعوبه وخصوصاً من الأجيال الجديدة؟
في القسم الثالث من الكتاب الذي يشرح بالتفصيل مقاربته الأساسية وعنوانه «الأمم المتحدة والأقلية الفلسطينية في إسرائيل» يؤكد الكاتب ان مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها تعلّقُ نظرياً أهمية خاصة على حماية الأقليات وعدم ممارسة سياسة التمييز العنصري ضدها، كما ركزت المنظمة الدولية على أهمية حماية الأماكن الدينية غير اليهودية في فلسطين وصونها من الأضرار والتعديات وعدم التعرض لميزانياتها وأراضيها وممتلكاتها، ولكن فعلياً عكسُ ذلك هو ما حدث ويحدث في القدس، إذ ان الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية تتعرض لمثل هذه الاعتداءات من إسرائيل ومستوطنيها وعمليات تحويل طبيعتها وتغيير معالمها وهويتها مستمرة حتى تحول بعض أحيائها إلى حانات ومخازن (ص 196 و204).


ويؤكد معمّر ان توقيع إسرائيل على بعض الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان والتمييز العنصري ترفقه الدولة العبرية باستثناءات هامة وأساسية (بدعم من عرابتها الولايات المتحدة). فقد تحفظت إسرائيل على المادة الثانية والعشرين حول العودة إلى القضاء الدولي لدى ممارسة جميع أشكال التمييز العنصري لأن هذه المادة تتيح لأي طرف بين موقعيها بالاتجاه نحو «محكمة العدل الدولية» للفصل فيه، ولكن (حسب الكاتب) تحفظات إسرائيل على عدد من المواد الواردة في الاتفاقيات لا يعفيها من تحمل مسؤولياتها تجاه حقوق الأقلية الفلسطينية فيها. (ص 214 و216).
وقد أوصت لجان الأمم المتحدة ومقرريها في شأن إسرائيل عن قلقهما الكبير إزاء استمرار التمييز بين اليهود والفلسطينيين العرب في شتى المجالات في الدولة العبرية واستمرار ممارسات هدم البيوت ومنع الفلسطينيين من السكن في مناطق أكثريتها من اليهود وعدم إلغاء قانون المواطنة العنصري وقوانين الدخول والخروج من إسرائيل للسكان الفلسطينيين العرب وقوانين الجنسية المعطاة ليهود العالم لدى دخولهم الكيان وحرمان أبناء فلسطين من العودة إلى وطنهم، ولكن إسرائيل تجاهلت تلك التوصيات، كما قاطعت جلسة «مجلس حقوق الإنسان» التي كانت مقررة في 29 كانون الثاني (يناير) عام 2013 احتجاجاً على إعلان المجلس عزمه التحقيق في المستوطنات الإسرائيلية ومدى انتهاكها حقوق الفلسطينيين. وشنّ بنيامين نتنياهو كرئيس حكومة آنذاك هجوماً لاذعاً على «مجلس حقوق الإنسان» معتبراً ان فيه أغلبية متحاملة ضد إسرائيل. كما منعت إسرائيل مقررين من هذا المجلس من دخول إسرائيل للتحقيق في هذا الأمر وغيره، جون دوغارد وريتشارد فولك. (ص 223)
وذكرَ بشار الجعفري، مبعوث سوريا إلى الأمم المتحدة (وهو حالياً نائب وزير خارجية بلده) مؤخراً في مقابلة تلفزيونية ان نصف أعضاء مجلس الأمن ينتمون إلى دول تابعة إلى «حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ويتأثرون بقرارات واشنطن حول إسرائيل ولولا حقّ الصين وروسيا بالفيتو (حق الاعتراض) لأصبحت القرارات التعسفية ضد الشعب الفلسطيني والأقلية الفلسطينية في إسرائيل والقدس قرارات شرعية. وقد حاول الرئيسان الأمريكيان جورج بوش الابن ودونالد ترامب تبديل طريقة عمل مجلس الأمن وطبيعة التصويت فيه لصالح قراراتهما المجحفة، ولم ينجحا حتى الساعة.
ويقول الكاتب معمّر انه بعد حوادث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وبعدها الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق (عام 2003) تراجَعَ اعتماد أمريكا والدول الغربية على مؤسسات تقليدية مثل الأمم المتحدة، التي اعتبرتها الولايات المتحدة «غير ملائمة للمرحلة الراهنة» آنذاك. واقترح بوش الأبن (كما اقترح ترامب من بعده) تغيير دور الأمم المتحدة وطريقتها في ممارسة مهماتها وخصوصاً الضابطة لإنفلات بعض الدول في ممارسة القمع ومن ضمنها إسرائيل.
ويؤكد معمّر انه «لم يحدث في تاريخ الأمم المتحدة، أن طبقت قرارات متعلقة بعقوبات ضد إسرائيل التي لا تزال تنتهك القانون الدولي منذ ستة عقود مما يدل على عجز المنظمة الدولية عن حماية حقوق الإنسان لفلسطينيي إسرائيل وللفلسطينيين عموماً في ظل الانحياز الأمريكي لها. (ص 227). ويضيف: «ان الدول النامية ودول عدم الانحياز ما عادت قادرة على حشد ثلثي أصوات الجمعية العامة للمنظمة الدولية لمناصرة قضايا فلسطين وخصوصاً بعد انتقال عدد من دول أوروبا الشرقية من التحالف مع الاتحاد السوفييتي إلى التبعية للولايات المتحدة وأوروبا الغربية (المعسكر الغربي). فحتى قانون موازاة الصهيونية بالعنصرية تم التراجع عنه في عام 1991 بعد تصويت دول كانت قيادية في حركة عدم الانحياز ضده كالهند ويوغسلافيا وكتلة دول أوروبا الشرقية، فأصبحت مصداقية المنظمة الدولية في الشأن الفلسطيني على المحك». (ص 228).
والسؤال الآن: هل سيستمر هذا الوضع أو ان الأمم المتحدة وأمريكا بقيادة الحزب الديمقراطي ستنجح في الضغط على إسرائيل كما ضغطت في الماضي على دول جنوب أفريقيا العنصرية وساهمت في تبديل نظامها العنصري المعتدي على حقوق الإنسان؟
ويشير معمّر إلى ان إسرائيل، ومنذ نكبة 1948 سعت إلى تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني على أرضه وحاولت ابقاءه في كيانات متباعدة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، بعد أن كان جسماً واحداً متراصاً على أرض فلسطين، وتم التخطيط لذلك مسبقاً وبدعم سياسي ومالي وعسكري من الخارج امتد على مدى قرن. (ص 109 وص 160). ولكن بالنظر لما حدث مؤخراً في فلسطين، فإن هذا المشروع بدأ في الانهيار وبدأت وحدة الفلسطينيين بالعودة. فماذا ستفعل إسرائيل لإحباط ذلك؟ هذا سؤال يُطرح حالياً ومعه سؤال آخر: هل إسرائيل ستكون قادرة على مثل هذا الإحباط؟
لقد قسمت إسرائيل الفلسطينيين على أرضهم قسراً وبالقوة في الماضي وحولتهم إلى أقليات، ولكن ثورة الأقصى الأخيرة «سيف القدس» التي شارك فيها فلسطينيو 1948 بددت آمال إسرائيل. فهل ستعود الدولة العبرية إلى ممارسة القمع والوحشية ضد هؤلاء الثوار كما فعلت عام الألفين بعد انتفاضة الأقصى، وقتلت 13 متظاهراً من فلسطينيي 48 ولم يُحاسب الجنود الإسرائيليون الذين قتلوهم محاسبة فاعلة؟ هذا سؤال يطرحه كثيرون. يقول المؤلف «إن خروج أبناء الأقلية الفلسطينية في إسرائيل في 28 أيلول (سبتمبر) من عام الألفين بتظاهرات عمّت المدن والقرى الفلسطينية وباضراب شامل (كما فعلوا في الأسابيع الأخيرة) أدى إلى استخدام الشرطة الإسرائيلية العنف المفرط ضدهم لقمع التظاهرات، فقتلت 13 فلسطينيا وأوقعت عدداً من الجرحى. وصُدِمَ آنذاك أبناء الأقلية العربية لتعامل الدولة معهم وكأنهم ليسوا مواطنين». (ص 143).
كما ان «النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي لم يكن متاحاً لهم يوماً ان يكونوا شركاء في مؤسسات وضع القرار من جانب المؤسسات التنفيذية العليا في الدولة، بل على العكس مورست عليهم قيود منعتهم من إفشال إقرار أي قانون عنصري ضد الفلسطينيين في البرلمان، كما اتُخذت قرارات قضائية ضد بعضهم دفعتهم إلى الاستقالة وترك الكنيست وذلك لمشاركتهم في مناسبات مؤيدة لحقوق الفلسطينيين خصوصاً في العقد الأول من الألفية الثانية كعزمي بشارة وحنين الزعبي وسعيد نفاع ومحمد بركة. (ص 154).
وبعد كل هذه الممارسات الإسرائيلية القمعية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ضد الأقلية الفلسطينية في الكيان الغاصب واعتبار أبنائها وقادتها «قنبلة موقوتة» من زعماء إسرائيل تحولت هذه الأقلية بالفعل إلى قنبلة موقوتة متحالفة بفعالية أكبر مع قيادات فلسطين المقاومة الأخرى تحت مظلة الشعب الفلسطيني الموحد.

الدكتور إبراهيم معمّر: «دور الأمم المتحدة تجاه الأقليات- الفلسطينيون داخل الخط الأخضر»
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة  2019
259 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية