إجراءات صارمة في البلدان المغاربية لمواجهة وباء “كورونا”

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-“القدس العربي”: 240 سرير إنعاش فقط في المستشفيات العمومية التونسية. هذا الرقم كان كافيا ليثير الهلع لدى الناس وهو الرقم الأكثر تداولا على ألسنة العديدين طوال الأيام الماضية ومنذ بدء أزمة كورونا، خاصة أمام الكارثة الإنسانية والصحية التي حلت بإيطاليا وعديد الدول الأوروبية والغربية المتقدمة والمتطورة صحيا واجتماعيا واقتصاديا، ورغم ذلك وقفت عاجزة عن إيقاف هذا المد الكوروني غير المتوقع وعن استيعاب أعداد المرضى والمصابين ما رفع من حصيلة الضحايا حول العالم.

ولعل المشاهد المأساوية التي تأتي من إيطاليا واسبانيا، وهي الأقرب جغرافيا لبلدان المغرب العربي، كانت كفيلة لتطرح ألف سؤال لدى الكثيرين، فكيف سيكون حال البلدان المغاربية إذا ما وصلت للسيناريو الإيطالي، مع تزايد حالات الإصابات يوميا بمعدل إصابتين أو ثلاث في بداية انتشار الوباء إلى عشر حالات في يوم واحد أعلن عنها خلال الأيام الماضية في تونس وحدها، عدا عن الإصابات المسجلة والمتصاعدة في الجزائر والمغرب، ما يضع المنطقة أمام كل الاحتمالات في مواجهة هذا العدو الخفي؟

وعلى غرار سائر بلدان العالم، والجوار الأوروبي، تمّ تسجيل إصابات بفيروس كورونا في بلدان المغرب العربي الثلاثة، تونس والجزائر وّتم الحديث عن تسجيل أكثر من إصابة في موريتانيا تتعلق بمواطن أجنبي. وحسب ما هو معلن لم تسجل أي إصابة في ليبيا، رغم تشكيك البعض، سواء في الغرب حيث حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج أو في الشرق حيث برلمان طبرق، ولا في مخيمات الصحراويين في محيط مدينة تندوف جنوب غرب الجزائر ولا في الأراضي التي تسيطر عليها البوليساريو في الصحراء الغربية.

التحدي الصعب

لقد وضع وباء كورونا السلطات التونسية أمام امتحان صعب، فحكومة الفخفاخ التي لم يمض أكثر من شهر على توليها مهامها وجدت نفسها تقاوم إحدى أصعب الكوارث الصحية والإنسانية التي لم يشهد تاريخنا الحديث مثيلا لها. وهو ما يرفع من حجم التحديات أمامه في بلد يعاني أصلا من أزمات وصعوبات سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد لجأت تونس إلى اتخاذ احتياطات استباقية رغم عدم وصولها رسميا إلى هذه الدرجة واقتصار المصابين إلى قرابة الـ 39 أو يزيدون، نصفهم قدموا من خارج حدود الوطن. ومن القرارات التي تم اتخاذها في البداية إغلاق المقاهي والمطاعم والملاهي بداية من الساعة الرابعة مساء وتعليق أداء صلاة الجماعة بما في ذلك صلاة الجمعة وغلق الحدود البحرية بصفة كلية، والجوية بصفة كلية مع إيطاليا، مع الإبقاء على رحلة وحيدة يوميا نحو فرنسا وأخرى أسبوعية باتجاه مصر وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا.

وتقرر أيضا خوض المباريات الرياضية من دون جمهور وإغلاق جميع رياض الأطفال والمدارس الخاصة والأجنبية إلى غاية 28 اذار/مارس مع إمكانية التمديد بعد العطلة. كما تقرر إلغاء كل التظاهرات العلمية والثقافية والمعارض.

وزادت تونس من إجراءاتها الحمائية فأعلن رئيس الجمهورية أمس حظرا صحيا تاما يشرف على تطبيقه الجيش والشرطة في دوريات مشتركة.

انعكاسات

هذه القرارات ولئن كانت حلا حاسما للبعض إلا أن البعض الآخر اعتبرها غير عملية خاصة للفئات الهشة الضعيفة والفقراء من ذوي الدخل المحدود والذين يقتاتون من العمل اليومي. لذلك أطلقت دعوات ومبادرات من قبل المجتمع المدني وكبار رجال الأعمال للدخول في حملة تبرع من أجل مساندة البلاد في مواجهتها هذا الوباء. ولقيت تفاعلا لدى الكثيرين من رجال أعمال ومشاهير ونجوم ولاعبي كرة قدم قاموا بالتبرع من أجل تجهيز المستشفيات العمومية في تونس.

في هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي التونسي معز الجودي لـ”القدس العربي” أن انتشار فيروس كورونا أّثرّ بشكل سلبي على الاقتصاد التونسي الذي يشهد حالة ركود مع ضعف الاستثمارات ونسبة النمو. وقال إن غلق الحدود البرية والبحرية والجوية سيؤثر مباشرة على الاقتصاد التونسي الذي يعتمد بشكل كبير على التبادل التجاري مع الخارج. وأضاف أن الأزمة ستترك تداعيات على كل ما يتعلق بالمعاملات البنكية. وأن الظرف يتطلب أن تأخذ الحكومة التونسية قرارات هامة خاصة لفائدة الشرائح الهشة التي تتحصل على قوتها من العمل اليومي. وكذلك اتخاذ قرارات عاجلة لدعم المؤسسات الاقتصادية مثل إرجاء دفع الضرائب وغيرها من الإجراءات الاستثنائية.

أما المحلل والباحث الاجتماعي هشام الحاجي فقال لـ “القدس العربي” إن تونس اختارت منذ انتشار وباء كورونا تماشيا تدرجيا وذلك في إطار الاستجابة للبروتوكول الذي وضعته المنظمة العالمية للصحة وقد أثبتت هذه الاستراتيجية لحد الآن جدواها بالنظر إلى محدودية عدد الذين وقع الإعلان عن إصابتهم بالوباء. وإذا كان الجهد الذي تم بذله لحد الآن في إطار وزارة الصحة يبقى مشكورا ومحمودا فإن تطور انتشار الوباء في دول الجوار والخوف من الإمكانيات المحدودة للبلاد خاصة في مستوى التجهيزات الصحية، يدفع لضرورة التوجه نحو فرض إجراءات أكثر صرامة خاصة أن التونسيين الذين فرض عليهم الحجر الصحي لم يحترموا هذا الإجراء بالنسبة لأغلبهم وهو ما يفرض عدم المراهنة كثيرا على ما اعتبرته الحكومة “وعي المواطن”. أما عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية يضيف بالقول: “الأكيد أن وباء كورونا سيترك آثارا اقتصادية سلبية للغاية على تونس لأنه سيشل قطاعات استراتيجية في الاقتصاد كالسياحة والنقل والخدمات وسيؤثر على الصادرات، علاوة على أن النسيج الاقتصادي يقوم على مؤسسات صغرى ومتوسطة، وهو ما يعني أنها مؤسسات هشة يمكن أن تتلاشى في هذا الظرف”. وأشار إلى ان فيروس كورونا سيرفع بالضرورة نسب البطالة وسيصيب الاقتصاد بحالة ركود قد تطول.

كورونا والحراك الجزائري

أما في الجزائر، فيبدو جليا أن فيروس كورونا أثّر بشكل مباشر على الاحتجاجات ضد السلطة التي لم تتوقف منذ العام الماضي. فقد حظرت الدولة رسميا الاحتجاجات والتجمعات، منهية حراك الشارع الذي أطاح بالرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة والذي تواصل رغم انتهاء المرحلة الانتقالية وانتخاب الرئيس الجديد عبد المجيد تبون. وهو ما جعل البعض يؤكد على أن الرئيس ومحيطه كانوا أبرز المستفيدين، فمن جهة تمّ الحد بهذا الإجراء من سرعة انتشار الفيروس ومن جهة أخرى تمّ التخلص من عبء الحراك الذي كان يقضّ المضاجع.

والحقيقة أن تطور الأمور في الجزائر واقتراب عدد الأشخاص المصابين من الثمانين، بالإضافة إلى الوفيات المسجلة، جعل الدولة تتصرف ببعض الصرامة لكن أيضا ببعض التأخير مقارنة بالجارتين تونس والمغرب. وتم في هذا الإطار تعليق الرحلات الجوية والبحرية مع فرنسا رغم وجود جالية جزائرية كبيرة في بلد فولتير يمكن أن تتضرر من هذا التعليق المفاجئ بعد أن تفشى المرض في جنوب القارة العجوز.

وتعاني الجزائر كما جارتها تونس من آفة تخزين المواطنين للسلع في بيوتهم وخلو رفوف المحلات والفضاءات التجارية الكبرى من هذه السلع وهو ما جعل وزارة التجارة تؤكد كما في تونس على وجود الغذاء بكميات كافية وأنه لا فائدة من اللهفة وتحويل البيوت إلى مخازن. كما يعاني الجزائريون هذه الأيام من ندرة أدوات التعقيم والأقنعة الواقية من الفيروس بعد أن عمد البعض من المضاربين والمحتكرين إلى تخزينها وبيعها في أماكن محددة وبأسعار مرتفعة وهو ما حصل أيضا في تونس.

ويبدو أن المنفذين البريين الرابطين بين مدينة تندوف الجزائرية ومخيمات اللاجئين الصحراويين سيتم غلقهما وذلك في إطار غلق الجزائر لمعابرها الحدودية، رغم أن هذه المخيمات التي تحاذي الأراضي الخاضعة للبوليساريو في الصحراء الغربية، تقع ضمن الأراضي الجزائرية. ويشار إلى أنه لم تسجل أي إصابة في صفوف سكان هذه المخيمات التي يديرها البوليساريو، وقد اشتبه منذ أيام في أحد الصحراويين العائدين من إسبانيا وتم وضعه في الحجر الصحي ليثبت لاحقا التحليل سلامته، وبذلك تكون مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف الجزائرية كما المناطق الخاضعة للبوليساريو في الصحراء الغربية خالية تماما من أي إصابة بوباء كورونا.

إجراءات وقائية

ويجابه المغرب كما جيرانه في الدول المغاربية هذا الفيروس من خلال وقف كل الأحداث الرياضية والثقافية وإغلاق جميع المساجد والمدارس والحدود إضافة إلى جمع مبالغ مالية هامة في إطار صندوق لمقاومة هذ الآفة. واقترب المغرب من تسجيل ستين إصابة بهذا الفيروس أغلبهم من الوافدين على أراضي المملكة من بلدان أوروبا المتوسطية التي تمكن منها المرض.

وفي موريتانيا أيضا توقفت الأنشطة الثقافية والفنية على مستوى البلاد للحد من انتشار فيروس كورونا وذلك بعد أن سجلت أول حالة إصابة لنمساوي يعمل في شركة محلية وصل نواكشوط قادما من بلاده. كما سجلت في البلاد حالة أخرى أصابت الموريتانيين بالقلق من أن تخرج الأمور عن السيطرة ويحصل ما لا يحمد عقباه خاصة والبلد يفتقد إلى بنية تحتية صحية قادرة على مجابهة هذه الكارثة.

وفي ليبيا قامت السلطات غربا وشرقا في اتخاذ إجراءات وقائية تمثلت في إغلاق المنافذ البرية والجوية واخضاع المواطنين العائدين من الخارج إلى فحوصات طبية من خلال فرق عمل طبية تتواجد في المنافذ الحدودية ومطاري بنينا ببنغازي، ومصراتة،  وإقفال المدارس وحضر التجمعات والتقليل من الحراك وفرض حضر التجوال من السادسة صباحا إلى السادسة مساء. ولم تسجل إلى حد الآن أي إصابة بالفيروس في كامل البلاد بأقاليمها الثلاثة برقة وطرابلس وفزان.

ويزيد هذا الوباء المخاوف من تدهور الوضع في هذا البلد الذي يشهد حربا بلا توقف، وهذا ما دفع الأمم المتحدة إلى حثّ الليبيين على وقف القتال والتصدي لفيروس كورونا. كما دعا سفراء الجزائر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وبعثة الاتحاد الأوروبي وتونس إلى “إعلان وقف فوري وإنساني للقتال”. وقد رحبت حكومة الوفاق الليبية بالدعوات الدولية للوقف الإنساني للأعمال العدائية. وفي محاولة لطمأنة الشارع الليبي أكدت حكومة الوفاق أن البلاد تملك مخزونًا جيدًا من السلع، في ظل الإجراءات المتخذة لمواجهة فيروس كورونا.

واليوم تبدو شعوب المنطقة بين مطرقة الخوف من كورونا وبين سندان هاجس الحظر التام للتجوال مع ما يمكن ان يستتبعه من عدم قدرة المواطن على تأمين احتياجاته اليومية من غذاء ودواء وغيره.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية