وزير خارجية لبنان عبد الله بوحبيب
بيروت-“القدس العربي”: لم يمر بيان وزارة الخارجية اللبنانية الذي صدر قبل ساعات حول الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية مرور الكرام لدى محور الممانعة في لبنان الذي استهجن أفرقاؤه ما وصفوه “العبقرية” اللبنانية التي “تفتّقت وعكست نقصاً فادحاً في فهم التوازنات العالمية، وقصوراً ينمّ عن غباء في التعامل مع صراعات العالم”، في وقت نظر أفرقاء آخرون إلى البيان على أنه موقف أخلاقي ومحترم لدولة صغيرة عرفت معنى الغزو والعدوان الخارجي من إسرائيل ومن سوريا.
وجاء في بيان الخارجية اللبنانية أنه “انطلاقاً من تمسك لبنان بالمبادئ الراسخة والناظمة للشرعية الدولية التي ترعى الأمن والسلم الدوليين، وفي طليعتها مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وأمن حدودها، وإيماناً منه بوجوب حل كافة النزاعات التي قد تنشأ بين الدول بالوسائل السلمية، أي عبر التفاوض، ومن خلال آليات الوساطة التي يلحظها القانون الدولي الذي ينبغي أن يبقى الملاذ الأوحد للدول تحت مظلة الأمم المتحدة، ونظراً لما شهده تاريخ لبنان الحديث من اجتياحات عسكرية لأراضيه ألحقت به وبشعبه أفدح الخسائر التي امتد أثرها البالغ لسنوات طويلة على استقراره وازدهاره، فإن لبنان يدين اجتياح الأراضي الأوكرانية، ويدعو روسيا إلى وقف العمليات العسكرية فوراً وسحب قواتها منها والعودة إلى منطق الحوار والتفاوض كوسيلة أمثل لحل النزاع القائم بما يحفظ سيادة وأمن وهواجس الطرفين ويسهم في تجنيب شعبي البلدين والقارة الأوروبية والعالم مآسي الحروب ولوعتها”.
أي سياسة خارجية؟
وتنصّلت أوساط عين التينة من بيان وزارة الخارجية، وأوضحت أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يكن في جوّ هذا البيان ولم يطلع عليه قبل صدوره. وانتقد عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب إبراهيم الموسوي البيان، ولاحظ أنهم “ينأون بأنفسهم ويدَّعون الحياد حيث يشاؤون، ويتدخلون ويدينون أيضاً حيث يشاؤون، أمر عجيب غريب”. وسأل “أي سياسة خارجية يتبعها لبنان، وأين مصلحة لبنان في ذلك؟ تفضّل وزير خارجيتنا عبد الله بوحبيب، وأوضح لنا الأمر”.
واستغرب وزير العمل مصطفى بيرم صدور بيان “مخالف لمبدأ الحياد الذي أعلنته الحكومة اللبنانية فضلاً عن عدم التشاور في ذلك وتحميل لبنان تبعات الدخول في مثل هذه النزاعات ذات الأبعاد الخطيرة”.
وغرّد رئيس الحزب “الديمقراطي اللبناني” طلال أرسلان عبر حسابه على “تويتر” كاتباً: “حين نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية ونعتبر ذلك خرقاً لسيادة وطننا، علينا التزام عدم التدخل في شؤون الآخرين والدول”. وأضاف: “بيان الخارجية اللبنانية لا يعبّر عن موقف لبنان الذي يعتزّ بالعلاقات التاريخية مع روسيا الاتحادية، الأجدى بنا التفرّغ لمشاكلنا وأزماتنا والعمل على معالجتها”.
واستغرب رئيس حزب التوحيد وئام وهاب بيان الخارجية، ولفت إلى أن “روسيا وقفت باستمرار إلى جانب لبنان والموقف اللبناني ينافق للغرب دون مقابل”، وأضاف “أوقفوا البيع لن يشتريكم أحد”.
واستهجن حلفاء آخرون لسوريا التي استفاد نظامها من التدخل الروسي كيف يتجاوز الموقف اللبناني ما صدر عن دول عربية ذات وزن اكتفت بالدعوة إلى ضبط النفس من دون أن يصل موقفها حد الإدانة. ورأوا أن القيّمين على وزارة الخارجية تجاهلوا أدنى معايير المصلحة التي تحكم العلاقات الدولية، ووجود آلاف الطلاب ورجال الأعمال والاستثمارات اللبنانية الضخمة في روسيا. ولم يفصل البعض بين صدور البيان وبين رغبة العهد ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في تقديم عروض للإدارة الأمريكية من أجل رفع العقوبات عن باسيل بعدما تردّد عن لقاء في برلين بين الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين وكل من باسيل والنائب سيزار أبي خليل حيث تمّ التداول بمقايضة بين التراجع عن المطالبة بالخط 29 في موضوع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل مقابل العمل لرفع العقوبات الأمريكية عن رئيس التيار.
وذكرت صحيفة “الأخبار” القريبة من حزب الله “أن بيان الخارجية تسبّب بحرج شديد لسفير لبنان لدى موسكو شوقي بونصار، إذ صودف إصداره مع حضور بونصار لقاءً في دار السفير المصري بمناسبة صدور كتاب عن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، وبحضور الأخير وحشد من السفراء العرب. وقد بادر بوغدانوف السفير اللبناني بالسؤال: “هل استشاروا سعادة السفير بالبيان قبل صدوره؟ وهل يعقل أن يصدر بيان كهذا من دون علم رئيسَي الجمهورية والحكومة؟”، وسأل “ألم يكن وزير الخارجية اللبناني هنا منذ فترة قريبة يطلب مساعدة موسكو في حل مشاكل لبنان الداخلية؟”.
في المقابل، زار سفيرا فرنسا وألمانيا لدى لبنان آن غريو وأندرياس كيندل وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب لشكر لبنان على البيان حول الأزمة الأوكرانية- الروسية وتمنيا استمرار لبنان على موقفه هذا، وطلبا مشاركة لبنان في تبني القرار المقدّم أمام مجلس الأمن حول الأزمة والتصويت عليه في الجمعية العامة لاحقاً.
توضيح بو حبيب
وأبلغ بوحبيب السفيرين أن “موقف لبنان ثابت ونابع من حرصه بالالتزام بمبادئ الشرعية الدولية والقانون الدولي التي تشكل الضمانة الأساسية لحماية السلم والانتظام الدوليين وسلامة أراضي الدول الصغيرة، خصوصاً وأن لبنان عانى الأمرّين من الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته المستمرة حتى اليوم”. كما أبلغ الوزير السفيرين الألماني والفرنسي “امتناع لبنان عن المشاركة في تبني القرار المقدم أمام مجلس الأمن وأنه سيتم دراسة الموقف اللبناني لناحية التصويت في حال إحالة القرار على الجمعية العامة بالتشاور مع المجموعة العربية”.
وفي هذا السياق، أضاف بوحبيب أن “الموقف اللبناني ليس موجهاً ضد روسيا الاتحادية أو أي دولة أخرى صديقة، وإنما موقف مبدئي وراسخ اتخذه وسيتخذه لبنان في كلّ أزمة مشابهة”. وأشار إلى أنه التقى بالأمس سفير روسيا الاتحادية لدى لبنان وأعرب له عن أسفه، وأن لبنان بصدد إصدار بيان إدانة للعملية العسكرية الروسية وأن “هذا الموقف غير موجّه ضدّ دولته ولا نرغب أن يؤثر على العلاقة الثنائية الوطيدة”.
وتمحورت اجتماعات الوزير بو حبيب بكل من سفراء أوكرانيا وبولندا ورومانيا وفرنسا وألمانيا حول البحث بموضوع مناقشة احتمال إجلاء اللبنانيين من أوكرانيا، وفقاً لتطور الأوضاع الأمنية.
من جهته، ردّ رئيس التيار النائب باسيل على من يربط بين طلب رفع العقوبات والتنازل في موضوع الترسيم وبيان الخارجية اللبنانية من أحداث أوكرانيا، فقال “حرّضتوا قبل على العقوبات واليوم على الحدود. شو سهلة عندكم المقايضة، لأنّكم قايضتوا استقلالكم على مواقعكم. يا أذكياء، أنا لو بدي اعمل مقايضة على العقوبات، كنت عملتها قبل ما آخدها، مش بعد… قبل. كنت قبضت ثمن عالي مقابل عدم وضعها. بعد، بدّي أدفع ثمن غالي لرفعها. أنا مش غبي ولا عميل متلكم!”.
تجدر الإشارة إلى أن مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الروسية أمل أبو زيد، رأى “أن وزارة الخارجية لم تكن مضطرة لإصدار مثل هذا البيان حول روسيا وكان الأفضل الالتزام بالنأي بالنفس”. وأعلن أن “الخارجية الروسية عاتبة على موقف لبنان”، موضحاً أنه “سيتوجّه إلى موسكو لعقد اجتماع في الخارجية الروسية كما سيلتقي السفير الروسي في بيروت”.