إدوارد سعيد أحد أبرز نماذجها: الكتابة وعبور المسافات الطويلة

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

في الحديث عن الكتابة لا ينبغي علينا نسيان مفهومها الثَقَلي، بوصفها وزناً، وهذا الوزن مقنَّن وضمن علاقات، لحظة ربطها بعِلمها «الغراماتولوجيا». سوى أن الكتابة هذه مأخوذة بعلامة فارقة متاخمة للأصل اللغوي لها، وهي المسافة، أي ما يثبتها في المكان، ويسهم في انتقالها من مكان إلى آخر، استناداً إلى حمولتها المعرفية.
إن حديثنا عن «عمق النص: عموديته، ورحابة النص وحتى فضائيته: أفقيته» مستقىً من خاصية كمّية تُرافَق معها نوعيتها. فالزمان والمكان في أصل الكلام والكتابة بالمقابل. إن سرعة البداهة، وبلاغة القول، حيث يكون الإبلاغ، وما يرمي إليه قول ما، ويصبو إليه فكر ما، وتستهدفه مقولة ما… إنما تستدعي المسافة، أو تسمّيها ضمناً في الصميم.
إن فكراً يتحرك في مسار واحد، أو في مسارات متعددة، أو ما يُشدد عليه في البوليفونية (تعددية الأصوات) بالمفهوم الباختيني، إنما هو مكاني- زماني في آن. والكتابة هي الجامعة بين مفهوميّ الكم والكيف، حيث الكلمات لا تكتسب هوية حضور وامتداد في الزمان فقط، وإنما القوة المتجددة فيها، والرؤية الاستشرافية فيها كذلك. ربما بالطريقة هذه، يتفاوت الكتّاب، حيث يمكن النظر إليهم من خلال مفهوم المسافة، وما يقتطعه نص كل منهم من اعتبار ثقافي، فكري، ونقدي، ويقطع به مسافة تشدُّه إلى الآتي.
في سباقات المسافات الطويلة، وتشعباتها، بمسالكها وممراتها المختلفة، وهو المفهوم الذي أردت استثماره هنا، تكون الكتابة النوعية معزَّزة بمحتواها.
من هم الكتّاب الذين يودِعون في كتاباتهم تصورات، مآثر ثقافية، قيماً جمالية، تؤمّن على حياتهم الرزية تالياً؟
أزعم أن عبارة «المسافات الطويلة» هي رهان كل كاتب، ومدى حضور أثره في البقاء. ذلك ما يمكن ملاحظته في عالم اليوم، حيث التنافس على أشده، جهة ابتكار المفاهيم، أو التنويع في المفهوم الواحد، والبحث عن ضروب إبداع جديدة، وحتى إحداث تغيير في بنية اللغة جهة المثار في نصوصها.
سأتوقف عند مثال، أجده جديراً بالتثبيت في الحالة هذه. من هو الكاتب الذي استطاع عبور المتوسط، أو الأطلسي، إلى عالم المناهج المستحدثة غربياً، ولعبة القوى، بكل استتباعاتها الفكرية والسياسية والنقدية، وتمكَّن من تكوين صورة شخصية مفهومية له، تخرجه عن كونه تابعاً، أو مستهلكاً لتلك الثقافة، وأمكنه ذلك أن يحقق بلسانها العبورَ المعاكس للمتوسط، أو الأطلسي، والانتقال إلى حاضنة لغته التي ينتمي إليها أصلاً، حيث يشار إليه بالبنان؟
ما أقل هؤلاء الكتاب واقعاً. سوى أنني أجد في المنظومة الفكرية والبحثية للمفكر والناقد العربي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935- 2003) العلامة الفكرية والثقافية والنقدية الأكثر حضوراً بوجهها الثقافي.
إن حديثه عمّن يكون، في مقدمة «الثقافة والإمبريالية»، يضيء قامته المأخوذة بالمختلف الفاعل!
وذلك ما يمكن متابعته، والنظر في عالمه الكتابي، لمعرفة تلك المسافات الطويلة التي قطعها. أي كيف أنه خرج من حيث كان: فلسطين، مصر، أمريكا، ليكون اسمه مأخوذاً به وسط الزحام الفكري والنقدي في امبراطورية القوة والصراعات الفكرية، ليكون للسانه بتعددية لغاته، إنما عبر لغة منظومة القوة هناك، ذلك التجلي، كما هو مشار إليه، أي قفزته إلى نطاق «المسافات الطويلة» والأخذ منه هناك وهنا.
ادوارد سعيد نموذج المثقف الجمعي المركَّب، المتعدد الاتجاهات. إذ في مقدور أي كان الاختلاف معه، أو مخاصمته، أو الاستثارة من خلال كتابته، سوى أن فضيلة واحدة قائمة هنا، وهي أنه من المستحيل بمكان تجاهله كمفكر، أو كمثقف متعدد المسارات، وأنه من جهة الثقافة مكتبة متنقلة، كما تقول قائمة كتاباته، وتلك الأسماء الثقافية والأدبية التي تتقاسم جغرافيتها البحثية «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية». إن الميزة الكبرى لكتابته هي أنه ضمن عبور المسافات الطويلة، وهو يقرّأ بلغات شتى، وهي حالة ندرة لمثقف عربي، يحتفى به، أو يهتم بأمره (غربياً) ويكون مرجعاً، ومثيراً لنقاشات ساخنة من وراء البحار، وفي الضفة الأخرى من المتوسط. وهو الذي تكلم بلغة أولئك، وحاورهم، وناقشهم في عقر دارهم، ولم يجدوا بداً من الاعتراف به، كما هي اللائحة الكبرى من المقالات والدراسات والنقاشات التي تتركز عليه، وليس من خلال ثقافة ما بعد الاستعمار وحدها، فمساحة كتاباته، تتعدى هذا التأطير الثقافي المسيس، بدءاً من أطروحته عن جوزيف كونراد، وتناوله للاستشراق، و«تغطية الإسلام»، و«قضية فلسطين»، و«تأملات في المنفى»، و«خارج المكان» روايته الفكرية السّيرية… ثمة أكثر من إدوارد سعيد، لكنه واحد جمعٌ بامتياز.
لهذا لا يجب النظر ببساطة إلى مثل هذا الحضور له، والاهتمام به غربياً دون أخذ مواقعه المتقدم في المضمار الثقافي، بأوسع دلالاته، بعين الاعتبار، وقد ارتقى إلى مصاف كبار مثقفي الغرب، وقد أخذ منهم، إنما بالمقابل أعاد إليهم «بضاعتهم» مغيّراً فيها، ومؤثّراً في محتواها قيمياً بالذات.
في افتتاحية مجلة “Tumultes” الفرنسية 2010-2، العدد 35، حيث يخصَّص هذا العدد باسمه، وتتنوع المقالات تنوُّعَ اهتمامات ادوارد سعيد وثراء معجمه الثقافي، تستهلها سونيا ديان هرزبرون بالتالي: «في نيسان/ أبريل 2003، عندما قدِم إدوارد سعيد للحصول على لقب دكتوراه فخرية من جامعة باريس ديدرو – باريس 7، طلب مقابلة طلاب ومعلمين في الجامعة والتحدث معهم. كل أولئك الذين حظوا بامتياز سماعه انخرطوا في هذا الفكر النابض بالحياة، حيث جرى التعبير عن ثراء وجود غير عادي وثقافة استثنائية. وفاته بعد بضعة أشهر حرمتنا من صوت واحد من أهم مفكري القرن العشرين. لا يزال هناك عمله الذي يقترح هذا العدد إثارة بعض الجوانب. إنه حقًا كبير من خلال نطاقه، من خلال أصالته، من خلال تنوعه لأن اهتمامات سعيد تراوحت من السياسية في موضوعيتها المتطرفة، إلى الموسيقى الكلاسيكية، مرورًا، بالطبع، بالأدب».
عمِل ادوارد سعيد مقاوماً ثقافياً، وكان نصْب عينيه، كيفية تصويب الخاطئ، وتسديد خطاه، بعكس ما هو سائد. إلى درجة أنه يمكن تحرّي وساعة مخبره الجغرافي، وفضاء تاريخه البحثي، من خلال الحضور الكبير والمتنوع لأسماء كتاب وباحثين ومفكرين وساسة وهم يلتقون في الصفحة الواحدة، أو يجري استنطاق المعيَّب في نصوصهم، حيث لا يعود النص مجرد بنية وحيدة المعنى، إنما يخفي النص حقيقة تكوينه أحياناً، كما هي القراءة الطباقية. وفي كتابه «الثقافة والإمبريالية» بالذات، حيث جرى إخراج الساكن والمغيب في بنية الرواية الغربية، وأشهرَها خارجاً، كما في حال جوزيف كونراد النموذج الأكثر مأثرة لديه، كونه كاتب منفى بالمقابل، ومن هنا، كان تركيزه عليه بداية كما يقول ألكسيس تاديه، في مقاله ضمن الملف المذكور.
وهو ما يمكن الإشارة إليه جهة الصهارة، أو المزج الثقافي، اعترافاً منه، بأن الإنسانية أكثر من كونها ناطقة بلغة واحدة، هي لغة المهيمن، أو المستأثر بسلطة مركزية، ليكون الوصل والتفعيل بين أسماء متباعدة فكرياً، في الغرب، تعميداً للمحصلة التي تدشن أفق رؤية من نوع آخر. لا يعود الشرق شرقاً والغرب غرباً، كما هو المعتاد إيديولوجياً، إنما ما يدفع بهما إلى مواجهة مصير مشترك يتهددهما معاً، وما من شأنه إيقاظ ذاكرة المكان الإمبريالية غربياً، والتحرر من تلك المركزة في القوة الفكر والسيادة…الخ، بتعبير الفرنسي الآخر دومينيك كومب، وفي مقال ذي صلة بهذا التوجه: حالة إدوارد سعيد، الناقد والمنظر الأدب، نقرأ ما ينوّه إلى هذا التوجه المنشود: «إن اختيار سعيد في الستينيات لتأسيس فكره على فقه اللغة أصليّ تمامأ ، في جامعة أمريكية تهيمن عليها إنسانية محافظة. بل إن الأمر أكثر خطورة عندما يتعهد سعيد، في نهاية حياته، بعد أن فتح مجال دراسات ما بعد الاستعمار، بالمصالحة بطريقة ما بين فيكو وغرامشي وأورباخ وريموند وليامز».
في كتابة ادوارد سعيد ما زال عبور المسافات الطويلة قائماً، لا بل إن انتقال فكره، ومحتوى كتابته، وما كان ينشغل به باليد الواحدة: كاتباً، وباليدين موسيقياً، وبالعينين، بكامل وسعهما: في النظر هنا وهناك، إنما هو التأكيد على أنه كان يعمل بكامل طاقته الجسدية، وفي أكثر من جهة، متعدي الاسم الشخصي. إن رؤية ظل فكره في نصوص لغات عالمية مختلفة، أكثر من حضوره المختزل عربياً (وهي مفارقة كبرى) يعبّر عن كونه مواطن المسافات البعيدة إلى اللحظة وأبعد، بما أن رصيده الفكري والاستئثاري مسمَّى في الغد، واضطراد تجليّه هنا وهناك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية