تونس-“القدس العربي”:لا أحد تنبأ بأن تلك الجبال المرتفعة وذاك الوادي السحيق في عين السنوسي في منطقة عمدون شمال غربي تونس، بكل ما تحمله من روعة ومشاهد خلابة وخضرة ناصعة وهدوء استثنائي، ستتحول إلى مقبرة لضحايا أكبر كارثة طرقات تشهدها تلك الربوع التي تصنف ضمن النقاط المرورية السوداء. فطريق الموت الذي عبرت خلاله حافلة سياحية يوم 1 كانون الأول/ديسمبر الماضي تحمل شبابا تونسيين كانوا يحلمون بالتمتع بجمال تلك الربوع، تحول إلى مقبرة لـ 29 شابا وشابة أعمارهم تتراوح بين 20 و30 عاما حلمهم الوحيد كان قضاء وقت سعيد في عطلة نهاية الأسبوع. أسعفتهم شمس الصباح الجميلة ولكن الطريق لم يسعفهم وحول أحلامهم إلى رماد تناثر كما أجسادهم، في عمق الوادي السحيق في عين السنوسي.
خلفت تلك الحادثة حزنا شديدا لدى كل العائلات التونسية وأعادت الجدل مجددا حول معايير السلامة المرورية في البلاد ومن يتحمل مسؤولية ازدياد أعداد حوادث السير المريعة خاصة خلال الأعوام الماضية. وقد فتحت حادثة عمدون أيضا ملف التهميش الاقتصادي الذي تعيشه عدة ولايات في الجمهورية وخاصة الشمال الغربي والوسط الغربي. والجدير بالذكر أن حادثة عين السنوسي ليست الوحيدة التي هزت التونسيين بل شهد هذا العام عددا من حوادث المرور منها انقلاب شاحنة كانت تنقل عاملات تونسيات يعملن في قطاع الفلاحة وخلف قتلى وجرحى ولوعة لدى أهالي الضحايا. وحسب الأرقام والاحصائيات فإن عدد القتلى حوادث السير يتجاوز سنويا 1200 ضحية وتحتل تونس المرتبة 130 من أصل 180 دولة حسب منظمة الصحة العالمية ورغم الجهود المبذولة من قبل الوزارات المعنية إلا أن ذلك لم يحد من هذه الكوارث اليومية.
أسباب
أسباب حوادث السير عديدة منها ما هو بشري ويتعلق بالسياقة المتهورة أو السياقة في حالة سكر أو الإرهاق أو قطع الطريق من المترجل من الأماكن غير المخصصة. ولكن أيضا وضعية الطرقات ووضعية المناخ مثل الفيضانات وغيرها تلعب دورا هاما في ازدياد حالات حوادث السير. وتتصاعد هذه الحوادث بشكل مهول في المدن الكبرى على غرار مدينة تونس العاصمة وأيضا في مناطق الشمال الغربي حيث الجبال والمرتفعات وحيث تتواجد طرقات عديدة خطيرة تتجاوز فيها درجة الانحدار المعايير الهندسية المعمول بها دوليا، ضعف الرقم المعمول به عالميا أي 10 درجات. ووفق المرصد الوطني التونسي للسلامة المرورية التابع لوزارة الداخلية فإن السرعة تأتي في المرتبة الثالثة في حوادث المرور بنسبة 14.9 في المئة منذ بداية السنة الماضية إلى غاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي. حيث بلغ عدد حوادث السير بسبب السرعة 758 حادثا خلف أكثر من 300 قتيل وقرابة 1500 جريح. ووفق المرصد فقد تم عموما تسجيل 5082 حادث مرور نتج عنه حوالي ألف قتيل و7425 جريحا.
ويقول رئيس الجمعية التونسية للوقاية من حوادث الطرقات عفيف الفريقي لـ “القدس العربي”: “نحن في حالة حرب اسمها حرب الشوارع وفي حال إرهاب مروري وهذا يتطلب أن تعلن الدولة حال الطوارئ مثلما أعلنت الحرب على الإرهاب المسلح. ويضيف بالقول: “يجب أن يكون إرهاب الطرقات بندا ثابتا في جدول أعمال مجلس الوزراء لتقييم أسباب تصاعد حوادث المرور القاتلة لكي تتم محاسبة المقصرين والمتسببين في هذه الحوادث. ويجب أن يكون أيضا بندا ثابتا على جدول أعمال كل من مجلسي الأمن القومي ومجلس نواب الشعب لكي يتحمل الجميع مسؤولياته. فالدولة مسؤولة بجميع هياكلها ويجب ان تبرهن لمواطنيها أنها مهتمة بمصير شعبها”.
ولفت عفيف الفريقي النظر إلى خطورة ملف الدراجات النارية نظرا لكون حوادث المرور في تونس إحدى أهم أسبابها هو هذه الدراجات مضيفا بالقول: “الدراجات النارية صغيرة الحجم يمكن وصفها بدراجات الموت فقد قتلت خلال خمس سنين 2500 تونسي من الشباب بمعدل 500 قتيل سنويا وهم ويمثلون 36 في المئة من ضحايا حوادث المرور ويمثلون 30 في المئة من الجرحى والمصابين. وحمل الفريقي أيضا الدولة بهياكلها ومؤسساتها ووزاراتها المعنية، مسؤولة هذا الملف بسبب تسيب هذا القطاع وعدم إخضاعه لقانون يضبط الاستيراد لهكذا أنواع من وسائل النقل ويضبط كذلك شروط السلامة فيها”. ويضيف: “وفقا للقانون يجب أن لا تتجاوز سرعة الدراجة النارية 40 كلم، ولكن ما يتم استيراده حاليا من دراجات نارية يسير بسرعة تفوق 140 كلم مما يعرض حياة الكثيرين للخطر”. ويضيف: “حسب الأرقام فان كلفة تعويضات حوادث المرور التي دفعتها شركات التأمين تصل إلى حدود 847 مليار تونسي عام 2018. نصف المبلغ تم دفعه للتعويضات البدنية والنصف الثاني للتعويض المادي. أضافة إلى ذلك إجمالي المبلغ يصرف على ضحايا حوادث الدراجات النارية. فالثروة البشرية التي تستنزف في حوادث المرور لا تعود”.
المناطق المهمشة
تعتبر الصحافية والكاتبة التونسية آسيا العتروس رئيسة تحرير جريدة “الصباح” اليومية أن فاجعة عمدون أعادت إلى السطح واحدة من القضايا المنسية والمتعلقة بالمناطق المهمشة في الشمال الغربي، ولاشك أن رحلة الموت لشباب في عمر الزهور أراد أن يتمتع بسحر الطبيعة في البلاد فعاد في التوابيت إلى عائلاته، قد صدمت التونسيين وأججت مشاعر الغضب على النخب السياسية والحكومات المتعاقبة التي فشلت في الاستجابة للحد الأدنى من مطالب الجهات الفقيرة والمهمشة وفشلت أيضا في تلبية وعودها الانتخابية.
وقالت :”طبعا لا يزال من السابق لأوانه الحديث عن تحقيقات نهائية بشأن الفاجعة التي هزت أكثر من عشرين عائلة تونسية ولكن الأكيد أن هناك عوامل متعددة منها هشاشة البنية التحتية والحالة المزرية للطرقات التي تفتقر في كثير من الأحيان للسلامة وأيضا افتقار المؤسسات الاستشفائية لأبسط الإمكانيات في حالات الكوارث، وهنا أيضا مسألة يتعين التوقف عندها، هي غياب الردع وتنامي ثقافة الاستهتار بالقوانين وبالتالي بحياة الآخرين ومن ذلك أيضا السرعة المفرطة والتهور من جانب عديد السواق بما في ذلك وسائل النقل العمومي وعدم احترام قانون الطرقات والأولويات وهو ما يضاعف مخاطر الطريق، حتى بتنا اليوم نتحدث عن إرهاب الطريق بسبب هذا الاستهتار. ولاشك ان ما نراه ونسجله على طرقاتنا يستدعي التعجيل باتخاذ الإجراءات الكفيلة بدفع السائقين إلى احترام الركاب واحترام المشاة وتعقب كل من يستخف باستعمال حزام الأمان أو باستعمال الهاتف الجوال أثناء السياقة وهو ما يبدو انه وراء عديد الحوادث إلى جانب تهور البعض وتعمد السياقة وهم يعمدون إلى وضع أطفالهم معهم خلف المقود وهو خطر على الاثنين.
وتتابع بالقول: “المعضلة التالية تتعلق بحالة الطرقات المهترئة وغياب الصيانة وهو ما يستوجب أيضا مراجعة الصفقات العمومية إلى جانب مراجعة الاتفاقيات والشروط المتعلقة بتنظيم الرحلات السياحية والمراقبة الفنية للحافلات والسيارات. الأكيد أن الاحصائيات تؤكد ان تونس بين الدول الأكثر عرضة لحوادث الطرقات وهي تحتل المرتبة 130 على 180. الأكيد أن هناك اليوم حاجة لإعادة النظر في أسباب الحوادث والتعجيل باتخاذ الإجراءات المطلوبة ووقف النزيف الحاصل، فليست هذه المرة الأولى التي تستفيق فيها تونس على مثل هذه المأساة التي سبقتها شاحنة العاملات وغيرها من حوادث الطريق القاتلة التي تركت جروحا لا تندمل. الأمر لا يتعلق بمحاولة تهدئة الخواطر وتجاوز المصيبة التي اهتز لها التونسيون، ولكن الوضع يحتاج إلى تقييم جدي وإلى توفير الامكانيات المطولة وإلى توعية مستمرة لفرض احترام القانون وبدون ذلك سيظل قانون الغاب وسيظل الطريق يستنزف دماء الأبرياء”.
جهود غير كافية
“حزام الأمان سلامة ومرور، السياقة بدون إنارة سبب فواجع الطريق، حياتي بين يديك إذا افرطت في السرعة قد تفرط في الحياة” تلك الإعلانات هي جزء من حملة تحسيسية يقوم بها المرصد الوطني لسلامة المرور التابع لوزارة الداخلية التونسية على صفحته الرسمية على الانترنت ولكنها ليست وحدها كافية لتوعية المجتمع. ويقوم هذا المرصد الفريد من نوعه في افريقيا والعالم العربي بحملات توعوية في المدارس والمعاهد الثانوية وكلما طلب منه أن يكون متواجدا للقيام بالتحسيس بالسلامة المرورية بطرق علمية بيداغوجية من خلال مختصين في هذا المجال، كما فتح المرصد الباب للتعاون مع منظمات المجتمع المدني باعتبار أن مسألة الحد من حوادث الطرقات هي مسؤولية الجميع ولقيت مبادرته تجاوبا من عديد المنظمات والجمعيات التي بادرت إلى التسجيل في موقع المرصد على الشبكة العنكبوتية.
ويسعى المرصد من خلال المكلف بالإعلام على التواجد في وسائل الإعلام المرئية للتحسيس بخطورة حوادث الطريق وضرورة الحد منها وذلك حتى قبل حصول الحوادث الأخيرة التي هزت الشارع التونسي وفتحت الباب لتسليط الضوء والاهتمام بمسألة حوادث الطرقات. ومن أنشطة المرصد في الآونة الأخيرة القيام بحملة توعوية للتحسيس بخطورة حوادث الدراجات النارية التي كثرت في تونس في السنوات الأخيرة والدعوة إلى ضرورة ارتداء الخوذة عند سياقة هذه الدراجات، وفي هذا الإطار تم توزيع خوذات مجانية للراغبين من سائقي الدراجات النارية وغيرهم، ووضع المرصد برنامجا خاصا بالعطلة المدرسية وباحتفالات نهاية السنة الإدارية.
ورغم فظاعة الكوارث الأخيرة فإن حوادث الطرقات سجلت تراجعا طفيفا في تونس هذا العام مقارنة بالسنة الماضية وذلك نتيجة لتظافر جهود عديد الأطراف. لكن هذا التراجع يعتبر غير كاف ولم يمكن من تجاوز دائرة الخطر ومغادرة المراتب غير المشرفة في مجال حوادث الطرقات على مستوى العالم، وهناك دعوات تتصاعد اليوم من أجل ضرورة وضع مادة التربية المرورية في المناهج التعليمية باعتبارها ثقافة حياة ومصيرية ويمكن ان تساهم في الحد من حوادث المرور ونزيف الطرقات.