بيروت-»القدس العربي»: في تصعيد إسرائيلي جديد نقل المواجهات مع «حزب الله» الى مستوى خطير باستهداف مؤسسات الدولة اللبنانية، قالت وزارة الصحة اللبنانية أمس الأربعاء إن غارة إسرائيلية على مبنى بلدية النبطية واتحاد بلدياتها بجنوب لبنان أدت في حصيلة نهائية إلى استشهاد 16 شخصاً وإصابة 52 آخرين بينهم رئيس البلدية وعدد من المجلس البلدي والموظفين فيه. تزامن ذلك مع تجدد قصف الضاحية الجنوبية لبيروت.
بينما أعلن «حزب الله» أن مقاتليه يخوضون اشتباكات عنيفة مع قوات إسرائيلية في محيط بلدات حدودية لبنانية حيث سقط العديد من الإصابات بين جنود وضباط العدو بين قتلى وجرحى وشوهدت هليكوبترات تهبط لنقلهم ووصف الاعلام العبري ما جرى أمس بالحدث الأمني الكبير.
وقال في بيان إن مقاتليه يخوضون «اشتباكات عنيفة مع قوات العدو الإسرائيلي في محيط بلدة القوزح من مسافة صفر بِمختلف أنواع الأسلحة الرشاشة، وأدت المواجهة إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف قوات العدو»، مضيفاً أنه «ما زالت الاشتباكات مستمرة».
وأسقطت الغارة الإسرائيلية على منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت كل الكلام عن ضمانات أمريكية بخفض التصعيد ضد بيروت والضاحية، في وقت استمرت الغارات على الجنوب والبقاع وأدت إلى استشهاد رئيس بلدية النبطية. في وقت دارت اشتباكات عنيفة بين عناصر «حزب الله» وقوات الاحتلال الاسرائيلية في مركبا ورب ثلاثين راميا وعيتا الشعب والقوزح وحولا، تزامناً مع قصف مدفعي لشبعا.
«حزب الله» يواصل تصدّيه لمسيرات العدو ومحاولات التوغل البري ويمطر الجليل بعشرات الصواريخ
وكان لافتاً إعلان «حزب الله» أمس التصدي لمسيرتين إسرائيليتين بصواريخ أرض – جو وإجبارهما على مغادرة أجواء جنوبي لبنان وشوهدت الطائرات وهي تنسحب من أجواء الجنوب. كما استهدف الحزب مساءً جنوداً إسرائيليين في وادي هونين جنوبي لبنان برشقة صاروخية. وأعلن حزب الله مساءً قصف مدينة صفد في شمال اسرائيل بالصواريخ، للمرة الثالثة خلال 24 ساعة، وسط تكثيف اسرائيل لضرباتها على لبنان واستهدافها مجدداً الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقال الحزب في بيان إن مقاتليه قصفوا «عند الساعة 06:50 من مساء يوم الأربعاء (15,50 ت غ) (…) مدينة صفد المحتلة بصلية صاروخية»، وذلك «دفاعاً عن لبنان وشعبه» بعدما كان أعلن عن قصفها مساء الثلاثاء وبعد منتصف ليل الثلاثاء الأربعاء. وذكر الإعلام العبري أن 8 مروحيات عسكرية هبطت في محيط مستشفى رامبام في حيفا.
موقف البيت الأبيض
وأشار جيش الاحتلال إلى «أن الفرقة 98 تواصل عملياتها ضد «حزب الله» في جنوب لبنان، متحدثاً عن أسر 3 عناصر للمقاومة. فبعد ساعات على موقف رئيس حكومة تصريف الأعمال عن ضمانات بتحييد بيروت والضاحية، جاء تحذير من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بضرورة إخلاء أحد المباني في حارة حريك في الضاحية وابتعاد الأهالي عنه مسافة 500 متر، ليأتي الطيران المعادي ويخرق اليوم الخامس من الهدوء الحذر الذي سيطر على الضاحية، باستهداف المبنى وتصاعدت أعمدة الدخان في المنطقة المستهدفة.
وقال البيت الأبيض أمس الأربعاء إن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل بمعارضتها للضربات شبه اليومية في المناطق المكتظة بالسكان في بيروت، وبضرورة أن تنفذ عملياتها بطريقة لا تهدد أرواح المدنيين. وتأتي تصريحات المتحدثة كارين جان بيير في إفادة صحافية يومية مع استمرار الضربات الإسرائيلية بيروت.
وادّعت إذاعة الجيش الإسرائيلي «أن هدف الهجوم على الضاحية بنية عسكرية لـ»حزب الله»، فيما ادعى أدرعي «أن الغارة استهدفت مستودع أسلحة استراتيجية ل»حزب الله»». وبعد هذه الغارة، خرق الطيران الاسرائيلي جدار الصوت على دفعتين بشكل عنيف في أجواء الضاحية الجنوبية، عرمون، بشامون، الشويفات خلدة وأقليم الخروب.
استهداف النبطية
جنوباً، شن الطيران سلسلة غارات على قرى وبلدات إقليم التفاح وعيتا الشعب وبلدات القطاع الشرقي ومركبا والطيبة والعديسة وتلة العويضة وكفركلا والخيام وكفرشوبا وشبعا وعلى الأحياء السكنية في القليلة والحنية وزبدين وكفرتبنيت وكفرجوز وشقرا وبرعشيت ومجدل سلم وكفرا. وتعرضت النبطية لأعنف الغارات حيث أدّت إلى تدمير مبنى البلدية واستشهاد رئيسها احمد كحيل والأعضاء صادق اسماعيل وخضر قديح وقاسم حجازي بالإضافة إلى مسؤول الإعلام محمد بيطار والموظف محمد زهري وفي وقت لاحق أكدت وزارة الصحة أن العدد الكلي للشهداء في النبطية وصل الى 16. كما تعرضت سرايا النبطية الحكومية لعدوان عند مدخلها دمّر معظم المكاتب الشرقية وألحق اضراراً بعشرات السيارات المركونة في الجوار.
الاحتلال يسقط الضمانات حول تحييد بيروت ويستأنف غاراته ويرتكب مجازر في الجنوب والبقاع
وطالت الغارات صفد البطيخ في قضاء بنت جبيل، ومجدل سلم، ودير انطار، وسنتر فرّان وسط السوق التجارية في مدينة النبطية، ومبنى مكتبة النور على طريق الجامعات ومبنى بجانب تعاونية على اوتوستراد حبوش، إضافة إلى بلدات حانين، عيتا الشعب والقليلة، زبدين، كفرتبنيت، كفرجوز، عبا، جبشيت، شقرا، برعشيت، كفرا، كفردونين، مجدل سلم، شوكين، عربصاليم، كفررمان، ورومين. وواصلت فرق الدفاع المدني التابعة لكشافة الرسالة الاسلامية تبحث بين الانقاض والردم عن مفقودين في بلدتي قانا والمجادل اللتين تعرضتا لغارات متتالية. فيما تواصل القصف المدفعي على بلدات قضاء مرجعيون، واستهدف الطيبة، مركبا، حولا، رب ثلاثين، العديسة، كفركلا، الخيام، سهل مرجعيون، الناقورة، أطراف عيتا الشعب ورامية.
مجزرة قانا: 15 شهيداً
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بيان أعلن أن الغارات المتتالية الإسرائيلية على بلدة قانا أدت في حصيلة أولية إلى استشهاد أكثر من 15 شخصاً وإصابة ثلاثين آخرين بجروح، فيما لا تزال أعمال رفع الأنقاض وإزالة الركام مستمرة من ساحة البلدة. كما أعلنت «الصحة» أن الغارة الاسرائيلية على بلدة صربين، أدت إلى استشهاد خمسة أشخاص، وتستمر أعمال رفع الانقاض. كما ان الغارة الإسرائيلية على مبنيي بلدية النبطية واتحاد بلدياتها أدت في حصيلة أولية إلى استشهاد خمسة أشخاص.
في البقاع، حلّقت المسيّرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض جداً في سماء المنطقة الحدودية اللبنانية-السورية في الهرمل، عند المعابر التي استهدفتها سابقاً، خصوصاً في منطقة حوش السيد علي وجرماش، ما يمنع الأهالي من محاولة فتح الطرق. واستهدفت غارة إحدى المحطات على أوتوستراد رياق ما أسفر عن سقوط شهيدين، وصودف مرور شاحنة للجيش اللبناني تقل عسكريين ما أدى إلى جرح 6 عسكريين.
في المقابل، أعلن «حزب الله» في سلسلة بيانات استهداف صفد ومستوطنة «يفتاح» ومرابض مدفعية الجيش الإسرائيلي في «دلتون» و«ديشون» بصلية صاروخية. كما استهدف «الحزب» دبابة ميركافا في محيط بلدة راميا، وقصف مستعمرة «كرمئيل» ما أدى إلى وقوع 4 إصابات. واستهدف تجمعاً لجنود العدو على «تل القبع» في مركبا وتجمعاً آخر في «مسكاف عام»، وأعلنت هيئة البث الإسرائيلية «عن إصابة إسرائيليين اثنين إثر سقوط 5 صواريخ من لبنان أصابت ساحة منزل في صفد شمال إسرائيل». وتحدث جيش الاحتلال عن اطلاق نحو 90 صاروخاً من لبنان في اتجاه شمال إسرائيل، مشيراً إلى «إن بعض المقذوفات تم اعتراضها وسقطت مقذوفات أخرى في المنطقة». فيما أورد الاعلام الإسرائيلي عن إصابة 14 جندياً اسرائيلياً في الساعات الـ24 الماضية بينهم 13 على جبهة لبنان.
دمار مبانٍ تاريخية في محيبيب
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة الأربعاء، تفجير جيش الاحتلال الإسرائيلي أحد أحياء بلدة «محيبيب» التاريخية جنوب لبنان، التي تضم مقاما تاريخيا عمره أكثر من 2100 عام.
وبلدة محيبيب تقع في قضاء مرجعيون في محافظة النبطية، وتبعد عن مركز القضاء 30 كيلومتراً، وعن العاصمة بيروت 115 كيلومترًا.وتعليقاً على فيديو التفجيرات، قال مختار البلدة قاسم أحمد جابر، إنه لم يتمكن من معرفة حقيقة ومدى الدمار الهائل الذي لحق بالبلدة جراء تفجيرات الجيش الإسرائيلي لمباني عديدة داخلها.
وأرجع ذلك في حديثه للأناضول إلى عدم وجود سكان بعد أن نزحوا جميعا جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بالمنطقة.
المختار ذكر أن البلدة «تاريخية ومهمة جدا من الناحية الدينية، وتضم مقام النبي بنيامين، ابن النبي يعقوب، ويعود تاريخه إلى أكثر من 2100 عام». وهو مقام أثري ديني ويزوره السياح بشكل كبير.
في المواقف، أدان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي «العدوان الأسرائيلي الجديد على المدنيين في مدينة النبطية والذي استهدف قصداً اجتماعاً للمجلس البلدي للبحث في وضع المدينة الخدماتي والإغاثي». وقال «هذا العدوان الجديد، معطوفاً على كل الجرائم التي يرتكبها العدو الأسرائيلي في حق المدنيين، هو برسم العالم الساكت عمداً على جرائم الاحتلال، مما يشجعه على التمادي في غيّه وجرائمه».
وأضاف ميقاتي: «اذا كانت كل دول العالم عاجزة عن ردع عدوان موصوف على الشعب اللبناني، فهل ينفع بعد اللجوء إلى مجلس الأمن للمطالبة بوقف اطلاق النار؟ وما الذي يمكن ان يردع العدو عن جرائمه التي وصلت إلى حد استهداف قوات حفظ السلام في الجنوب؟ وأي حل يرتجى في ظل هذا الواقع؟».
كذلك، شددت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس – بلاسخارت على حماية المدنيين، وعلّقت في بيان على الهجوم على النبطية قائلة «إن انتهاكات القانون الإنساني الدولي غير مقبولة على الإطلاق. ويتعيّن حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية في الأوقات كافة»، معتبرة أنه «حان الوقت لأن توقف الأطراف المعنية كافة إطلاق النار فوراً وتفتح الباب أمام الحلول الديبلوماسية».
شكوى لبنانية
وفي إطار الشكاوى الدورية التي تقدمها وزارة الخارجية بواسطة بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك لتوثيق العدوان الاسرائيلي عليه والضغط على المجتمع الدولي ومجلس الأمن من أجل التحرك لوقفه، تم تقديم شكوى جديدة إلى مجلس الأمن بشأن الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان خلال الفترة من 3 ولغاية 14 تشرين الأول/أكتوبر 2024. وقد أدان لبنان «استمرار اسرائيل في خرقها لسيادته بحراً وبراً وجواً، واستهدافها مراكز الجيش اللبناني، وهيئات الإسعاف والاغاثة، والمدنيين غير المشاركين في الأعمال الحربية بقصف عشوائي للمدن والقرى، على غرار ما حصل في بلدة أيطو ومنطقتي النويري ورأس النبع وغيرها من المناطق، حيث سقط مئات القتلى والجرحى من المدنيين، إضافة إلى استهدافها محطات نقل المياه، ومعبر المصنع الحدودي، وشنّها غارات على محيط قلعة بعلبك المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، وعلى سوق النبطية التاريخي».
كما أدان لبنان في الشكوى «انتهاج إسرائيل سياسة التصفية والاغتيالات الممنهجة عبر الغارات الجوية المباغتة في المدن والقرى والأحياء المأهولة بالسكان، دون أي اكتراث بحياة المدنيين»، مشيراً إلى «أن إسرائيل تحاول بالقوة وبالوسائل العسكرية العدائية فرض رؤيتها للأمن في المنطقة ضد سيادة وأمن وسلامة دول المنطقة وشعوبها، متذرعةً بمزاعم غير مبنية على أي دلائل أو براهين تثبت السردية التي تتبناها، خصوصاً لجهة ادعائها الدفاع عن النفس».
وطلبت الخارجية اللبنانية من مجلس الأمن «إدانة العدوان الإسرائيلي الواسع والمتواصل عليه وعلى شعبه، والاجتياح البري لأراضيه»، مكررة دعوتها المجلس «إلى إلزام إسرائيل بالتطبيق الكامل لقرار مجلس الامن 1701 من خلال الوقف الفوري للأعمال العدائية، والانسحاب فوراً من الأراضي اللبنانية كافة». وختمت بالتأكيد «أن لبنان يعوّل على الدور الأساس لليونيفيل، حسب الولاية الممنوحة لها، بالتعاون الوثيق مع الجيش اللبناني، تحقيقاً لتعزيز بسط سلطة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية ضمن الحدود المعترف بها دولياً».