إن صورة الإشكالية هنا تتجسد في مفهوم المثقف، وليس في نوع الثقافة. ذلك من منطلق مبدئي، إن المصادر الثقافية تمنح خصائص في بناء الشخصية. وهذه الخصائص وإن تباينت وفق النوع الثقافي، إلا أنها تصب في إلغاء الفراغ، ولا نعني به السليقة التي هي الأخرى تمنح خصائص فطرية تحت لازمة (المجالس مدارس) الذي نعاني منه، حيث يتمركز في شقين بنيويين للثقافة، والكيفية التي انتقلت فيها الثقافة إلى المعرفة. وفي كلا المنحيين نجد عللا أو بالأحرى خللا بنيويا.
ولنبقى في حقل الثقافة والمثقف، وليس المعرفة والعارف. في هذا نجد أن المثقف يختزل وجوده في جملة مفردات ثقافية، يمارس خلالها سلوكاً يفترش الواقع، ذلك لأن الإنسان هذا وسط حيّز، أي يخضع للأثر والتأثير. فهو يتأثر ويؤثر، فإذا كان مشتغلاً في حقل تربوي، فمقياس ثقافته إن كانت نمطية فإنها تضفي سلباً بظلالها على المتعلمين. والعكس يصح. كما أن الانجرار وراء مستجدات خارج تشكل المجتمع صعوداً، تنتجها الثقافة النمطية وغير المبنية على مبادئ الإسهام في تطوير الواقع من مستَثمر للزمن مثلاً، إلى متحرر من تأثيراته. ثم إن المثقف لا يشغل نفسه بالاختلاف في الكيفية، بل يبحث عن المشتركات. فليس في كل تشكيلات الأفكار منذ بدء الخليقة تطابق نوعي، بل هي مجموعة تراكمات كمية ينتجها العقل الجمعي المفكر، بما تتطلب الحياة زماناً ومكاناً. الأفكار والديانات لها خصائصها الذاتية والموضوعية. نحن نلزم أنفسنا بالموضوعية التي هي تقربنا من بعضنا. هنا تتجسد ظاهرة (الخلاف) في الموقف على حساب المبدأ، إذ لا يوجد ثمة تقاطع حقيقي بين الثقافات، وبالتالي بين المثقفين، ونقصد من بينهم السياسي، حتى لو حصل نوع من تعالي هذا على حساب ذاك مثلاً. فالمثقف الحقيقي ينظر إلى الاختلاف في مفردات المبدأ سبيلاً إلى الحوار، الذي بدوره يطوّر البنية الفكرية (هنا يبدأ الطرح عبر مفهوم المثقف الحاصل من فهمنا للسياسي الناتج عن المثقف)، ويجعلهما قادرين على المعايشة. وهذا يخص الدين أيضاً الذي يتعلق بالنص المُنزلْ، إذ يمكن الاجتهاد بالتفسير ومن ثم في التطبيق وفق تغيّر الزمان والمكان أيضاً. والسؤال هنا كيف استطاع بعض رجال الدين من التجاوز في تكفير الآخر، بدون مسوغ مبدئي، سواء في تاريخنا المعاصر أو على ما فعله المجتهدون من رجال الدين، حيث أنتجوا تنظيماً داعياً وعسكرياً يؤلب المسلمين، أو ممن تأسلموا على سجيتهم المبدئية؟
إن النظر في ربط الثقافة بالهوية واعتبارها حالة تميّز ومغايرة، يُعد ضرباً من خلط الأوراق، لكي تنتج ظاهرة مغايرة لمبدأ التوائم. فالهوية قومية، أي شعارها الانضمام إلى المجموعة، لكن الثقافة حراك عام. فالمثقف إن كان عربياً أو كردياً أو منادائياً أو شبكيا أو إيزيدياً، فإنه ينهل من ثقافة عامة، هي ثقافة الحيّز البنيوي. الاختلاف هنا في الجزئيات، لذا فافتعال الاختلاف هنا غير لائق مثلاً بالوحدة الوطنية، التي هي الهوية الكبرى. وهي خلاصة للهويات الصغرى، الهوية تتحدد صفاتها ووجودها خلال العلاقة بالآخر. فالمثقف غير معزول عن هويته ومرمي في زاوية قصية، بل إنه ضمن حراك عام، يحمل هويته ويمارس فعله الاجتماعي عبر هوية عامة، ولنقل هوية الوطن والمواطنة، لذا فالمقياس بين الجماعات المثقفة ينمو على أساس الأداء، وهذا يشمل الإنسان غير المثقف، الذي ينهل من مجالات التطبيق المبدئي للحياة. فهو جزء من حملة هوية مضمرة، يمكن أن نقول عنها (جينية) أو (مكتسبة) اجتماعياً. فليس منا من لم يلتق بنماذج في بيئات بعيدة عن مراكز المدن، وهي غير متعلمة، لكنها تمتلك حساً ثقافياً يوظف العقل لصالح فهم الحقيقة، وعكس تصوراته عنها. بمعنى أنه قادر على صياغة موقف مبدئي، بدون أن يكون له انتماء مبدئي. فالمبادئ عامة وشائعة في أي وسط كان. وهي في حقيقتها انبثقت من حاجات الوجود. فالمثقف في تعبير إدوارد بارنات تايلور، هو نتاج ثقافة عامة، وحضارة جديدة. فهو جزء من مركّب يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والعادات، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع.
إن النظر في ربط الثقافة بالهوية واعتبارها حالة تميّز ومغايرة، يُعد ضرباً من خلط الأوراق، لكي تنتج ظاهرة مغايرة لمبدأ التوائم.
هذه الجزئيات التي هي كليات في حقيقتها تقود الإنسان إلى ممارسة حقه في الحياة، على أسس متوازنة، بمعنى يكون السلوك الثقافي يحتكم إلى الذاتي والموضوعي. وليكن استلالنا للمعرفي الذي يمكن أن يكون خارج المثقف. وتقوم لدينا عينتان هما: المثقف والمثقف المعرفي. والمعرفة هنا تخص إنتاج الرؤى الثقافية، والأخرى في الاختيار المناسب. فهي رؤى منتجة للتوجهات والسُبل. تعمل على فرز الظواهر للخروج بحقائق جديدة، فالواقع ينتج ظواهر وإن كانت جزئية، غير أنها بالتراكم تصبح كلية مؤثرة، بل مغيّرة، سواء كان التغيّر سلباً أو إيجاباً. المعرفي يختزل المسافات لأنه ذو بصيرة نافذة. لذا تجد في المبادئ الوضعية عدم استقرار، بمعنى الجمود العقائدي، وإن حصل فإنه ينتج نكسات صغرى وكبرى، كما حصل في المعسكر الاشتراكي، ويحصل في المجتمع الرأسمالي بشكل متواصل، على شكل بيّنات مؤثرة أسبابها كثيرة.
لعل افتعال وتصعيد وتيرة الحروب، وافتعال الاحتراب الطائفي والإثني في بلدان العالم الثالث والبلدان الإسلامية حصراً، وهي من أبشع الممارسات المنتِجة للهيمنة على ثروات الشعوب، وحرف نمطهم الفكري والأيديولوجي، لذا فالمثقف حالة استثنائية في الوسط، لأنه قادر على تنبيه الآخر باشتباك أسس الواقع، واحتمال اقتراب وقوع الكارثة، فهو بهذا بارومتر الوجود، أو كما قال عنه إدوارد سعيد، إن صورته ستبقى خلابة على مرّ الزمن. تماماً كما ذكر بصدده غرامشي، في كونه نموذجاً يؤدي مجموعة من الوظائف. فهو في صلب المكون الاجتماعي، تقع تأثيراته مباشرة على الواقع، وتكون حواراته مطورة، لأنها تستند إلى جملة حقائق صاغتها المبادئ الخاصة والعامة ـ كما ذكرنا سابقاً ـ وقد عبّر عنها بـ(المثقف العضوي). ولعل ما استند إليه غرامشي، أو غيره من المفكرين العضويين، هو النظر إلى المثقف بعين فاحصة، حيث يضعونه في مركز الحراك الاجتماعي في كل بيّناته البنائية. فهو منتج للأسس التي تكون مؤثرة على الحياة والوجود البشري، وله تأثيراته على الصياغات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية. من هذا يكون النظر إلى المثقف بعين السياسي في كونه يختزل الأزمة، ويُزيح الغطاء الذي قد يلعبه بعض السياسيين، قصد تمرير مشروعهم. فالقطيعة بين المثقف والسياسي مختلقة، أنتجتها المصالح أولاً، وفرضتها حقيقة متداولة غير حقيقية في البناء، ضمن مقولة (الشخص المناسب في المكان المناسب) ثانياً، من غير المناسب أن يًدرك زوال وجوده، لذا يختزل الزمن خلال حيازة مكاسب مخربة لمجاله وضامنة لمستقبله. فالمنصب هنا وجد في نظره كفرصة للغنيمة، خاصة عندما نجد أن من مستلزمات المناط به المنصب، أن يُراعي مصلحة كتلته أو حزبه. وعليك أن تفسر مثل هذا المبدأ، وكيف تكون المراعاة، إن المثقف أيضاً يخضع ضمن تشكيلات بنيته الثقافية العامة إلى مجموعة من التوجهات، التي تكون علامات مضرة لصورته أولاً، ومخربة للصورة العامة ثانياً، لذا قيل عنه (خيانة المثقف) كما ذكر هومي بابا، وهي خيانات تعددت صورها واختلفت مصادرها.
ما يمكننا التوصل إليه هنا: أن المثقف والسياسي توأمان، إذا ما نُظر إليهما بموازنة، وإذا ما نظر كل منهما بعينه وعين الآخر بروية. فهما فئتان تعملان لصالح الوجود، وفق معادلة نوع العطاء فقط وليس غيره. فإن نُظرا إليه من زاوية الكسب والحيازة واغتنام الفرص، فإنهما سيقعان ضمن أحبولة التخريب والفشل الخاص والعام. لعلنا ووفق ما أثرناه لم يكن ليشكل ما ذكرناه سوى مبادئ عامة، لها تفصيلاتها التي تنفتح لها صفحات المؤلفات، وهذه خاصية تتعلق بالمعرفة ككل والثقافة كجزء. وهي بالتالي تتطلب المداولة المستمرة، لكشف الحجاب عن الأخطاء الجسيمة التي تُرتكب بحجة الثقافي أو السياسي، سواء في طرح المفاهيم، أو الممارسات اليومية.
٭ كاتب عراقي