إصلاح التعليم في تونس الرهان الصعب لمواكبة العصر

روعة قاسم
حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: راهنت تونس منذ فجر الاستقلال على قطاع التربية والتعليم وخصصت له ثلث ميزانيتها وذلك على حساب البنى التحتية والنفقات العسكرية وغيرها، في تضحية لا مثيل لها في المنطقة تمت فيها المراهنة على الإنسان. لقد كان البلد أمام خيارين باعتباره لا يمتلك الثروات الكافية لتحقيق كل المتطلبات، فذهب بعيدا في الخيار التعليمي على حساب النفقات الأخرى، ونجحت الجامعة التونسية في تخريج كفاءات متميزة في كل المجالات انتفعت منها تونس وجوارها وبلدان أخرى عديدة.
لكن توجهات التعليم التونسي التي اعتبرت ثورة منذ عقود خلت، باعتبارها قامت على التفكير الحر وعدم التعصب للرأي والقبول بالرأي المخالف والإيمان بالنسبية وعدم امتلاك الحقيقة المطلقة، وذلك من خلال الانفتاح على كل التيارات الفكرية والنظريات الفلسفية وعلى أصحاب الآراء الحرة في العالم وبدون محاذير، كما قامت على التركيز على آخر تطورات علوم العصر في الطب والهندسة وغيرها مع الانفتاح على اللغات الأجنبية، باتت اليوم تستحق المراجعة والتطوير ومواكبة العصر. فعالم اليوم ليس عالم الخمسينات ولا نهايات القرن العشرين ولا حتى بداية هذه الألفية، فقد ظهرت اكتشافات جديدة وتطورات علمية وتكنولوجية وظهرت مناهج تربوية حديثة أثبتت جدواها في عديد البلدان.
لذلك قامت منظمات عديدة من المجتمع المدني بدورها في وقت سابق بالبحث عن سبل تطوير التعليم التونسي فشخّصت مع أهل القطاع وأوجدت الحلول وذلك بالتعاون مع الجهات الرسمية. لكن نتيجة نلك الندوات والنقاشات والاستشارات التي أجرتها وزارة التربية بالتعاون مع منظمات عديدة منها الاتحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان ومنظمات أخرى، يبدو أنها تُركت جانبا ولن يقع اعتمادها في الإصلاح الذي سيتم إنجازه والذي اقترحه رئيس الجمهورية قيس سعيد.

رؤية شاملة للإصلاح

لقد دفع الرئيس باتجاه إجراء استشارة جاء في تعريفها بالموقع الرسمي المخصص لها بأنها تندرج ضمن مسعى لإرساء رؤية شاملة لإصلاح نظام التربية والتعليم بمختلف مراحله (تعليم ما قبل سن الدراسة، تعليم أساسي وتعليم ثانوي وتكوين مهني وتعليم عال). وتهدف هذه الاستشارة، حسب الموقع، إلى التعرف على آراء التلاميذ والطلبة والمتكونين والمدرسين والأولياء وكل المهتمين بالشأن التربوي قصد تحديد التوجهات العامة المستقبلية التي من شأنها أن ترفع من أداء المنظومة التربوية في التربية والتكوين المهني والتعليم العالي فضلا عن تكريس مبادئ تكافؤ الفرص والتعلم مدى الحياة وتأمين استمرارية تنمية الكفاءات وفتح آفاق أوسع لتشغيل الخريجين.
والحقيقة أن مشاكل التعليم التونسي يعرفها القاصي والداني بعد أن تم تشخيصها والحديث فيها في مختلف المنابر ومن قبل المختصين ومن بينها ما يتعلق بالزمن المدرسي وتطوير البرامج وطرق ومناهج التدريس بالإضافة إلى الاهتمام أكثر بالتكوين المهني. وبالتالي يرى البعض أن الاستشارة الإلكترونية التي تم إنجازها لمعرفة التوجهات المتعلقة بإصلاح التعليم، والتي شارك فيها ما يزيد عن نصف مليون شخص، لا جدوى منها باعتبارها لم تأحذ بآراء المختصين في هذا المجال وقد لا يؤخذ بها أيضا مثلما حصل مع الاستشارة المتعلقة بالدستور في وقت سابق.

أسباب التدهور

يرى أستاذ التعليم ومدير مدرسة كلود برنار بالعاصمة التونسية جلال السليماني في حديثه لـ«القدس العربي» أن التعليم في تونس تدهور وفي حالة انحدار منذ أدخلت عليه تجربة فاشلة رفضها الغرب وسوقها لبلادنا ألا وهي الكفايات الأساسية حيث أصبح النجاح بمقتضى هذه المنظومة آليا. لقد كان التلميذ في الماضي، وحسب السليماني، يجتاز مناظرة ختم التعليم الإبتدائي وعدة امتحانات قبل الوصول إلى البكالوريا وهو ما جعل المتحصل على شهادة ختم التعليم الإبتدائي في الماضي أفضل من الحائز على شهادة البكالوريا اليوم.
ويرى المربي التونسي أن الدولة مطالبة بالعدول عن هذه السياسة التعليمية الفاشلة والرجوع إلى التعليم الإبتدائي أي النظام القديم الذي ساد منذ الاستقلال وإلى حدود بداية التسعينات، حتى يصلح حال التعليم. ويرى أيضا أن التكوين الذي يتلقاه المدرس الجديد من خريجي علوم التربية هو تكوين هش لا ينتج معلمين أكفاء، فهناك بعض المربين الجدد إلى حد الآن لا يميزون بين متى يتم استعمال التاء المفتوحة ومتى يتم استعمال التاء المغلقة.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن الكارثة كبيرة جدا وهي مشتركة بين جميع الأطراف، فهناك سياسة تعليمية لا تبحث على المستوى الجيد مع برنامج هش وغير مساير لمتطلبات التلاميذ الصغار. بالإضافة إلى ذلك فإن البنية التحتية قد انهارت والمدارس بحاجة إلى الترميم، والضمير المهني يكاد يكون غائبا لدى البعض في وقت طغت فيه المادة على المعلم، وأصبحت الفاتورة كلها على كاهل الولي والتلميذ.
لا مفر برأيي من الرجوع إلى تفعيل الرسوب في المناظرات وهو النظام الذي كان سائدا قديما والذي كانت تتم بمقتضاه عملية غربلة على مستوى السنة السادسة من التعليم الإبتدائي. وكانت مناظرة ختم التعليم الإبتدائي تسمى في الماضي مناظرة السيزيام وكان يمتحن فيها كل تلاميذ الجمهورية في نفس الوقت ونتائجها كانت مثل البكالوريا ولا ينجح فيها إلا التلميذ صاحب الكفاءة.
لقد كان هناك أيضا في الماضي التعليم المهني بداية من السنة السادسة ويلتحق به مباشرة كل من لا يستطيع النجاح في المناظرة المتعلقة بختم التعليم الإبتدائي أو مناظرة السيزيام. وكان يتخرج من هذا التعليم المهني مهندسون وأصحاب خبرات مهنية عالية وهذا جعل الغرب ينجح لأنه يدرس الشعب المهنية متوازية مع الشعب الأخرى».
لقد أهملت تونس الأصل في التعليم، حسب محدثنا واهتمت بالقشور فتراجع تعليمها في السنوات الأخيرة بعد أن كانت في السبعينات وإلى حدود أواخر الثمانينات من أفضل الدول في التعليم على مستوى العالم وكانت شهادة البكالوريا التونسية، أي شهادة ختم التعليم الثانوي، يتم التدريس بها وكان معترفا بها عالميا في كل الجامعات. الآن تونس وبانتهاجها لسياسة تعليمية سيئة ألا وهي «الكفايات الأساسية» أضحت حسب السليماني، في مراتب سيئة لا تليق بها وبقيمتها الاعتبارية في مجال التربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي. ويؤكد محدثنا على أن الحلول واضحة وجلية ويعرفها القاصي والداني ومن بينها إبدال الكتب بأخرى وارجاع ما كان يسمى بـ«مدارس الترشيح للمعلمين والتي كانت تقدم تكوينا شاملا وأكاديميا هاما للراغبين في أن يصبحوا معلمين». كما يرى المربي التونسي أنه لا بد من ترك نظام الكفايات والرجوع إلى المناظرات الوطنية والتخفيف من البرامج وإصلاح البنية التحتية وتوفير التجهيزات وتحسين الحالة الاجتماعية للمربي.

مستقبل
الأجيال على المحك

وتعتبر إيمان النمري أستاذة التعليم الثانوي التونسية في حديثها لـ«القدس العربي» أن التعليم التونسي تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة بعد أن كان مضرب الأمثال وحديث القاصي والداني، لكنه بقي الأفضل مغاربيا وهو ما تؤكده المؤشرات العالمية الصادرة عن الجهات المختصة. ولذلك لا بد من تعهد هذا التعليم بالإصلاح ما استطعنا إلى ذلك سبيلا وفي أقرب الآجال باعتباره يتعلق بمستقبل تونس ومستقبل أجيالها القادمة.
ومن بين الأشياء الأساسية التي وجب تعهدها بالإصلاح، حسب النمري، مسألة الزمن المدرسي الذي وجب التخفيف منه حتى يجد التلميذ الوقت والجهد الكافيين لممارسة أنشطة أخرى على غرار الرياضة والموسيقى وغيرها. وحسب محدثتنا فإن التعليم الأنجع هو ليس التعليم الذي فيه برامج مدرسية كثيرة بالضرورة وبالتالي عند وضع البرامج وجب التركيز على الكيف وليس على الكم، أي على جودة البرامج وليس على كثرتها.
وتضيف قائلة: «ومن بين الأشياء التي وجبت مراجعتها في التعليم التونسي طرق ومناهج التدريس نحو الذهاب أكثر باتجاه الرقمنة والذكاء الاصطناعي والابتعاد قدر المستطاع عن التلقين والحفظ في بعض المواد. وبالتالي وجب الاهتمام بالبنى التحتية المدرسية المهترئة بترميم المدارس والسعي إلى بناء غيرها وتقريبها من المواطن وتجهيزها بحواسيب حتى نواكب أو نقترب قليلا من مدارس البلدان المتقدمة في أوروبا وشمال أمريكا وشرق آسيا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية