قرر الحلبوسي سحب وزراء ونواب تحالفه من الحكومة والبرلمان، على خلفية إنهاء المحكمة الاتحادية في العراق (أعلى سلطة قضائية) عضويته في مجلس النواب.
بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي تتواصل فيه الأحزاب السياسية في العراق الترويج لمرشحيهم الذين يرومون خوض انتخابات مجالس المحافظات المقررة في 18 كانون الأول/ديسمبر المقبل، عمّق القرار القضائي الأخير بإنهاء عضوية رئيس مجلس النواب زعيم تحالف «تقدّم» محمد الحلبوسي، الشكوك بإمكانية إجراء الانتخابات المحلّية في موعدها.
وقرر الحلبوسي سحب وزراء ونواب تحالفه من الحكومة والبرلمان، على خلفية إنهاء المحكمة الاتحادية في العراق (أعلى سلطة قضائية) عضويته في مجلس النواب.
ويتزعم الحلبوسي أحد أبرز التحالفات السياسية السنّية في العراق، الذي يعيش صدمة عقب الإطاحة بزعيمه من منصبه، الأمر الذي يشكّل فرصة لخصومه-أبرزهم تحالف «العزم» حليف «الإطار التنسيقي» الشيعي- لكسب مزيد من أصوات السنّة في المناطق المحررة.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر لـ«القدس العربي» إنه «في ظل تمسك القضاء العراقي بقراره فإن عودة الحلبوسي مستحيلة» معتبراً أن «عودة الحلبوسي إلى المشهد ستخلق أزمة أكبر من تلك المتعلقة بإبعاده».
ورأى أن «الكثير من الأطراف السياسية ستستفيد من إقصاء الحلبوسي. المستفيد الأكبر هم منافسو الحلبوسي (سياسيا وانتخابياً) داخل المكوّن السنّي» مبيناً أن «غياب الحلبوسي سيخلق حالة من الضعف في تحالف تقدم (الذي يتزعمه) المشارك في انتخابات مجالس المحافظات، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع حظوظ التحالف وتصدّر أطراف سياسية سنّية أخرى، بعد أن كان الحلبوسي الخيار رقم واحد للجماهير في المحافظات المحررة، وخصوصاً محافظته الأنبار».
وأشار إلى أن «أسهم تحالف تقدم ستتراجع بشكل كبير مما سيؤثر على مستقبله».
أما المحلل السياسي العراقي محمد علي الحكيم، فلم يستبعد تأجيل الانتخابات المحلية على إثر إقصاء الحلبوسي ودعوة زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، أتباعه إلى مقاطعة انتخابات مجالس المحافظات، ومنع «الصدريين» من الترشح فيها.
وذكر لـ«القدس العربي» أن «إقصاء الحلبوسي أعتقد قد يكون أولى تداعياته تأجيل الانتخابات، ناهيك عن مقاطعة التيار الصدري والقوى الناشئة».
وأفاد بأنه «في حال عدم مشاركة التيار الصدري وحزب تقدم، الانتخابات ستكون فاشلة بامتياز وإجراءها سيكون عبارة عن كسر عظم وفرضها على جميع القوى السياسية، لذلك أعتقد أن بإجرائها وعدم إجراءها ستكون النتائج مسبقاً واضحة المعالم».
ويرى الصدر «انهياراً وشيكاً» للحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، ولا يريد أن يكون وتياره جزءاً منها.
وخلال خطبة صلاة الجمعة الماضية في مدينة الصدر ببغداد، قال «خطيب الصدريين» ناصر الساعدي، أن دعوة زعيم التيار «قطعت الطريق أمام أية شخصية من التيار تروم الاشتراك بالانتخابات المحلية بأي صيغة كانت من ترشيح أو ترويج أو تثقيف أو غيرها».
وأضاف أن «الالتزام بالمقاطعة سيكون معياراً للانتماء للتيار» مخاطبا أنصار التيار قائلا: «أعلموا أيها الأحبة إن عدم مشاركتنا في الانتخابات سيقلل من شرعيتها خارجياً وداخلياً كما قال الصدر».
وأشار الساعدي إلى «قراءة أخرى» لدى الصدر ترتبط باحتمال أن «تواجه الطبقة السياسية مصاعب قد تصل إلى الانهيار بسبب الإدارة المالية والاقتصادية السيئة للبلاد وعمليات التوظيف الكبيرة خلال الفترة الأخيرة» مستدركاً بالقول: «لذلك أراد زعيم التيار الصدري ألاّ نكون جزءاً من هذه المنظومة المنهارة».
الدعوة الصدرية لمقاطعة الانتخابات لاقت ترحيباً شعبياً واسعاً خصوصاً لدى العشائر الموالية للتيار الصدري.
كامل محمد حبيب صكر الخفاجي، شيخ عشيرة خفاجة الزور في محافظة النجف، أكد في بيان أن «العشائر جزء لا يتجزأ من المجتمع العراقي والعربي، بل هي سباقة لطاعة المرجعية الدينية وتنفيذ أوامرها، وكما صرحت مرارا وتكرارا بأن مجالس المحافظات حلقة زائدة، وبعد ما اطلعنا على كلام (الصدر) من مقاطعة انتخابات مجالس المحافظات وتلبية لهذا النداء الحق فإننا لا ندعم ولا نرشح ولن نستقبل أي مرشح».
كما ساندت عشيرة الجروخ/ السراي، موقف الصدر وأعلنت «مقاطعة الانتخابات» قائلة في بيان صحافي: «لن نشارك في انتخاب الفاسدين. لن نشارك في انتخاب من قتل ثوار عاشوراء وثوار تشرين، لذلك دعوتنا للجميع مقاطعة الانتخابات من أجل نصرة كلمة الإصلاح وطرد جميع الأحزاب الفاسدة».
بدورها، أعلنت عشيرة السادة الشرع مقاطعتها للانتخابات عبر بيان قالت فيه: «نعلن نحن (السيد باسم السيد علي الشرع) رئيس السادة آل حسن الشرع، عدم دعم أي مرشح كائناً من كان، وعدم استقبالنا أي مرشح من أي حزب أو تحالف وحتى بعنوان مستقل، بل نعلن مقاطعتنا لانتخابات مجالس المحافظات المزمع اقامتها بالكامل، وهذا عهداً للعراق ولسيد الإصلاح (الصدر) ونحن لا نشترك في أي انتخابات يشترك بها الفاسدون والملطخة أيديهم بدماء الثوار لاسيما شهداء ثورة عاشوراء. فلا يجمعنا معهم حتى حب الحسين عليه السلام، لذا نهيب بكافة أبناء العشيرة مقاطعة الانتخابات».
كما أعلنت نحو 9 عشائر عراقية الاصطفاف مع زعيم التيار الصدري في دعوته لمقاطعة انتخابات مجالس المحافظات.
واستبعد المحلل السياسي العراقي، محمد علي الحكيم، إجراء الانتخابات المحلية في موعدها، مستنداً على التراجع في نسب المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة.
ويقول إن «دعوات مقاطعة الانتخابات من قبل التيار الصدري والقوى الناشئة ستكون مؤثرة وستلقي بظلالها على العملية الانتخابية (أن جرت) في تاريخها المحدد وهذا مستبعد لأسباب عديدة، والدليل على ذلك العد التنازلي في نسبة المشاركة منذ أول انتخابات ولحد اليوم» مشيراً إلى أنه «في الانتخابات الأخيرة رغم مشاركة التيار الصدري والكتل السياسية الناشئة والقوى المدنية، لكن نسبة المشاركة لم تتجاوز 19 في المئة، فما بالك إذا لم يشارك التيار الصدري والقوى المدنية الناشئة وسط دعوات لمقاطعة الانتخابات، إذن كم ستكون نسبة المشاركة، لذلك من المؤكد أن لا تتجاوز الـ10 في المئة».
وأوضح أن «هناك بوادر وضغوط من قبل الكثير من الأطراف الداخلية والعامل الإقليمي والدولي لتأجيل الانتخابات» منوهاً بأن «أصوات داخل الإطار التنسيقي تطالب بتأجيل الانتخابات المحلية، ما خلق حالة انقسام بين مؤيد لأجراء الانتخابات وبين مخالف».
وفي الأسبوع الماضي، دعا حزب «الوفاق الوطني» بزعامة أياد علاوي، إلى تأجيل انتخابات مجالس المحافظات.
وفي بيان له أكد الحزب «على تأجيل انتخابات مجالس المحافظات وسد باب من أبواب الفساد والمناورات المشبوهة، حيث تعد هذه المجالس هي حلقة زائدة في تركيبة الدولة».
واشار إلى «التمسك بقرار مقاطعة انتخابات مجالس المحافظات والتي هي في شكلها وإطارها الخارجي تجربة ديمقراطية عصامية لكنها في الحقيقة ومن خلال التجارب السابقة رسخت قيم الفساد بالشكل الذي جعل الفرد يعيش مرارة المرحلة ومتغيراتها، إذ وصل الأمر بها إلى بيع المناصب وتقسيمها وإعاقة المشاريع لمطامع سياسية».
ولفت الحزب في بيانه إلى «الاستمرار بمسؤوليته التاريخية في دعم المؤسسة القضائية وحياديتها لأنه يعتبر المسؤولية الأخلاقية والوطنية التي أوجبت على كافة السلطات والقادة وجميع شرائح المجتمع العراقي، إن يدعموا استقلال القضاء وان يمنحوه الدعامة الاجتماعية التي تزيده قوة وقدرة على مواجهة التحديات في هذه المرحلة العصيبة».
ويرى رئيس «مركز التفكير السياسي» الدكتور احسان الشمري، في توسع الانسحابات وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة بأن العراق سيكون أمام «عدم شرعية شعبية» للانتخابات المحلية.
وأضاف لإعلام نقابة الصحافيين العراقيين، إنه «منذ انسحاب نواب الكتلة الصدرية من البرلمان واستقالتها، يمكن ان نصفها بانها أول خطوات المواجهة مع الحكومة والإطار التنسيقي، لأنه رفض منهج المحاصصة الحزبية وتقسيم مؤسسات الدولة واحتكارها، ثم بعد عزلة السيد مقتدى الصدر أرسل رسائل إلى الحكومة ووصفها بعدة أوصاف، حيث كانوا سببا في خراب الدولة وطبيعة الاخفاق فيها».
وأوضح ان «التيار الصدري دخل في مرحلة جديدة من المعارضة السياسية وهي مقاطعة الانتخابات المحلية، والسبب وهو يرتبط بمحاولة فصل القاعدة الجماهيرية للتيار الصدري عن الانتخابات، وزيادة الضغط السياسي على قوى الإطار التنسيقي».
وأشار الشمري إلى أنه «من الناحية القانونية فإن الانتخابات تتحقق بعدم مشاركة جماهير التيار الصدري، وحتى وان كانت نسبة المشاركة 1 – 2 في المئة، وهذا خطأ ترتكبه الكتل السياسية، لعدم وجود مشاركة واسعة للانتخابات» لافتا إلى ان «الشريحة الشعبية ستكون مفقودة، لان مقاطعة التيار الصدري سيكون غياب طرف مهم من المكون الشيعي أولا وطرفا مهما من المكونات السياسية وسيحفز القوى الأخرى وخاصة الناشئة على الالتحام معه والغياب عن الانتخابات ومقاطعتها».
وبتوسّع الانسحابات وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، يؤكد الشمري قائلاً: «سنكون أمام عدم شرعية شعبية للانتخابات».
ووسط ذلك، لم يستبعد المحلل السياسي علي البيدر الذهاب إلى انتخابات برلمانية مُبكّرة، لكنه أكد وقوف «الإطار» الشيعي لمنع حدوث ذلك.
ويضيف قائلاً: «اللجوء إلى خيار الانتخابات المُبكرة أمر مطروح ومتداول، لكن المكوّن الشيعي يرفض هذه الخطوة، بكونه سيكون أول المتضررين في حال اتخاذها، وسيدفع باتجاه بقاء الحكومة الحالية إلى نهاية عمرها، سيما إنها حققت بعض النجاحات رغم إنها بسيطة، لكنها حازت على رضا الشارع من خلال أنشطتها الخدمية وخلق حالة من الاستقرار السياسي».
واعتبر أن ذلك «يجعل من الإطار التنسيقي (الشيعي) يدافع عن استمرارها لحين انتهاء الدورة الانتخابية الحالية في 2025».
من جهته، يشير الحكيم إلى أن «أغلب القوى السياسية تطالب بتأجيل الانتخابات، وحتى الإطار التنسيقي باستثناء الخزعلي (زعيم العصائب) والمالكي (رئيس ائتلاف دولة القانون)» مبيناً أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني «يريد تأجيل الانتخابات» عازياً السبب في ذلك إلى إن «تشكيل مجلس المحافظات سيحد من تدخله بتعيين المحافظ وإقالته وستوكل المهمة لمجلس المحافظة».
ووفق معلوماته فإن «أغلب القوى السياسية تريد تأجيل الانتخابات واقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، لكي تكون كلا الانتخابات في يوم وموعد واحد» لافتاً إلى أن «مجالس المحافظات حلقة فاسدة لفائدة أغلب القوى السياسية الفاسدة منها، وإن اصرار بعض القوى السياسية لإجرائها خير دليل على ذلك، لتحقيق مآرب ومكاسب القوى السياسية ولتنشيط الاقتصاديات التي تتميز بها أغلب القوى السياسية».