إنعام كجه جي في “سواقي القلوب” نموذجاً: رواية الكاتب الأولى

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

يرى بعض المعلّقين، من أصحاب التوجّه النقدي، أن الرواية الأولى للكاتب غالباً ما تأتي حاملة بعض المثالب، بسبب عوزها إلى الخبرة الطويلة والتجربة. لكني لا أجد هذا الكلام ينطبق على الروائية العراقية المبدعة إنعام كَجهْ جي (وأحسب أن اسم عائلتها يجب أن يكتب كلمة واحدة: كججي، بالجيم المعجمة بثلاث نقاط) فهذا اسم موصلي عريق يُعرف في بلاد الشام بصورة “لبابيدي” لأن كلمة “كجة” بالتركية معناها اللبّاد، و”جي” تفيد الصانع أو التاجر بتلك المادة، مثل تَنكجي أي المتعامل بالتَنَك، أي الصفيح المعدني المعروف، والجرجفجي، صانع الشراشف أو المتاجر بها، ومثل ذلك كثير: توتونجي، أي بائع التتن أي التبغ، قهوجي، للقهوة.

رواية إنعام الأولى “سواقي القلوب” وُلدت مكتملة عام 2005. هي رواية تصور الضياع في أقسى أشكاله: ضياع الإنسان إذا خرج عن أرض وطنه يطلب أرض وطن أخرى، كما يضيع الماء إذا خرج من ساقيته إلى ساقية أخرى، قد يغدو إلى حين في منزلةٍ بين المنزلتين، ولكنه لا يلبث حتى يصير لا هو هذا ولا ذاك، فتصبح العودة إلى الساقية الأولى غير ميسورة، لأن “النهر للمنبع لا يعود” كما يقول شاعر الشتات: البياتي.

إنعام، مثل شخصياتها السبع في روايتها الأولى هذه، الشخصيات الرئيسية التي تصوّر فكرة الضياع، عراقية بغدادية مثقلة بظلال موصلية، تقيم في باريس مثل “زمزم” حَنقَباز السماوة، أي الألعُبان، أو الشارلتان، عراقي من السماوة إلى الجنوب من بغداد، بَعثي سابقاً، ناقم منقلب لاحقاً، لاجئ إلى باريس هرباً من ماضيه، مثل الراوية، إنعام، التي تتقمص شخصية الممثل الرئيس، ذلك الشيوعي سابقاً، الناقم المنقلب لاحقاً. هاتان ساقيتان تتجاريان معاً ولا تختلطان، ضائعان يحاولان الرجوع إلى المنبع ولا يفلحان، ويبقى الضياع مكتوباً على جبينيهما. وثمة “كاشانيّة” بنت “ميساك” الأرمنية التي خرجت عن ساقيتها إثر مجزرة أهلها الأرمن في الحرب العالمية الأولى، لا يفاجئنا ظهورها لاجئة في الموصل، وهي طفلة تتبناها “أم شيت” الأرملة المسلمة الموصلية، فتضمّها إلى أولادها الخمسة. ضائعة أخرى، مسيحية في دار مسلمة تحنو عليها، وترسلها إلى الكنيسة صباح الأحد وتعطيها أربعة فلوس لتوقد شمعة للعذراء وفاء لنذر قديم، كما كانت الكثيرات يفعلن في عراق ما قبل الغزو.

وثمة ضائعة أخرى، ضائعة في وطنها الذي لم تهاجر منه مثل الآخرين. وهذا من أقسى أنواع الضياع… كان الراوية متعلقاً بحبها، لكنهم زوّجوها إلى من لا تحب، لأنه غني، خلاف المناضل المسكين رهين المبدأ السياسي.

نجوى الضائعة في وطنها باقية على حب صاحبها، الحبيب الأول، الضائع في باريس تلتجئ اليه ليساعدها في ورطة ابنها الوحيد (على راس ثلاث بنات) هو ساري الضائع بين الذكورة والأنوثة. نجا من عدة مواقع في الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980 ـ 88 وتعقدت ورطته الصحية في اختلاط ذكورته عند الولادة بأنوثته التي تطورت بظهور أعراضها عليه. فالتجأت الأم نجوى إلى الأطباء الذين أوصوا بلزوم أجراء عملية جراحية دقيقة للجندي الشاب، لا تتيسر إلا في بلد أوروبي متقدم في الطب والجراحة. وهنا تدخل الروائية في مسرح اللامعقول، الأكبر من عنصر الإدهاش وغير المتوقع. يتصل ساري بالرئيس الذي كان مستعداً لمقابلة المحاربين أصحاب المشكلات الخاصة، ويعرض عليه بأسلوب مدهش في بساطته أن الأطباء أوصوا أن تجرى له جراحة دقيقة، وأين؟ في باريس حيث يوجد أصدقاء لوالدته لن يتركوه وحيداً. في فورة من الكرم اللامعقول يأمر الرئيس بإرسال ساري إلى باريس، وتكليف السفارة للقيام باللازم مع مليون يورو مصاريف. هل من لا معقول بعد هذا اللامعقول؟

مشكلة الحبيب الأول، راوية الأحداث، وصحبه مثل زمزم وكاشانيّة هي كيفية استقبال ساري والقيام بالواجب، وجميعهم لاجئون محددة إمكاناتهم. لكن الحبيب الأول لا يردّ طلباً لمن أحبها قبل أن تضيع في زيجة لم يسعَد بها أحد. فاستطاع الراوية ـ العاشق أن يجري الاتصالات ويوصل ساري إلى المستشفى الذي نجح في زرع الأنوثة في الفتى ساري، الذي انقلب إلى الفتاة سارة. وما تبع من تفصيلات وأوصاف أدهشت الراوية وصحبه. ونشأت مشكلة غير متوقعة: كيف التعامل مع السفارة العراقية المكلفة من “الجهات العليا” برعاية ساري ـ سارة؟ وهو ـ هي في رعاية اثنين من العراقيين الهاربين إلى باريس، وهما من أصحاب السوابق؟

زمزم، حَنقَباز السماوة لا يعنيه شيء مما يحدث، فهو منغمس في الشراب ليل نهار. كاشانيّة توفّر الجو العائلي من طعام ونبيذ، بما تملك من مال، لم يجرؤ أحد على سؤالها من أين لكِ هذا، حتى تبيّن أخيراً أنها كونتيسة، زوجة كونت من تولوز في فرنسا. لكن عقابيل تحوّل ساري إلى سارة تعقدت بمحاولة القنصلية العراقية تجنيد ساري ـ سارة للتجسس على هذين المُنقلبَين سياسياً. لكن ذلك لم ينجح لأن ابن نجوى لا يمكن أن يخون من قدم له تلك الخدمة الكبرى. وكان ذلك مما أغضب السفارة، في شخص القنصل الذي لم يكن من الصنف الذي يحترمه السياسيان المنقلبان. فنعلم لاحقاً أن المريض المتعافى وُجد مقتولاً في منطقة بظاهر باريس، فتوجهت أصابع الاتهام، منطقياً، إلى السفارة التي أخفقت في تجنيد الضحية للتجسس.

وموضوع الحب، هو الآخر، لا يغيب عن هذه الرواية. فالهاربان من الوطن، لاجئين إلى باريس، ثمة سوزان فرنسية لكل منهما، مثل الكثير من الهاربين أو القادمين للدراسة. لكن الحب لكل سوزان هو حبٌّ لا ينتهي بزواج، يقول عنه الشاعر الكبير سليمان العيسى: “كل حُبّ لا ينتهي بزواجٍ/غير مُجدٍ في ملّتي واعتقادي”. هذه صورة أخرى للضياع في هذه الرواية. نجوى حبيبةٌ أضاعها حبيبها الذي اغترب إلى باريس. فلما ظهرت “سراب” لاجئة أخرى من أهل الكرّادة في بغداد، مثل الراوية، اقتربت مياه الساقيتين، فوقع العاشق المتقاعد في حبها، وقد عرف أنها مثله، ولو على مضض. ولكن سرعان ما ظهرت أعراض السرطان على سراب، فلم يدُم الحبّ العنيف طويلا، أذ قضى المرض على هذه الحبيبة غير السوزانية، فاقتضى مسرح اللامعقول أن يعقد هذا العاشق الضائع قرانه على الحبيبة سراب وهي على فراش الموت. وثمة موت حبيبة أخرى، سارة، التي ضاعت عن حب أمّها نجوى وهي تنتظر عودتها سالمة. وتتواصل أحداث اللامعقول برحلة السيارة التي تحمل الراوية المتحرّق إلى عودته إلى وطنه وبغداد، صُحبة كاشانيّة المتحرقة للعودة إلى بغداد، مرتع حبها وزوجها الكونت، وعلى سطح السيارة جثمان سارة، تلفعه شمس “طريبيل” نقطة الحدود العراقية ـ الأردنية، ويزيد من قبح الموقف إجراءات شرطة الحدود، ودفع الرشاوى للإسراع بالمعاملة، وقذارة الغرف التي يعملون فيها، وقحل الطريق الصحراوي إلى بغداد.

إلى جانب هذه الأجواء القبيحة، والمشاعر المؤذية، تبقى صوَر الحياة في باريس في ذهن المغتربين النقيض الصارخ للحياة التي خبروها سابقاً والتي يأملون بالعودة اليها. كل شيء في هذه الرواية صادق في واقعيته، حتى صور الكوابيس في رأس العائد إلى وطنه. نجد ذلك في الأوصاف الدقيقة إلى حيث كان الراوية يسكن، في الكرادة أو اليرموك. كما نجد الواقعية في قباحة اللغة البذيئة التي يستعملها زمزم وغيره، وهي أصدق تعبير عن شعور المتكلم. فقد أحصيتُ حوالي عشرين كلمة وعبارة بذيئة في هذه المئة وخمسين صفحة من الرواية. هل أقول إن تطريز الكلام بمفردات بذيئة، وكلمات كفرية، هي من بعض سمات المحكية العراقية، لأنها “تفوّخ الكَلب” بالكاف المعجمة، ومن الأمثلة على ذلك شتائم مظفر النواب في “مغازلة” أصحاب “القدس عروس عروبتنا”.

ويجب إلاّ ننسى اللحن الرئيس الذي لا يغيب عن أجواء الرواية، وهو الحنق على السياسة ومسالكها التي أودت بمعتنقيها عندما اكتشفوا الفرق بين الشعارات والتطبيق وهي مشاعر الشيوعي السابق والبعثي السابق معاً. ولم يكن الفجر الكاذب سوى صورة القنصل في السفارة العراقية الذي سارع بالاختفاء عندما سمع بالانقلاب على النظام السياسي الذي يسّر له ذلك المنصب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية