ابن عروس يقف أمامي

فجأة وجدت نفسي أريد العودة لمربعات بن عروس. تذكرت أن هناك خلافا حول وجوده، كتب فيه كثير من الكتاب. هل كان شخصية حقيقة فعلا في مصر في زمن المماليك، وهل كان كما يقال قاطع طريق توقف عن ذلك وراح ينشد تأملاته في الحياة؟ هل هو تونسي وأحيانا يقال إنه مغربي؟ لم أشأ أن أشغل نفسي بهذا، فقد جاء اشتياقي لأشعاره في وقت حاصرتنا الحياة بالتفاهات في السياسة والمجتمع.
أذكر عام 1979 وكنت عائدا من العمل لمدة عام في المملكة العربية السعودية، أن وجدت بين شرائط التسجيل رباعيات صلاح جاهين بصوت علي الحجار وألحان سيد مكاوي، فجعلتها تملأ فراغ البيت كل يوم لا أوقفها إلا قبل أن أنام. كانت هذه أول مرة أستمع لعلي الحجار فأحببته جدا، أما سيد مكاوي فعشق قديم لا ينتهي، كذلك صلاح جاهين.
كثير من معاني وتأملات صلاح جاهين تدخل بك في المنطقة الوجودية لفهم العالم، أو للإحساس به، وتذكرني برباعيات الخيام، فهي أيضا تدخل بك في منطقة المعاني الوجودية للعالم والبشر والحياة. ورغم أني قارئ للفلسفة، وأعرف هذه المعاني ومقتنع بها فكريا وروحيا، إلا أن صياغتها الشعرية تغنيك عن عشرات الكتب الفلسفية، وحين تسمعها غناء تتسع الدنيا حولك، رغم أن كثيرا منها يوحي بالعدم كنهاية لكل شيء، أو كفراغ يحيطنا وإن لم نكن نراه.. رباعيات الخيام بدورها دخلت منطقة الشك عند الباحثين والمؤرخين، فقد عاش عمر الخيام في القرن الثاني عشر الميلادي، وكان شاعرا وفيلسوفا وعالما في الفلك، ونُسبت إليه أكثر من ألفي رباعية، لكن الأغلبية من الباحثين يقولون إن كثيرا جدا منها ليست له، وإن الصحيح منها لا يزيد عن مئتين. لقد ترجمها أكثر من مترجم للعربية، منهم أحمد الصافي النجفي وعيسي المعلوف ووديع البستاني وأمين نخلة وغيرهم، لكن أكثرهم شهرة كان أحمد رامي، خاصة حين غنت أم كلثوم شيئا منها له. لم تغنِ أم كلثوم كل ما ترجم طبعا، لكنهما اختارا منها ما يناسب الأغنية والفضاء العام للمعاني، فبلغت شهرتها السماء منذ غنتها أم كلثوم عام 1963 بتلحين رياض السنباطي. حتى أشهر الترجمات للغات غير العربية، ومنها ترجمة إدوارد فيتزجيرالد في القرن التاسع عشر، قيل إن المترجم أضاف إليها رباعيات من تأليفه. كان حظ صلاح جاهين أفضل، فقد كتب الرباعيات في عصر يتم فيه تسجيل كل شيء في كتب أو غناء، ويكون من الصعب الاختلاف حولها، وإن كنا نرى الآن في السوشيال ميديا من ينسبون إلى الشعراء والكتاب ما لم يقولوه، لكن من السهل اكتشافه، ولا يحتاج المرء إلى سنوات ليكتشفه، فكما تضلل السوشيال ميديا، تساعد بسرعة على اكتشاف التضليل. المهم أنك تستطيع أن تعود إلى رباعيات صلاح جاهين بسهولة وتتأملها، فقد نُشرت في حياته، ويظل الخلاف حول رباعيات الخيام الكاملة، ورباعيات أو مربعات ابن عروس، الذي شمل الاختلاف وجوده في مصر من عدمه. مربعات بن عروس باللهجة العامية المصرية. تماما كرباعيات صلاح جاهين في ما بعد، لذلك أندهش من الحديث عن كونه غير مصري، لكن طبعا البعض يقول إن التونسي أو المغربي، زار مصر وعاش فيها بعض الوقت.

لا أريد أن انحاز إلى جانب، لكن عامية قصائد بن عروس لا تقول أنه مجرد زائر. عاميته تقول إنه مصري المنشأ والنهاية، لكن لنبتعد ونختار بشكل عشوائي شيئا منها. شيئا مما صار أمثلة شعبية نتذكرها كلما نظرنا حولنا أكثر، أو حتى ونحن نجلس وحدنا. وقبل ذلك أفسر باختصار لماذا سميت بالرباعية.

لا أريد أن انحاز إلى جانب، لكن عامية قصائد بن عروس لا تقول أنه مجرد زائر. عاميته تقول إنه مصري المنشأ والنهاية، لكن لنبتعد ونختار بشكل عشوائي شيئا منها. شيئا مما صار أمثلة شعبية نتذكرها كلما نظرنا حولنا أكثر، أو حتى ونحن نجلس وحدنا. وقبل ذلك أفسر باختصار لماذا سميت بالرباعية. السبب أنها تتكون من بيتي شعر، تبدو شطورها الأربعة مستقلة لكنها متصلة، وتتشابه فيها قافية الشطر الأول والثالث، كما تتشابه قافية الشطر الثاني والرابع. انتشرت في صعيد مصر، وظهرت في السيرة الهلالية، وتتولد منها المعاني عابرة الزمان بنت الخبرة العميقة والتأمل في الحياة، ويقال عنها رباعيات أو مربعات. لقد اختفى المغني الشعبي الذي كان يدور على المقاهي يغني من السيرة الهلالية أو غيرها، وأحيانا يضع المربعات بين غنائه فيعرفها الناس. لقد صارت معرفة الناس بها الآن من القراءة أو السوشيال ميديا، لكن يوما ما كانت تتلوها الفرق الشعبية بصوت خضرة محمد خضر، وما زالت بأصوات مثل الشيخ زين محمود، أو الشاعر الصعيدي عبد السميع محمد. سميت المربعات الزجلية بفن «الواو» لأن الراوي كان يبدأ الرواية بقوله» وقال الشاعر» وصارت هذه سمة مميزة للراوي فسمي هذا الشعر بها.
ومن أهم الشعراء المصريين الآن الذين يبدعون في هذا الفن، الشاعر عبد الستار سليم، الذي كتب كثيرا رائعا من شعر الفصحى، لكنه قام ببحوث رائعة في هذا الفن وتاريخه وجمع منه الكثير جدا، وأبدع فيه أيضا. وفسر كيف كثيرا ما يلجأ فن الواو للتورية والكلام غير المباشر، ليفلت من رقابة عصور الاستبداد.
نعود إلى بن عروس الذي أحالتني الأيام إليه أكثر من كل وقت، وكيف صارت مربعاته أشبه بالأمثلة الشعبية عابرة الزمن، ومن أكثرها شيوعا مثلا:
«إوعى تقول للندل ياعم
وإن كان على السرج راكب
ولا حد خالي من الهم
حتى قلوع المراكب»
***
«جاني طبيب مع العصر
وف إيده ماسك عصايا
أتاري طبيبي قليل الأصل
من خصمي جاب لي الوصاية»
***
«طبيب الجراح قوم الحق
وهات لي الدوا اللي يوافق
فيه ناس كتير بتعرف الحق
ولاجل الضرورة توافق»
***
«ما أشقاك يا شاهد الزور
في الحشر حالك يحزن
ذنبك لدى الناس مشهور
وفي يوم يبان المخزِّن»
***
«ماحد خالي من الهم
حتى الحصى في الأراضي
لا له مصارين ولا دم
ولا هو من الهم فاضي»
***
«مسكين من يطبخ الفاس
ويريد مرق من حديده
مسكين من يعاشر الناس
ويريد من لا يريده»
***
«الندل له طعم مالح
وله خصايل ذميمة
القرب منه فضايح
والبعد عنه غنيمة»
***
«الليل ماهو قصير
إلا على اللي ينامه
والشخص ما دام فقير
ماحد يسمع كلامه»
***
«اللي على الخير هنيه
وبشره بالغنيمة
واللي على الشر عزيه
بكره يلاقي الهزيمة»
***
«الناس للكف باسطين
والكل عايز نوالك
واللي خضع لك وباس طين
للشر هو نوى لك»
***
طبعا يمكن تفسير كل رباعية بما نراه حولنا، لكن السؤال هو لماذا على مرّ التاريخ لم يقتنع أصحاب الصورة السيئة في الرباعيات بها ويتعظون. ما سر خلود الرباعيات إلا خطايا البشر، لكن نبتعد عن التأملات في ما بين البشر قليلا وندخل في مناطق مثل الحب فنقرأ:
«جاني جواب من البلد
وسلام حبيبي فيه
مكتوب بحرف الألم
والدمع باين فيه»
***

«يابنت جمالك هبشني
والهبشة جت في العباية
رمان صدرك هبشني
وخلى فطوري عشايا»
***
طبعا وصف الصدر بالرمان أمر شائع في مصر، وفي التراتيل الفرعونية القديمة، ما يشير إلى ذلك، وشاع جدا مع أغنية «يابتاع التفاح» لعبد الغني السيد التي غناها في أربعينيات القرن الماضي من ألحان محمود الشريف، وكان التفاح للخد والرمان للصدر، والأغنية مرثية للمرأة الجميلة التي لا تترك أحدا يقطف من ثمارها، ودعوة للحياة. ونعود لابن عروس:
«سحبت سيف المحبة
لاجل ما ارميه
رمش بعينه رماني
قبل أنا ما ارميه»
وهنا رجل لا يريد أن يقع في الحب لكن رمشة العين سحرته.
***
وننهي المقال:
«لا بد من يوم معلوم
ترتد فيه المظالم
ابيض على كل مظلوم
اسود على كل ظالم»
لكن أيضا من باب العظة وليس اليأس، ننهي بهذه الرباعية:
«دنياك ما فيها مغنم
مرجوعها له لا شيِ
شبه اللي بات يحلم
طلع النهار مالاقاشي».

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية