القاهرة ـ «القدس العربي»: يعقد وزراء خارجية وري مصر والسودان وإثيوبيا اجتماعاً، اليوم الإثنين، في العاصمة الأمريكية واشنطن، بمشاركة وزير الخزانة الأمريكي ورئيس البنك الدولي لتقييم موقف مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وما انتهت إليه الاجتماعات الأربعة التي عقدت على مدار شهرين لوضع قواعد لسياسة ملء بحيرة السد وسياسة تشغيله.
وكشفت مصادر عن أن اجتماع واشنطن ربما يقرر مد فترة التفاوض لشهر آخر، على أمل تمكن وفود الدول الثلاث من الوصول لاتفاق بشأن النقاط الخلافية.
وقال خبراء إن «خيارات مصر حال فشل اجتماع واشنطن في إيجاد حلول للأزمة تتمثل في اللجوء الى وسيط، وإذا ما فشلت هذه الخطوة يتم اللجوء إلى الهيئات الدولية، وأخيرا الذهاب إلى محكمة العدل الدولية».
واستبق رئيس وزراء إثيوبيا أبيي أحمد، اجتماع اليوم، بالطلب من رئيس جنوب افريقيا سيريل رامافوزا التدخل في الخلاف.
ودعا أبيي، الذي يزور جنوب افريقيا في عطلة نهاية الأسبوع، رامافوزا إلى التدخل في المفاوضات نظراً لأن بلاده ستتسلم رئاسة الاتحاد الأفريقي خلفا لمصر هذا الشهر.
وصرح في مؤتمر صحافي في بريتوريا، العاصمة السياسية لجنوب افريقيا «نظراً لأن رامافوزا صديق حميم لكل من إثيوبيا ومصر، وأيضاً بوصفه الرئيس الجديد للاتحاد الأفريقي، فيمكنه إجراء محادثات بين الطرفين لحل القضية بشكل سلمي».
وصرح رامافوزا أن بلاده منفتحة على لعب دور في تسهيل التوصل «إلى أي اتفاق تتم صياغته».
وأضاف «الأمر السار، بالنسبة لي، هو استعداد البلدين لبحث هذه المسألة وايجاد حلول».
وأكد أنه أثار هذه المسألة بالفعل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «وهو مستعد لإجراء محادثات مع إثيوبيا».
ويأتي اجتماع واشنطن اليوم، بعد أن اختتمت الاجتماعات الفنية الأربعة برعاية أمريكية أعمالها، الخميس الماضي، في العاصمة أديس أبابا، دون التوصل لاتفاق بشأن الخلافات، وفي وقت تصاعدت فيه الاتهامات بين أديس أبابا والقاهرة، حول السبب في فشل المفاوضات، فبينما اتهمت الأولى الثانية بطرح رؤية غير قابلة للتحقق من خلال التمسك بفترة ملء سد النهضة خلال فترة تتراوح بين 12 و21 سنة، ردت القاهرة باتهام أديس أبابا بالتعنت ومحاولة فرض تحكمها على النيل الأزرق.
هجوم مصري على إثيوبيا
وشهدت مصر موجة من الهجوم شنها البرلمان المصري على إثيوبيا، وقال سليمان وهدان، وكيل مجلس النواب المصري، إن «بيان وزارة الخارجية المصري حول الاجتماع الوزاري لسد النهضة المنعقد في إثيوبيا يومي 8 و9 يناير/ كانون الثاني الجاري، جاء شاملا وقويا»، معتبراً أنه يوضح حقائق مفاوضات سد النهضة والتعنت الإثيوبي.
وقال وهدان، في بيان صحافي إن «تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي تخرج عن حدود اللياقة الدبلوماسية وتستفز مشاعر المصريين وتزيد من الاحتقان بين الشعبين المصري والإثيوبي، وتضر بعملية التفاوض بين البلدين للوصول لأفضل حل ممكن بما لا يؤثر على حصة مصر في مياه النيل».
وشدد على أن «المفاوضات بين وزراء الموارد المائية لمصر والسودان وإثيوبيا كشفت عن تعنت الجانب الإثيوبي فيما يخص فرض سياسة الأمر الواقع وملء سد النهضة بما يضر بمصر، وهو أمر لن يتم قبوله بأي شكل»، لافتاً إلى أن «الجانب المصري وضع كل الحلول التي تخدم التنمية وتوفر الكهرباء لإثيوبيا، وذلك بما لا يتعارض مع حقوق مصر التاريخية والموثقة والمحصنة بالقوانين والاتفاقيات الدولية».
وتابع: «مجلس النواب بدوره يقف خلف القيادة السياسية، وكله ثقة أن حقوق مصر المائية في يد أمينة تعي جيدا أن مياه النيل هي حياة أو موت بالنسبة للمصريين»، مشددا على أن «المجلس يؤيد كل خطوات المفاوض المصري من أجل حق مصر في النيل».
رئيس لجنة الشؤون الأفريقية في مجلس النواب، طارق رضوان، قال إن «السياسة التي تتبعها إثيوبيا حول ملف سد النهضة لا تستهدف حل الأزمة إطلاقًا بل تعقدها من حين لآخر».
وشدد على أن «إثيوبيا تريد فرض السيطرة على النيل الأزرق، وملء وتشغيل سد النهضة دون أدنى مراعاة للمصالح المائية المشتركة لدول المصب بأي شكل من الأشكال».
وقال: «القيادة السياسية للدولة المصرية لن يُفرض عليها أي قرار يضر بمصلحة الشعب المصري، ولن تفرط في حق المصريين بمياه نهر النيل باعتباره شريان الحياة وقضية أمن قومي».
وأعرب عن استنكاره الشديد من تعامل الجانب الإثيوبي حول استراتيجية ملء خزان سد النهضة، مضيفا: «إثيوبيا تستهدف ملء السد دون تطبيق أي قواعد توفر ضمانات حقيقية لدول المصب وتحميها من الأضرار المحتملة لعملية الملء، مما يكشف اعتمادها على عدم حل المفاوضات والمباحثات التي تعقد منذ سنوات».
وفق وزير الموارد المائية والري الأسبق، محمد نصر الدين علام، «أديس أبابا ترى أن النيل الأزرق نهرًا إثيوبيا داخليا وليس دوليا مشتركا، في تعدٍ صريح على القانون والأعراف الدولية في ذات الشأن».
وأضاف في تصريحات صحافية أن «إثيوبيا تخطط لإقامة عدد من السدود الكبرى على النيل الأزرق، وكذلك توسعات زراعية مروية بالإضافة إلى الاستفادة من مياه النهر للتغلب على مشاكل الجفاف التي تحدث من حين لآخر في البلاد».
النموذج الكيني
وأشار إلى أن «الأمر لا يختص فقط بإقامة سد النهضة لتوليد الكهرباء لكنه جزء من مخطط أكبر للتحكم الكامل في مياه النيل الأزرق، وقد تطمع في تكراره في بقية روافد النيل الأخرى التي تأتي من الهضبة الإثيوبية، السوباط وعطبرة».
توقعات بمد فترة التفاوض… وخبراء: التحكيم الدولي بين خيارات مصر في حال تواصل الأزمة
وذكَّر بسابقة مماثلة لإثيوبيا على نهر أومو المشترك مع كينيا، حين «أقامت عليه أديس أبابا 4 سدود كبرى لري مساحات كبيرة من قصب السكر ولتوليد الكهرباء وتصديره».
وأضاف أن «النتيجة كانت جفافا في أسفل النهر وبحيرة المصب في كينيا ما أدى إلى هجرة عشرات الآلاف من مواطنيها بعد فقدان مساحات زراعية كبيرة وثروة سمكية ضخمة».
وتابع أن «القيادة السياسية والمفاوض المصري على دراية بكامل الصورة واحتمالاتها المختلفة»، داعيا إلى اتخاذ مواقف حاسمة.
وأعرب عن أمله في تراجع إثيوبيا عن «أحلامها التوسعية والمعادية واغتنام فرصة المفاوضات الحالية لتنمية بلادهم وتحقيق التعايش السلمي مع جيرانها بدلا من الدخول في نزاعات استراتيجية غير مضمونة».
محمود أبو زيد، وزير الموارد المائية والري الأسبق وخبير المياه الدولي، قال إن «خطوات مصر القانونية لحل قضية سد النهضة محددة وواضحة، تبدأ بمباحثات، وإذا ما تعثرت يتم اللجوء لوسيط، وإذا ما فشلت هذه الخطوة يتم اللجوء إلى الهيئات الدولية، وأخيرا الذهاب إلى محكمة العدل الدولية».
وأضاف أن «مصر لن تسمح لإثيوبيا أن تلجأ دوما الى المناورة والالتفاف وسوف تلجأ للمجتمع الدولي، بالإضافة للدول الصديقة لمصر وإثيوبيا من أجل التوسط بين الأطراف الثلاثة لحلحلة حالة التعثر الحالية سعيا للوصول الى حق واتفاق متوازن يحافظ على حقوق مصر والسودان وإثيوبيا في الوقت نفسه «.
ووفق توقعاته «سيتم خلال اجتماع واشنطن اليوم بحضور وزراء الخارجية والري والخزانة الأمريكية والبنك الدولي الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة في صورة اتفاق للضغط على الأطراف المعنية بهدف الإبقاء على مسار التفاوض حتى الوصول للهدف المنشود».
واعتبر أن «الجانب الإثيوبي يحاول أن يتنصل من وعوده ومسؤوليته الواردة في إعلان المبادئ والتي تمت بتوقيع كافة الأطراف الثلاثة مصر، السودان، وإثيوبيا».
وزاد أن: « مصر حريصة على إثبات الحقائق الخاصة بالأضرار التي ستنجم عن تشغيل وملء سد النهضة».
وأشار إلى أن «مصر استنكرت في بيان شديد اللهجة، مغالطات البيان الإثيوبي الأخير بشأن الاجتماع الوزاري لسد النهضة الذي عُقد اليومين الماضيين، رافضة بيان الجانب الإثيوبي جملة وتفصيلًا».
وأوضح أن «فشل المفاوضات يعكس تشددا وتعنتا غير طبيعي ولا يتماشى مع القانون الدولي والأعراف الدولية».
وأشار إلى «وجود الولايات المتحدة والبنك الدولي كمراقبين فقط للمفاوضات المصرية الإثيوبية ما زال حتى الوقت الراهن»، مؤكدا أن» مصر حريصة على طرح وجهة نظرها والموقف المصري الخاص بها وهو ضرورة الحفاظ على حقوق مصر المائية وعدم الإضرار بمصالح دول المصب وخاصة مصر والسودان».
«تعنت» أديس أبابا
وأكد أنه «في ظل التعنت والتشدد الإثيوبي لا يكون هناك حل بالنسبة لملء وتشغيل سد النهضة، وهذا يتنافى مع اتفاق إعلان المبادىء».
وأضاف أن الفترة الزمنية لملء خزان سد النهضة الإثيوبي ليست نقطة جوهرية في المفاوضات بقدر الأهمية الكبيرة لآليات التشغيل وارتباطها بفترات الجفاف والجفاف الممتد المتوقع حلولها خلال المئة عام المقبلة والتي تعتمد على مراحل تعتمد على هيدرولوجية النيل الأزرق ومراعاة التصرفات الخارجة من السد في الظروف الهيدرولوجية المختلفة.
وقال إن «الطريقة التي تتعامل بها إثيوبيا في مفاوضات سد النهضة، لا تليق بحجم الأزمة التي سيتسبب فيها السد»، مضيفًا أن «التعنت غير المبرر من أديس أبابا يعيق التفاوض».
وبدأت إثيوبيا في 2011 بإنشاء سد النهضة على النيل الأزرق بهدف توليد الكهرباء. وتخشى مصر من تأثير السد على حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب، تحصل على أغلبها من النيل الأزرق.
وكانت مصر قد أعلنت في وقت سابق وصول المفاوضات حول سد النهضة إلى طريق مسدود، قبل أن تتدخل واشنطن وتدعو وفودا من الدول الثلاث لمناقشة الأزمة في واشنطن في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
وأعلنت إثيوبيا أن السد الضخم الذي تبلغ كلفته أربعة مليارات دولار، سيبدأ انتاج الكهرباء بحلول نهاية 2020 وسيكون في كامل طاقته العملانية في عام 2022.
ومن المقرر أن يصبح سد النهضة أكبر محطة كهرومائية في افريقيا مع انتاج ستة آلاف ميغاوات. وتؤكد مصر أن «حقها التاريخي» في نهر النيل مضمون بموجب سلسلة من المعاهدات.
ويلتقي النيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا، مع النيل الأبيض في الخرطوم ليشكلا نهر النيل الذي يعبر السودان ومصر قبل أن تصب مياهه في البحر المتوسط.