صنعاء – «القدس العربي»: شهدت مدينة عدن، أمس الثلاثاء، احتجاجات شعبية غاضبة عبّر عنها المحتشدون في ساحة العروض في خورمكسر وسط المدينة جنوبي اليمن، منددين بتدهور الأوضاع المعيشية الناجمة عن تراجع قيمة العملة الوطنية، وتجاوز قيمة الدولار في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا حاجز 2100 ريال.
وطالب المتظاهرون، في أحاديث بثها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، بإعادة الاعتبار للدولة من خلال إعادة الاعتبار لقيمة العملة الوطنية، ومرتب الموظف الحكومي، الذي صار متوسطه يناهز خمسين دولاراً أمريكياً.
واستنكر المتظاهرون وناشطون في منصات التواصل الاجتماعي تعرض مُعلِّم مدرسة، يدعى آفاق عبدالقادر، للاعتداء من قبل مسلحين تابعين للمجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي) خلال التظاهر، لأنه شكا حاله أمام الكاميرات باعتباره صار يذهب للمدرسة بدون إفطار، وينتهي من عمله وهو غير قادر على توفير وجبة الغداء لأولاده. وأثار فيديو الاعتداء على المعلم ردود فعل ناقمة، اعتبرت ذلك الحادث دليلًا على المستوى الذي صارت إليه حال الناس مع السلطات.
دكاكين وبنوك
في مقاربته للمعاناة، وقراءته للتظاهرة الاحتجاجية، يقول ابن عدن، وزير الثقافة الأسبق، أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني، الدكتور عبدالله عوبل، لـ»القدس العربي»: «خروج الناس اليوم أرادها البعض أن تكون لصالحه، لكنها كانت موجهة ضد كل الطبقة السياسية والسلطات القائمة في عدن. وصل الناس إلى مستوى المجاعة الحقيقية. انهارت العملة والخدمات بصورة غير مسبوقة، وأصبح الموظف لا يستطيع توفير قوت يومه له ولأولاده. ما حصل أمس هو مقدمة لانفجار قادم، إذا لم يتم الالتفات لقضايا الناس ومعيشتهم من قبل الحكومة والمجلس الرئاسي البعيدين كل البعد عن معاناة الناس».
وأضاف: «ساءت حالة الناس بسبب هبوط سعر العملة الوطنية والمضاربة بها وانتشار دكاكين الصرافة، وبروز طبقة من الأثرياء واللصوص أطلق عليهم لصوص ما بعد 2015. أي بعد خروج الحوثي من عدن. وهؤلاء هم الذين استولوا بقوة السلاح والمؤسسات والإيرادات والأراضي وفرضوا الجبايات غير القانونية، وصاروا هم الذين يوفرون المشتقات البترولية ويتاجرون بها، وهم أنفسهم أصحاب دكاكين الصرافة والذين تحولوا إلى بنوك في زمن قياسي».
وزاد عوبل: «إن سرقة ونهب الإيرادات والجبايات أدت إلى إفقار المواطنين، يضاف إليها تدهور سعر العملة، وبالتالي من الطبيعي أن نشهد انفجارات كبرى تطيح بالسلطات كلها، وربما تؤدي إلى فوضى عارمة».
حكم ميليشاوي
فيما يتعلق بدور الحكومة وإمكانات قيامها بما يحول دون الانهيار التام، عزا الدكتور عوبل العجز الحكومي إلى الفساد قائلًا: «أكبر فساد في تاريخ اليمن هو فساد حكومات الشرعية المتعاقبة. لم تقم حكومات الشرعية بواجباتها الدستورية تجاه مواطنيها، بل تركت البلد، وفضلت العيش بالخارج. واضح أن أي حكومة تعيش خارج بلدها لن تحقق أي انجاز. بالعكس هذه الحكومات أكلت الأخضر اليابس، ولا رقابة على أدائها، كل مصائب المواطن المطحون سببها السلطات القائمة، سواء الشرعية أو سلطات الأمر الواقع. إنها نتيجة طبيعية لحكم ميليشاوي لا يعطي للقانون أي اعتبار».
بأي حال من الأحوال فإن من أبرز عوامل حالة الإحباط في المزاج الشعبي في عدن وكافة المحافظات الواقعة في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هو بالإضافة إلى تدهور الأوضاع المعيشية والارتفاع الجنوبي في الأسعار، التردي المستمر في الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء.
وقال عوبل: «في فصل الشتاء حيث لا يحتاج المواطن إلى تشغيل المكيفات، ومع ذلك تنقطع الكهرباء معظم ساعات اليوم، وفي مناطق أبين ولحج يعاني الناس من انقطاع الماء والكهرباء انقطاعًا كاملًا لمدة تزيد عن أسبوعين، وأكثر من 40٪ من مناطق خورمكسر والمعلا والشيخ عثمان في عدن تعاني من انقطاعات الماء. كما تستمر العملة بالتدهور، ويتأخر الراتب لأكثر من شهرين، ولأن الحكومة ترى نفسها غير معنية فلن تجد لها أي حديث حول أزمة العملة والماء والكهرباء، ولم تقدم أي حلول. فقط محافظ مأرب تطوع بإرسال قاطرات وقود للكهرباء. إنها سلطات فقدت حس المسؤولية الاخلاقية والضمير».
مأساة معلم يشكي حاله
لم يمر فيديو الاعتداء على معلم خلال التظاهر لأنه كان يشكي حاله مرور الكرام، فقد استُفز الناشطون في منصات التواصل الاجتماعي باعتباره يعكس حال التردي، وفي ذات الوقت حال الإنكار للمعاناة العامة، التي تتعامل من خلالها مكونات سياسية ومسلحة في عدن، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي).
يقول أمين عام حزب التجمع: «المجلس الانتقالي للأسف يشعر بغضب الناس، ويحملونه المسؤولية عن تردي مستوى المعيشة والخدمات، في الوقت الذي يحاول أن يرمي بالمسؤولية على الشرعية، التي طردها في 2019، ويحاول أن يركب الموجة ويجير المظاهرة لصالحة لابتزاز الشرعية، التي هو أحد مكوناتها. وعندما كان المتظاهرون يبدون غضبهم من أدائه ويحملونه المسؤولية بدأ بإنزال قواته منذ البارحة إلى الشارع، وحول ساحة العروض بخور مكسر، وعندما تحدث المعلم عن حالته المعيشية الصعبة بدأ كما لو أن الأمر يمس سلطاتهم، ويسلط الضوء عليهم. لذلك اعتدوا على المعلم وضربوه بطريقة لا تمت للرجولة بصلة».
يبقى السؤال عن دور الأحزاب من معاناة الناس، باعتبار هذه المكونات جزءًا من المجتمع، ولسان حاله، أو يفترض أن تكون كذلك، فأين الأحزاب اليمنية مما يحدث في الوقت الذي هي جزء من السلطة؟
يوضح وزير الثقافة الأسبق أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني: «في الواقع الأحزاب هي جزء من المشكلة، بل إن الحكومات والمجلس الرئاسي هي محاصصة بين بعض الأحزاب والمكونات، وهي حكومات فاسدة وعاجزة عن فعل شيء لمصلحة البلاد».
وأضاف: «الآن لدينا التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، ونحاول الآن أن نكتب رسالة للمجلس الرئاسي نحملهم فيها مسؤولية انهيار الأوضاع المعيشية، وما يترتب على ذلك من فوضى، إذا لم يعملوا على حلول عملية وجادة لوقف الانهيار. وقد طلب التكتل لقاء عاجلًا مع المجلس الرئاسي حول هذا الأمر».
مقدمة الفوضى
كذلك، حذر رئيس مركز مسارات للدراسات الإستراتيجية والإعلام، باسم الشعبي، ومقره عدن، من تداعيات تجاهل الغضب الشعبي والاحتجاجات العدنية، التي قد تكون مقدمة لانفجار الوضع وانتشار الفوضى، حد تعبيره.
وقال لـ «القدس العربي»: «هذه الاحتجاجات هي نتيجة غضب متراكم من سنوات، ونتيجة لتضخم الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، وتفاقم معاناة الناس، وهو أمر طبيعي في ظل ما وصل إليه الحال العام مع الفشل الكبير الذي منيت به القوى السياسية في الحكومة الشرعية في عدن، والتي لم تسمع لمناشدات الناس ومطالباتهم، سواء كان المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسيطر على عدن، أو الحكومة الشرعية، التي تدير المناطق الواقعة في نطاق نفوذها».
وأضاف الشعبي: «ما حصل اليوم هو مقدمة لانفجار، وقد تؤدي إلى فوضى، لأنه خلال اليومين الماضيين تراجع سعر العملة الوطنية، وأصبح سعر الدولار حوالي 2200 ريال يمني (في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها)، وهذا تطور خطير في ظل العجز عن صرف المرتبات وتردي قيمة المرتبات في نفس الوقت مع استمرار الارتفاع الجنوني في الأسعار؛ وهو ما ينعكس سلبًا على أوضاع الناس ومعاناتهم، وهو واقع تتحمل مسؤوليته الحكومة الشرعية، التي ذهبت للرياض للاجتماع من أجل تعديل حكومي، بينما تركت عدن تغرق في الظلام، ووصلت ساعات الإطفاء إلى 20 ساعة في اليوم».
وأضاف: «الأمر يتطلب تغييرًا جذريًا في الحكومة، والانطلاق من رؤية مختلفة تمامًا قادرة على مواجهة الفساد وتوفير أولويات الناس. إذا لم تكن هناك قيادة جديدة متحررة من الإملاءات الخارجية؛ فالبلد سيسير نحو المجهول».
وفيما يتعلق بالمجلس الانتقالي الجنوبي، قال: «الانتقالي لا يريد أن يمضي ولا يريد أن يدع الآخرين يمضون، هو واقف في منتصف الطريق. وندين في التيار الوطني للتصحيح ما تعرض له المعلم، آفاق عبدالقادر، خلال التظاهرة، ونتمنى أن يتم الاعتذار له بشكل سريع».