اخرس باسم «حرية التعبير»!

لطالما ظلت الدول الغربية الملاذ الآمن والمثالي في عقول شبابنا على مدى عقود طويلة، حيث غرست في نفوسنا القيم الحضارية التي من المفترض تفتقدها بلداننا، بل صارت هذه القيم أمثلة يضرب بها المثل، بل يتمتع بها من يتذوقها الى حين يأتي وقت الحقيقة… وقت تصطدم به المصالح العليا والقوة والنفوذ بحقوقك الشخصية البسيطة، وهو ما عاشه المهاجرون الذين صرخوا لاسم فلسطين في الشوارع الأوروبية وكتبوا ونشروا وغردوا نصرة لغزة، لكن في مقابل دفع الحرية ثمنا في بلاد الحرية، وعلى رأسها حرية التعبير.
المهاجرون لم يكونوا وحدهم من شاهد سقوط القناع وبروز الوجه القبيح لهذه الحكومات، بل كان الكثير من المتعاطفين من أبناء البلد الأصليين، الذين عانوا من ملاحقة السلطات لاجبارهم وقمعهم وحضهم على العودة عن آرائهم، ومن بين هؤلاء شخصية رياضية مرموقة، هو غاري لينيكر، وفي الواقع هو كان من أبرز نجوم منتخب انكلترا في الثمانينات بل وهداف كأس العالم في 1986 في المكسيك، وأصبح لاحقاً بعد اعتزاله شخصية اعلامية مرموقة، لدماثة خلقه وحسن سيرته، وظل مقدما لأشهر برنامج رياضي أسبوعي يغطي الدوري الانكليزي «ماتش أوف ذي داي» حتى نهاية الموسم الحالي، والسبب أن هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) قررت التخلي عن خدماته بعد اعادته نشر منشور على حسابه على «انستغرام» وحوى صورة فأر وكتب تحتها «تعرف على الصهيونية في دقيقتين»، ورغم رفضه في البداية الخنوع لمطالب مسؤوليه في الهيئة تحت ضغط اللوبي الصهيوني المتجذر والمتنفذ، الا انه سرعان ما مسح المنشور من حسابه حتى هذا الضغط الهائل، لكنه ظل متأثراً مما رآه من أهوال في غزة، حتى أنه في احدى المقابلات الصحفية قال: «لا يعقل أن نبقى صامتين وعلى الحياد حيال ما نراه اليوم غزة… أنه أفظع شيء اختبرناه في حياتنا».
بالطبع الضغط الصهيوني ظل متواصلاً حتى استسلم لينيكر بنشره بيانا قبل أيام يعتذر فيه عن المنشور قائلاً: «لما كنت سأنشر شيئاً أعلم أنه يعادي السامية»، مضيفاً أنه «يأسف ويندم» على ما فعله، لكنه أوضح «ورغم أنه ما زلت أؤمن وبقوة بأهمية التعبير عن الرأي في ما يتعلق بالقضايا الانسانية، وبينها المأساة التي تحدث كل يوم أمام أعيننا في غزة، فأنا أعلم أيضا أنه كيف نفعل ذلك مهم أيضا».
ورغم أن لينيكر يعد شخصية مؤثرة ومحبوبة ولها شعبية كبيرة في بريطانيا، الا أن مصالح بلاده تطلبت تهميش ما يشعره ملايين البريطانيين من الذعر مما يروه يحدث بأطفال غزة، بل خنعت هذه الحكومة لصاحب النفوذ القوي وصاحب المال والأعمال والتجارة المربحة، وضحت بأهم القيم التي ظلت تحاضر بها بقية دول العالم، وهي «حرية التعبير»، وكأنها تقول نفعل ما نريد وبالقوة والاجبار.
للتذكير فان بريطانيا هي أساس مشكلة فلسطين، ومع ذلك هي أقل الدول العظمى التي تسعى الى حل المشكلة، بل مثلما أجبرت الملايين على الصمت في مطلع الألفية الجديدة، في طريقها لتشكيل تحالف مع الولايات المتحدة لضرب العراق، وكان على خلفية أسباب واهية وأكاذيب، فان النتيجة أن نحو 2 مليون عراقي لقوا حتفهم، من دون ان تتم محاسبة أي مسؤول غربي، واليوم الأمر يتكرر حتى لو على حساب أبنائهم.
غاري لينيكر، ورغم نزاهة مشاعره، فانه تأثر مثل الملايين الذين شاهدوا أطفال غزة يقتلون بدم بارد، وربما عانى من الصمت على ما يحدث وهو يعلم أنه رجل صاحب تأثير، وأقله على مواقع التواصل الاجتماعي، ففعل ما فعله ولاقى عقابه، وكأن «حرية التعبير» مطلوبة فقط في بلداننا، ويشجع ابناؤها على المطالبة بها وممارستها.
علماً أن لينيكر له موقف لم يعجبني منه، وبين على أنه مجرد موظف في «بي بي سي»، وكان في ديسمبر/ كانون الأول 2022، حيث كان يقدم حقل ختام نهائيات كأس العالم في قطر، ورغم روعة أحداث البطولة بشهادة الكثيرين، الا أن لينيكر قرر بايعاز من مسؤوليه بتهميش حفل الختام، معتبرا انها دعاية من القطريين لكسب ود المشاهدين وللتغطية على «مشاكل حقوق الانسان» فيها، بل وذهب الى حد مناقشة هذا الأمر مع ضيوفه المحللين، وبينهم النجم السابق آلان شيرر، عوض الحديث عن مشاهد الختام الرائعة، وهذا كله بسبب أن القطريين رفضوا التسليم بمطالب الغرب، وبينهم الانكليز والألمان، على الترويج لحقوق المثليين ونشر أعلامهم في شوارع الدوحة.
العالم الغربي جميل عندما تكون مصالحه مؤمنة ولا يطمعون في خيرات غيرهم، لكنه يتحول الى مارد قاس يجبرك على الخنوع لمطالبه وابقاء صمتك مطبقا، وكأنه يقول: اخرس فأنت في بلد حرية التعبير!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية