تكثفت في الفترة الأخيرة محاولات وكالات الاستخبارات الأجنبية لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي بما في ذلك في الشرق الأوسط والعالم العربي.
وفي هذا السياق صدر مؤخراً كتاب بعنوان: «التهديدات الجديدة لعالمنا، من وجهة نظر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» مترجم إلى العربية بعدما وضعه كاتباه وجامعا المواد فيه ومحللاها آدريان جولمز ولوكاس ميجنيت بالإنكليزية قبل الترجمة.
ويشمل هذا الكتاب في أحد أقسامه ما ورد في شهادتي مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA» الحالي ويليام بيرنز، ومديرة أجهزة الاستخبارات الأمريكية الوطنية افريل هاينز أمام لجنة الاستخبارات المركزية في مجلس النواب الأمريكي في الكونغرس في آذار (مارس) من العام الماضي، الذي تضمن مواقف ما زالت مستمرة فاعليتها خصوصاً في شأن العلاقة الأمريكية السياسية مع دول الشرق الأوسط ومع روسيا والصين وأوكرانيا ودول أوروبا ودول أخرى كإيران.
لعل أهم ما ورد فيه ما قاله المدير ويليام بيرنز أمام اللجنة البرلمانية عن دوره في الإشراف على المفاوضات الدولية مع إيران عندما كان نائباً لوزارة الخارجية الأمريكية والذي وردت تفاصيله في كتابه «القناة الخلفية» الذي صدر بعد عقد اتفاق دول (P5+1) مع إيران عام 2015 من دون تطبيق بنوده بشكل كامل حتى الآن، وما قاله بيرنز أيضاً عن تحليلاته وتوقعاته في الشأن الروسي والحرب الأوكرانية، علماً ان أحد مناصبه السابقة كان سفير أمريكا في روسيا وانه يعرف شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن كثب من خلال تعاطيه المباشر معه كسفير.
في رد لبيرنز على مايك تورنر، الممثل الجمهوري لولاية أوهايو، حول تهديدات إيران النووية في المستقبل وحول تطبيق بعض شروط حاسمة لإتمام الصفقة الأمريكية ـ الدولية النووية مع إيران بالكامل وإمكان بحث موضوع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات للتوصل إلى اتفاق أفضل (برأي أمريكا) قال مدير «CIA»: «إن الأمر الوحيد الذي أود إضافته (على ما قالته زميلتي افريل هاينز) هو أنه بعد أن أمضيت سنوات عدة في التفاوض على مثل هذه القضايا مع الإيرانيين، فأنا لا أشعر بأي ندم حيال هذه المفاوضات. انها كانت مهمة صعبة للغاية، وكما قالت المديرة هاينز، لا بد لنا أن نأخذ في الاعتبار دائماً أن التهديد الذي يشكله النظام الإيراني لا يتعلق بالمسألة النووية والصواريخ فحسب بل بمصالحنا في الشرق الأوسط ومصالح شركائنا في تلك المنطقة. وبغض النظر عن كيفية تطور المفاوضات في شأن خطة العمل الشاملة المشتركة، أظن أن هذه التحديات ستكون حاضرة دائماُ لنا جميعاً. (ص103 و104).
وكانت المديرة افريل هاينز ردت على السؤال (نفسه) للنائب تورنر قائلة: «إننا نقدم (في هذا المجال) تحليلاً نأمل أن يكون مفيداً لصانعي السياسات في إدارة المفاوضات. وليس لدي أي معلومات أخرى لأضيفها، كل ما أدركه هو أنهم منهمكون بشكل واضح وعلني في موضوع إجراء المفاوضات وانهم عازمون على ما أظن وفق ما أشار إليه الرئيس بايدن إلى التعامل بفاعلية مع هذه القضية النووية وغيرها من القضايا الهامة حيث تشكل فيه إيران عاملاً مزعوماً للاستقرار في المنطقة». (ص 103).
وسأل رجا كريشنامورثي، النائب الديمقراطي عن ولاية الينوي، المدير بيرنز قائلاً: «يعتقد كثير من الناخبين الأمريكيين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجنون، أو انه يخوض الحرب ضد أوكرانيا بجنون في سياق مفتوح، ما هو تقييمكم في هذا المجال؟».
أجاب بيرنز: «أعتقد ان الرئيس بوتين أصبح أكثر تشدداً وتعلقاً بوجهات نظره حيال أوكرانيا ومعظم القضايا الأخرى بمرور السنوات، وقد أصبح أكثر تجنباً لوجهات النظر الأخرى التي تختلف عن وجهة نظره وأكثر ابتعاداً عن الأشخاص الذين قد يتحدون ضده أو يشككون في آرائه. هذا الأمر لا يجعله مجنوناً انما يجعل التعامل معه أمراً صعباً للغاية بسبب تصلب آرائه مع مرور الوقت وتقلص دائرته الداخلية». (ص 98).
وعلى الرغم من ان حادثة انفجار طائرة رئيس «مجموعة فاغنر» يفغيني بريغوجين وقعت مؤخراً وبعد مرور أكثر من عام على مثول بيرنز أمام لجنة الكونغرس (الذي تمت تغطيته في هذا الكتاب) فإن مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية رد على أسئلة النواب بشأن أحداث اغتيالات وتعديات جرت في روسيا وخارج روسيا ضد معارضين لسياسات الرئيس بوتين.
وكانت ردود بيرنز في معظمها تدين الرئيس بوتين في جرائم ارتكبت في بريطانيا ضد معارضين روس بينها تسميم العميل السابق في الاستخبارات الروسية الكسندر ليفتينينكو في لندن ما أدى إلى وفاته في عام 2006 واستخدام وسائل مماثلة عام 2018 ضد عائلة سكريبال في بريطانيا أيضاً، كما ألقى بيرنز بالمسؤولية على الرئيس الروسي في قضية تسميم المعارض الروسي الكسي نافالني في روسيا في عام 2020 والاعتداء على عدد من الصحافيين الروس المعارضين لنظامه وبينهم من لقوا حتفهم اغتيالاً.
وأشار بيرنز في ردوده الأخرى على أسئلة النواب ان روسيا تحت قيادة بوتين تدخلت في الانتخابات الأمريكية للأعوام 2016 و2018 و2020 وفي الانتخابات الفرنسية لعام 2017 والألمانية لعام 2017 أيضا.
أما رده على سؤال حول إسقاط طائرة تابعة لحلف شمالي الأطلسي وأخرى تابعة للطيران الماليزي عام 2014 فوق أوكرانيا فكان أكثر تحفظاً بحيث قال: «هذا استنتاج توصل إليه كثير من الناس ونحن على ادراك بخلفيات هذا الموضوع». (ص 107 و108).
وفي ختام استجواب النائب الديمقراطي أريك سوالويل الذي سأل بيرنز إذا كان بوتين طاغية لا يرحم أو عبقريا وداهية؟ كان جواب بيرنز أن بوتين «تحول إلى البطش مؤخراً إلى درجة أكبر بسبب اضطرابه إزاء أداء جيشه في أوكرانيا». واعتبر ان بوتين «لن ينجح في تحقيق غاياته في أوكرانيا بسبب وجود قاعدة مهمة للغاية في النظام الدولي هي ان الدول الكبرى القوية ليس لها الحق في التهام الدول الصغيرة الأضعف منها عسكريا لمجرد انها تستطيع فعل ذلك» (ص 109 ـ 110) وربما نسي المدير بيرنز في تلك اللحظة التي قدّم فيها هذه الآراء «المثالية» ما حدث خلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 في عهد الرئيس جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني ومجموعتهما أو انه كان يُبعد وينزّه عن نفسه الأخطاء التي ارتكبت آنذاك.
علماً ان هذا الكتاب يذكر مقطعاً هاماً في المقدمة التي وضعها جولمز ومينجيت جامعاً مواده وهو التالي: «غيرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على ما عرف بالإرهاب الإسلامي طريقة عمل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بحيث بررت ما سمته الاستجوابات المعززة وهي مجرد وصف للتعذيب بطريقة لطيفة في المراكز السرية خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وقد خسرت وكالات الاستخبارات وبينها الـ CIA قيمتها في السنوات التي تولى فيها دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية ويعود السبب في ذلك إلى انه لم يثق بأجهزة الاستخبارات والأمن التابعة له بل وثق ثقة عمياء بالحكام المستبدين خارج الولايات المتحدة. (ص 9).
من الواضح ان هذا الكتاب صدر مترجماً وبشكله الحالي في هذه المرحلة لدعم مواقف الحزب الديمقراطي الأمريكي أو الجهات الأقل تطرفاً من ترامب وأمثاله في الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 أمام الرأي العام الدولي والمحلي.
غير انه يتضمن أيضاً معلومات بالأرقام والتفاصيل السياسية والاجتماعية عن عدد من دول العالم بينها الصين وكوريا الشمالية وبولندا وبيلاروسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق في شرقي أوروبا ودول أخرى، كما يتواجد في القسم الأول بعنوان تقييم التهديد عن قضايا عالمية عابرة للحدود الوطنية وفصل آخر عن النزاعات وعدم الاستقرار (ص61 ـ 81) وضعهما المؤلفان.
في المقطع عن «الإرهاب العالمي» في ذلك القسم يشير الكتاب إلى أن أكبر تهديد إرهابي للولايات المتحدة تشكله منظمتا «داعش» و«القاعدة» والمجموعات المسلحة المتحالفة مع إيران في العراق وسوريا ولبنان. ويضيف «هذه المجموعات تشكل تهديداً للأفراد الأمريكيين وللمصالح الأمريكية في الخارج. وما زالت داعش والقاعدة تطمحان إلى تنفيذ الهجمات، وما زال الصراع الطائفي والتمرد وعدم الاستقرار يوفرون للجماعات الإرهابية فرصاً ثابتة لتجنيد الأعضاء والحصول على الأموال وإنشاء القواعد الآمنة أو توسيعها والتي يمكن من خلالها التخطيط للهجمات. وما زال الإرهابيون مهتمين باستخدام العوامل الكيميائية والبيولوجية في شن الهجمات ضد المصالح الأمريكية». (ص 69 وص 70).
كما يضيف الكتاب أنه ما يزال قادة الدولة الإسلامية ملتزمين بمشروعهم المتمثل في إنشاء خلافة عالمية يقال إن مقرها في العراق وسوريا. ولا تزال القاعدة مصممة على شن الهجمات على المصالح الأمريكية في دول كاليمن والصومال وغرب أفريقيا. وسيواصل حزب الله اللبناني العمل مع إيران لتطوير قدراته واستكمال قدراته العسكرية المتنامية لمواجهة خصومه.
ويضيف الكتاب بأن: «سوريا ستستمر في المعاناة من الصعوبات الاقتصادية والأزمات الإنسانية في السنوات المقبلة، وسيستمر الرئيس السوري بشار الأسد في الاعتماد على دعم روسيا وإيران برغم التقدم الناشئ الذي أحرزه حول إعادة اندماج سوريا في المنطقة. وستواجه القوات العسكرية الأمريكية في شرق سوريا تهديدات لا هوادة فيها من الميليشيات المدعومة من إيران والمجموعات المتحالفة مع النظام السوري بالإضافة إلى عوامل أخرى، قد تؤدي إلى موجة أخرى من حركة الهجرة من سوريا». (ص 76). ويتحدث في الصفحة نفسها عن رغبة أمريكية في تقليص الصراعات التي تهدد مصالح أمريكا في منطقة الشرق الأوسط وتعزيز الجهود الأمريكية لنزع فتيل الصراع وإبقاء العلاقة الإسرائيلية «الدافئة» مع بعض الدول العربية، في ظل محاولات دول عربية تطبيع علاقاتها مع دمشق وتأييدها عودة سوريا إلى الجامعة العربية وتشجيع الحوار الإيراني ـ السعودي.
ادريان جولمز ولوكاس مينجيت:
«التهديدات الجديدة لعالمنا»
ترجمة: موريس وبس، آلاء المقداد،
وكوثر صفي الدين
جروّس برس، طرابلس 2023
374 صفحة.