ارتفاع العجز الطاقي معضلة تلقي بثقلها على الاقتصاد التونسي

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: ارتفع العجز التجاري في الطاقة في تونس خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام بنسبة 22 في المئة، مقارنة مع الفترة نفسها في العام الماضي وذلك حسب بيان المرصد الوطني للطاقة والمناجم، التابع لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة. وبلغ هذا العجز 4.6 مليار دينار مقابل 3.77 مليار دينار في نفس الفترة من السنة الماضية وذلك بالرغم من تزايد الصادرات الطاقية التونسية وارتفاع قيمتها بنسبة 23 في المئة، إلا أن الواردات تبقي هذه المعضلة في تزايد كبير.

حلول عديدة

ومن بين الحلول التي وجدتها الحكومة لخلق التوازن بين العرض والطلب، وعوض التسريع في نسق التحول نحو الطاقات البديلة، تم قطع الكهرباء في بعض المناطق خلال الصيف الحالي، من أجل خلق توازن بين العرض والطلب. ومن بين الحلول الآنية التي تم اللجوء إليها خلال الصائفة أيضا استيراد كميات من الكهرباء من بعض دول المنطقة التي ما زال البعض فيها لا يميز بين الهبة المجانية والاستيراد التجاري الذي يكون بثمن ولا يدخل في باب المن والعطاء الجزيل.
ولعل السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الناس من يعطّل مشاريع الانتقال إلى الطاقات البديلة التي وضعت تونس إستراتيجية لها منذ عقد التسعينات حين كانت لا تزال تحقق اكتفائها الذاتي من الطاقة، ولصالح من يتم هذا التعطيل حتى تبقى تونس في تبعية طاقية؟ ومن الأسئلة التي تؤرق مضاجع التونسيين أيضا من يقف وراء تعطيل أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في البلاد ويقف وراء إحالة بعض حقول الغاز على «التقاعد المبكر» على غرار الحقل الذي كانت تستغله شركة بيتروفاك بأرخبيل جزر قرقنة المتاخمة لسواحل ولاية صفاقس؟
لقد أكد عديد الخبراء التونسيين والأجانب من خلال دراسات استشرافية تم القيام بها منذ بداية الألفية أن تونس من البلدان التي لا يمكن أن تعيش العجز الطاقي لأن لديها بعض الإنتاج من الطاقة الأحفورية وتمتلك مخزونا هاما من غاز الشيست ولديها امكانيات لا تتوفر لغيرها للاستثمار بقوة في الطاقات البديلة. لكن تقاعس البعض على ما يبدو، وسوء نية البعض الآخر وخدمته لبعض الأجندات القريبة، وعدم إيلاء هذا الملف العناية اللازمة، حال دون أن تحافظ البلاد على سيادتها الطاقية التي بدأت تفقدها تدريجيا مع بداية الألفية وازدادت الأمور تعقيدا بعد الثورة.
لقد كان مبرمجا أن تصل تونس إلى تغطية 30 في المئة من حاجياتها الطاقية من الطاقات البديلة بحلول سنة 2025 فيما الـ20 في المئة الباقية تم التخطيط لتغطيتها في وقت لاحق لهذا التاريخ، أما باقي الحاجيات الطاقية فهي من الإنتاج المحلي من النفط والغاز. لكن سنة 2025 على الأبواب والبلد لا ينتج سوى 3 في المئة فقط من حاجياته الطاقية من الطاقات البديلة وذلك بسبب تعطل إنجاز المشاريع التي كانت مبرمجة للغرض لأسباب مجهولة في ملف حارق لم يفتح بعد ويتم تجنب الخوض فيه.

أمل جديد رغم الصعوبات

ولعل ما يبعث على الأمل في هذا الملف هو انطلاق الأشغال المتعلقة بالربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا عبر مضيق صقلية من خلال خط بحري سيربط تونس بالقارة العجوز وسيجعلها من أهم المصدرين للطاقات النظيفة من خلال جملة من المشاريع ستقوم بها شركات أوروبية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ولإنتاج الهيدروجين الأخضر. وحسب ما تم الإعلان عنه فإن هذه المشاريع سيتم تخصيص جانب هام من إنتاجها لتغطية العجز المحلي فيما الأهم سيذهب إلى القارة الأوروبية التي ترغب في الاعتماد على الطاقات البديلة ويغريها كثيرا موقع تونس التي لا يفصلها عن أوروبا سوى مضيق صقلية وهي مواجهة لقلب القارة وليس لأطرافها، وفيها شمس حارقة على مدار العام بالنسبة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، ومحطات لتحلية مياه البحر بالنسبة لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
ويرى البعض أن قدوم أوروبا بكل ثقلها من أجل إنتاج الطاقات البديلة في البلاد سيحفز التونسيين على إنجاز المشاريع المعطلة، وسيردع بعض الأطراف الخارجية القريبة التي قد تكون تستغل موالين في الداخل لتعطيل التحول الطاقي في تونس. بالمقابل يرى البعض الآخر أنه كان من الأجدى أن تستثمر الدولة مباشرة في الطاقات البديلة ومن دون أن تنتظر الأوروبيين وغيرهم، مستغلة امكانياتها المتوفرة التي تتجاوز الموقع الإستراتيجي إلى كفاءة المهندسين والعملة المحلية وإلى تطور صناعة تكنولوجيا الطاقات البديلة في البلاد وعديد المزايا الأخرى.
وتهدف تونس عموما من وراء هذه المشاريع وغيرها، وحسب استراتيجيتها الوطنية، إلى إنتاج 8.3 مليون طن من الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في أفق سنة 2050 منها 2.3 مليون طن موجهة إلى السوق المحلية و6 مليون طن موجهة إلى التصدير. وتبلغ الاستثمارات الإجمالية المتوقعة لهذه المشاريع 120 مليار يورو، كما تهدف الإستراتيجية الوطنية إلى إحداث 430 ألف موطن شغل جديد مباشر وغير مباشر للسكان وذلك إذا سارت الأمور وفقا لما هو مخطط له.
ويشار إلى أن أهم الاتفاقيات الطاقية التي وقعتها تونس مؤخرا تلك التي تمت مع مجمع الشركات الفرنسية «توتال إينرجي» والنمساوية «فيربوند» والتي تتعلق بتطوير وإنجاز مشاريع للهيدروجين الأخضر في البلاد. وسيتم حسب هذه الاتفاقية إنجاز مشروع لإنتاج 200 ألف طن من الهيدروجين الأخضر في مرحلته الأولى، مع تركيز 5 غيغاواط من الطاقات المتجددة في أفق 2030 مع امكانية أن تصل الطاقة الإنتاجية إلى مليون طن سنويا في المرحلة النهائية للمشروع. وتبلغ قيمة استثمارات المشروع حوالي 8 مليار يورو في المرحلة الأولى و40 مليار يورو في مرحلته النهائية.
ومن المشاريع الهامة المزمع إنجازها في مجال الطاقات البديلة مشروعي إنشاء محطتين كهربائيتين لتوليد الكهرباء الطاقة الشمسية، بقدرة إجمالية تبلغ 300 ميغاواط وبتكلفة 255 مليون دولار، تم التوقيع عليهما منذ أشهر بين تونس وشركتين واحدة فرنسية وأخرى إماراتية. أحد هذه المشاريع بقدرة 100 ميغاواط وسيتم تركيزه بولاية قفصة، والثاني بقدرة 200 ميغاواط وسيتم تركيزه بولاية تطاوين.
وتُقدّر كلفة الاستثمارات الإجمالية للمحطتين بحوالي 800 مليون دينار والهدف منهما هو تخفيض كلفة الدعم المخصّص لقطاع الطاقة وتحسين الميزان التجاري. لكن السؤال الذي يطرح دائما سيقع تنفيذ هذه المشاريع أم أن مصيرها سيكون النسيان والتجاهل ووضع العوائق الإدارية التي تحول دون تنفيذها على غرار ما حصل مع مشاريع سبقتها؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية