تذكر كتب الأدب العربي تعريفات لشعر الرثاء لا تخرج عن أنه شعر يذكّر بمحاسن الميت وخصاله الحميدة مما يبقي ذكرَه الحسَن بعد رحيله.
وفي الشعر العربي على امتداد العصور أمثلة غير قليلة من شعر الرثاء، تتراوح بين رثاء النفس، أو الأهل، أو الأصدقاء، أو الملوك ومن في منزلتهم في الدول والمجتمعات. وقد نبدأ بأمثلة من أبلغ الرثاء في العصر الجاهلي وبداية العهد الإسلامي بشعر الخنساء 515 ـ 645 في رثاء شقيقيها صخر ومعاوية. وكان الرسول (ص) يحب أن يستمع إليها في ما ترويه من رثاء في صخر ومعاوية. ومن أبرز تلك الأمثلة قولها في رثاء صخر:
يؤرّقني التذكّر حين أُمسي فأصبحُ قد بُليتُ بفرطِ نكسِ
على صخر، وأي فتى كصَخرٍ ليوم كريهةٍ وطعان خَلسِ
يذكّرني طلوعُ الشمس صخراً وأذكُرهُ لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانِهم، لقتلتُ نفسي
وفي أوائل العهد الأموي نقرأ شعر مالك بن الرّيب التميمي (641 ـ 677 م) وهو يرثي نفسه، إذ أشرفُ على الموت بسبب لدغة أفعى وهو نائم، في طريقه إلى غزوة، وهو من فرسان بني مازن:
ألا ليتَ شِعري هل أبيتُنّ ليلةً تجنب الغضى أزجي القلاصَ النّواجيا
فليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرضه وليت الغضى ماشى الركاب لياليا
ولغة هذه القصيدة تستعصي على الفهم دون شروح وتعليقات.
وحُرقة العواطف في شعر الرثاء مميز لغة الشاعر إذا كان يرثي قريباً أو عزيزاً، مثل رثاء جرير لزوجته عام 116هـ/734م:
لولا الحياء لعادني استعبارُ ولزُرتُ قبرك، والحبيب يُزارُ
ولقد نظرتُ، وما تمتعُ نظرةٍ في اللحد حيث تمكّن المِحفارُ
ومثل ذلك، أو قريب من ذلك شعر أبي ذؤيب الهذلي عام 27هـ وهو يرثي أبناءه الخمسة، أو شعر أبي تمام وهو يرثي أبنه الذي كان يموت بين يديه ولا يستطيع إنقاذه من الموت.
وشعر الرثاء لا يخلو من تأملات حزينة في شؤون الحياة والموت، وقد يشمل ذلك بعض الحِكَم والإشارات إلى موت كبار الشخصيات ممن غلبهم الموت بقوته وحتميته. وأفضل أمثلة الرثاء في هذا الباب قصيدة أبي العلاء المعرّي (973 ـ 1057م).
غَير مُجدٍ في ملّتي واعتقادي نَوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادٍ
وشبيهٌ صوتُ النعي إذا قيسَ بصوتِ البشير في كل نادِ…
خفّفِ الوطء، ما أظنّ أديم الأرض إلا من هذه الأجساد…
رُبّ لَحدٍ قد صار لَحداً مِراراً ضاحكٍ من تزاحُم الأضداد…
وللمتنبي (303 ـ 354هـ/915 ـ 965م) قصائد في الرثاء، ربما كان أبرزها قصيدته في رثاء خولة، شقيقة سيف الدولة، وكان يعشقها فلما عاد من حلب إلى العراق بلغَهُ خبر وفاتها، فقال:
أرى العراق طويلَ الليل مذ نُعيَت فكيف ليل فتى الفتيان في حَلبِ
يا أحسنَ الصّبرِ، زُرْ أولى القلوب بها وقُل لصاحبهِ: يا أنفعَ السّحُبِ
وفي الأندلس كثير من شعر الرثاء، وخاصة رثاء المدن والممالك، أيام تضاؤل الحكم العربي في الأندلس. وفي أمثلة ذاك الرثاء كثير من التأمل الحزين وعبارات الحكمة والتأسي بقدر الله في خلقه، وربما كانت قصيدة ابي البقاء الرندي 1267م أفضل الأمثلة على ذلك:
لكلّ شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يُغرَّ بطيبِ العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتهُا دُولٌ من سرّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شانُ
والصفة العامة في شعر الرثاء في التراث العربي هي ارتفاع نبرة الحزن والتفجّع، وندبُ الذات، بل لومها أحياناً، بدعوى أنها كانت السبب في الخسارة والفقدان، وحالة اليأس التي تخلفت بغياب الفقيد. ولا نجد مثل هذه العواطف المغرفة في الكآبة والحزن في أمثلة من شعر الرثاء في الإنكليزية والفرنسية مثلاً. فأبرز أمثلة الرثاء في الشعر الإنكليزي هي قصيدة توماس كَراي (1716ـ1771م) بعنوان “مرثية في مقبرة ريفية”. كان الشاعر الإنكليزي ذا مزاج شديد الكآبة، فوقف بين القبور في مقبرة ريفية إنكليزية وراح يستعرض القبور فيها ويتأمل كم كان أولئك الموتى سيكونون أوفر حظاً في الحياة لو تيسر لهم من الظروف المعاشية والاجتماعية ما يجعلهم في مصاف السعداء في الحياة. وقد استهوت هذه القصيدة الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة (1923ـ2007) وهي المعجبة بالشعر الإنكليزي. ونازك، رحمها الله، كانت ذات مزاج كئيب، وربما كان ذلك ما استهواها في مرثية كَراي. فعلى طوال السنين التي عرفتُ الشاعرة فيها، منذ أواسط الخمسينات، زميلة بدار المعلمين العالية ببغداد، امتداداً إلى أواخر الستينات يوم التحقت للتدريس بجامعة الكويت الوليدة، لا أذكر أني رأيتها تبتسم، ولو مرة واحدة، مع أنها كانت تسكن في شقة مجاورة لنا في عمارة بشارع بالسالمية، ونتلاقى صباح مساء، علاوة على اللقاءات في مكتبة جامعة الكويت، أو في الممرات بين غرف الصفوف وبعد نهاية عملي بجامعة الكويت ذهبتُ إلى كمبرج لقضاء سنة في التفرغ العلمي وإجراء بحوث عن شعر التروبادور وأثر الشعر الأندلسي فيه. في صيف 1972 أرسلت الشاعرة إليّ رسالة تقول إنها وزوجها، المرحوم د. عبد الهادي محبوبة، الذي كان يدرّسنا في السنة الثانية في العالية، يريدان قضاء الصيف في كمبرج، وتطلب مني توفير سكن مناسب لهما. فقمتُ بالواجب. ولما ذهبتُ لاستقبالها عند الوصول، رأيتُ أن أحييها تحية شعرية، فخطر لي ان أحرّف قصيدة لها بعنوان “يوتوبيا” المدينة الفاضلة، أو “اللامكان” بجذرها الإغريقي. تقول فيها: “ويوتوبيا حلمٌ في دمي/أموت وأحيا على ذِكرهِ/يموتُ الضياءُ ولا يتحقق ما لونُه، ما شذى زهره” فبادرتُها هاتفاً: “وإنكلترا حُلُم في دمي…” فلاحَ على وجهها مشروع ابتسامة ما لبث أن تلاشى وراء غيوم لم تكن في صيف كمبرج يومذاك. فذهبت جهودي إدراج الرياح، جزاءً وفاقا.
ترجمت نازك قصيدة “مرثية في مقبرة ريفية” ترجمة بالغة الجمال، ولو أنها لم تلتزم حرفياً بلغتها وعباراتها، لكن روح القصيدة وشِعريتها ماثلتان في ترجمة الشاعرة على بحر الخفيف، المؤلم بطول أسطره في الرباعيات:
في المساء الحزين والجرَسُ المحزون ينعي النهار للأجواءِ
والقطيع المكدود ينساب في المرج بطيء الخطى كئيب الثُغاء
والفتى الحارسُ المؤود يجرّ الخطى من الإعياءِ
تاركاً هذه المجالي الحزينات لقلبي أنا وللظلماءِ
وفي الشعر الفرنسي لدينا قصيدة “البحيرة” رائعة “َلَفونس ده لامارتين، التي كتبها عام 1820 في رثاء جوليا شارل، التي “عُلّقها عَرَضاً” على رأي الأعشى… وهي مرثية حزنٍ شفيف دون غلواء العواطف المألوف لدينا: هذه ترجمة عن النص الفرنسي من عمل الطبيب والشاعر اللبناني نقولا فيّاض:
أهكذا أبداً تمضي أمانينا نطوي الحياة وليل الموت يطوينا
تجري بنا سُفُن الأعمار ماخِرةً بحرَ الوجود ولا نلقي مراسينا
وقد نختتم هذا الحديث عن شعر الرثاء بأبرز مرثية في العصر الحديث بالعربية:
قصيدة الجواهري في رثاء شقيقه جعفر، الذي سقط في مظاهرات الوثبة 27/1/1948
أتعلَمُ… أم أنت لا تعلمُ بأن جِراحَ الضحايا فَمُ…
أتعلَمُ أن جراحَ الشهيد تظلّ عن الثأر تستفهمُ…
تقَحَّم، لُعنتَ، أزيزَ الرصاص وجرّب من الحظ ما يُقسَم…
في هذه المرثاة مشاعر عنيفة من الحزن ومشاعر عنيفة من الغضب على الوضع السياسي الذي كان وراء مأساة الفقدان لشخص عزيز على الشاعر. مثل هذه المشاعر لا نجدها في مراثي الشعر غير العربي.