ارتفاع نسب الطلاق في تونس: بين قيود التقاليد المجتمعية وهواجس التفكك الأسري

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:تشير آخر الأرقام الصادرة عن الهياكل الرسمية التونسية سواء العدلية أو غيرها إلى ارتفاع نسب الطلاق في تونس خلال الأعوام الأخيرة. وفي آخر دراسة صادرة عن وزارة العدل هذا العام، فإن المحاكم التونسية تُسجل يوميا أكثر من 46 حالة طلاق، و13 ألف قضية طلاق سنويا في ارتفاع ملحوظ بالمقارنة مع إحصاءات سنة 2017.

ولئن قلل البعض من خطورة هذه الأرقام باعتبار أنها عادية بالمقارنة مع حجم الزيجات التي تتمّ يوميا، إلا أنها تطرح تساؤلات عديدة حول أسباب ازدياد حالات الطلاق وعن مستقبل الأسرة في مجتمع بات يواجه تحديات أعمق مجتمعية واقتصادية وسياسية ونفسية وغيرها. فالأكيد أن الوضع الهشّ الذي تعاني منه البلاد في خضم تجربتها الديمقراطية الوليدة، وما رافقه من غلاء معيشي وضغوطات يومية يعاني منها الزوجان، إضافة إلى أسباب أخرى تراكمية ونفسية، تتسبب إلى حد كبير في تعكير مناخ الحياة الأسرية والظروف العائلية فيصبح معها عقد الزواج مهددا بحد ذاته.

يشار إلى أن هناك ثلاثة أنواع من الطلاق في تونس، وبحسب ما جاء في الفصل 30 من مجلة الأحوال الشخصية، فإنه لا يقع الطلاق إلاّ لدى المحكمة بموجب حكم قضائي، وأنواع الطلاق حددها الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية وهي ثلاثة: الطلاق بالتراضي بين الزوجين ويتم بالاتفاق بينهما. ولا يثبت هذا الاتفاق إلاّ متى تم تأكيده أمام القاضي. ويمكن أن يتعلق الاتفاق بمبدأ الفراق وبآثار الطلاق. والطلاق للضّرر الحاصل لأحد الزوجين من الآخر. ومفهوم الضرر هنا كأوسع ما يكون وتقدّره المحكمة حسب اجتهادها وفي ضوء ملابسات كل قضية. والطلاق إن شاء من الزّوج أو برغبة خاصة من الزّوجة.

 وبالتالي فعلى طالب الطلاق أن يُبين في عريضة الدعوى أي نوع من الطلاق يطلب. كما ان القاضي لا يصدر الحكم بالطلاق مهما كان السبب القانوني إلا بعد القيام بمحاولات صُلحيّة وُجوبيّة بين الزوجين بحسب ما نصّ عليه الفصل 32 من مجلة الأحوال الشخصية.

ثورة على المألوف والتقاليد؟

“في الصيف في الصالة وفي الشتاء في قصر العدالة” هذا المثل الشعبي التونسي بات يتكرر بتندّر لدى أطياف واسعة وهو دلالة على ارتفاع وتيرة الطلاق وسرعتها في عديد حالات الزواج الحاصلة. ففصل الصيف هو في العادة الموسم المخصص للاحتفال بالأعراس، ولكن لا تمرّ شهور قبل ان تكشف بعض عقود الزواج عن هشاشتها أو أنها مبنية على أسباب مصلحية تؤدي إلى فشلها أمام أول هزات. وبعد شهور قليلة يتوجه الشريكان إلى “قصر العدالة” إلى أي المحكمة للبدء بإجراءات الطلاق.

رئيسة اتحاد المرأة التونسية راضية الجربي، لديها قراءة لهذه الظاهرة، فهي تنظر إلى ارتفاع حالات الطلاق بنظرة مختلفة ولا تعتبر أنها تسبب التفكك الأسري وتتابع حديثها لـ “القدس العربي” بالقول: “الأرقام التي نطالعها يوميا في الصحف وتتحدث عن ارتفاع حالات الطلاق إلى ما فوق 30  أو 40 حالة يوميا ليست كبيرة بالمقارنة مع عدد الزيجات وعقود القران، وبالتالي لا يمكن الحديث عن أن النسبة مرتفعة. فالطلاق هو إبطال لعقد الزواج أو فسخه، والطلاق هو السعي إلى قطع العلاقة التي ينظمها هذا العقد”.

النقطة الثانية الإيجابية – حسب الجربي – وهي انه إذا كانت نسبة الطلاق مرتفعة فهي دلالة على أن المرأة التونسية واعية ولا تقبل الإهانة أو الاستمرار في علاقات زوجية مغشوشة أو فيها عنف أو استغلال أو مهانة لشخصها وانها تحبذ قطع هذه العلاقة على العيش غير الكريم. فالوعي لدى المرأة التونسية بلغ حده وكذلك الوعي لدى الأسرة التونسية، فهناك مناصرة من الأسرة  الموسعة – يعني الآباء والأمهات – للإبنة التي تتخذ قرار قطع هذه العلاقات التي عادة ما تكون فاسدة ومبنية على مصلحة، ويكشف الزواج فيما بعد عن الوجه الحقيقي للزيجة سواء من قبل المرأة أو الرجل، وتُكشف الأطماع التي قام على أساسها عقد الزواج. فالعقود الفاسدة على مستوى تأسيسها ومستوى كتابتها تنتهي نهاية طبيعية وعلى مستوى القانون المدني يقع فسخها”.

وتضيف: “من منظوري أتصور أن هناك ارتفاعا في نسبة الوعي لدى النساء وشعورهن بالمواطنة وأن المرأة هي كائن بشري من حقها العيش في ظل أسرة تحميها وتحترمها وان تلك مسألة مبدئية”.

وتتابع محدثتنا: “هذا يجعل المرأة تفضل قطع العلاقة الزوجية على العيش في ظل ظروف مهينة كما يحدث في مختلف الدول الشقيقة. فهناك ميثاق وتقاليد وعادات مبنية على النفاق تحافظ على هذه العلاقات الهشةّ من أجل الآخرين والتقاليد والصورة، خاصة أن صورة المرأة المطلقة ليست جيدة في هذه المجتمعات. أما في تونس فبدأت مثل هذه السلوكيات تندثر وهي مسألة جيدة للغاية”.

ومن ناحية أخرى، توضح محدثتنا، بأن هناك في تونس لبس وعدم وضوح في الرؤيا لمسألة الزواج لدى الشباب، فهل هو عقد مبني على تعاقد طرفين من أجل بناء أسرة مع تقاسم الأدوار من دون روح أو مشاعر أو تفكير بإنجاب الأطفال، أو أنها مؤسسة متكاملة تبنى على أساس التعايش والتوازن العاطفي ما بين الطرفين والأبناء مع كل ما تقتضيه المؤسسات الأسرية بمعنى العلاقات المبنية على العاطفة والقيم وجملة من القواسم المشتركة التي تجعل من الزوجين هما الخلية الأولى لبناء أجيال قادمة؟”.

عقد أم مؤسسة؟

الصراع والخلاف ما بين فقهاء ومفكري القانون هو هل الزواج هل “مؤسسة” أم “عقد” يبدو انه يُطرح الآن بشدة بسبب العلاقات التي تفشل بسرعة لأنها مبنية خطأ وعلى المصلحة وعلى البحث عن المنافع. فتوضح الجربي: “بالنسبة للرجل يبحث عن  أجر ثان يجابه به التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة وظروف اليوم جعلته غير قادر على مجابهتها براتب وحيد وبالتالي أصبح يبحث عن زوجة أو شريكة لديها راتب أكثر مما يبحث عن زوجة. وبالنسبة للنساء أيضا يبحثن عن ظروف مالية ورفاهية أكثر مما يبحثن عن زوج يتقاسمن معه ظروف الحياة المستقبلية وكلا الطرفين مخطئين. ويبدو ان الأخلاق والتفاهم أصبحا أمورا ثانوية، وهذا جزء من أسباب ارتفاع ظاهرة الطلاق في تونس” .

هل يؤثر الطلاق على التفكك الأسري وهل الأسرة مهددة في تونس؟ تجيب محدثتنا: “لا أعتقد باعتبار أن نسبة الطلاق لا تمثل إلا 10 في المئة من الزيجات التي تحدث كل سنة، يعني لا يمكن تحديد مدى تأثير النسبة على مؤسسة الزواج وترابط الأسرة والعلاقات الأسرية في غياب أرقام واضحة”.

وقالت إن ارتفاع حالات الطلاق تتعلق أساسا بالزواج السريع الذي يترجم بناء على عقد مصلحة. وبالعكس فهنا يكون الطلاق جيدا لأن عقد المصلحة لو استمر فإنه سينتج عنه إنجاب أبناء يولدون في ظل حياة أسرية غير عادية تؤثر على توازنهم النفسي وتقدمهم في الدراسة، وأكيد يؤثر ذلك على تماسك المجتمع واتزان العلاقات المجتمعية.

ويؤكد علماء النفس أن الأطفال الذين يعيشون في مناخ يطغى عليه العنف سيترجمون هذا العنف لاحقا عندما يكبرون. وهي كلها تكون سببا في ظهور أمراض اجتماعية ونفسية تؤثر على المجموعة العمومية وعلى الترابط الاجتماعي وانتشار الجريمة أحيانا.

ضغوط اجتماعية وأعباء اقتصادية

 

من جهته يعتبر المختص في العلاقات الأسرية د. نبيل ريحاني في حديثه لـ “القدس العربي” أن ظروف العيش الصعبة من تدهور المقدرة الشرائية إلى جانب الإحباط الذي يعيشه الزوجان والقلق والضغط النفسي الذي يصل إلى درجة الاكتئاب نتيجة الفجوة بين تطلعات التونسي إلى حياة أفضل وبين الإمكانيات المتاحة لتحقيق ذلك، كل هذه الانفعالات التي يعيشها الفرد يوميا وعدم قدرة كل من الزوجين على التحكم بها، يتمّ التعبير عنها أما بالعنف أو باللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية، وينتج عن ذلك التفكير في فك هذا العقد وإنهاء هذا الرابط الاجتماعي والعاطفي. خاصة إذا كان تأسيس هذه الحياة الزوجية على أسس واهنة وضعيفة لا يمكن أن تقاوم التحديات المستقبلية لهذه المؤسسة، وأهمها عدم التوافق الفكري والاجتماعي والثقافي والمادي بين الزوجين الذي لا يمكن أن يُلاحظ ما قبل الزواج بالنظر إلى أن خطاب العقل كان مغيبا في هذه الفترة، ويحضر بدلا عنه خطاب الغريزة والعاطفة. ولأن الطبيعة البشرية تميل وتسكتين إلى ذلك خاصة وأن طفولتنا في الأغلب تعاني من فقر في لغة الحب والعاطفة”.

إلى جانب ذلك “هناك العديد من الروابط الزوجية تقام على الموروث الاجتماعي مثل الخوف من تأخر سن الزواج أو إرضاء الوالدين أو على المصلحة. هذا الضعف في عملية البناء توازيه العولمة التي نعيشها اليوم وتداعياتها الكبيرة على الأسرة التي أصبحت مؤسسة مخفية الاسم مواردها هي الشك وعدم الثقة وعدم التفهم وفقدان القدرة على التواصل وصراع الأدوار والإدمان على المخدرات والكحول وغيرها. كل هذا طبيعي سيفقد هذا التزاوج روحه ويؤدي إلى الطلاق”.

ويضيف محدثنا: “التنشئة الاجتماعية جعلت هذا المجتمع ذكوريا يعطي السلطة للذكر منذ الصغر وتسعى اليوم المرأة إلى ان تستعيد السلطة على ضوء كل الآليات التي ضمنتها مكونات المجتمع. مما يخلق هذه الحرب الباردة لتمتد وتصل تداعياتها حتى إلى الحياة الزوجية، فتفقد روح وسر هذه الحياة فلم يعد يصبح هناك متنفسا لهذه الانفعالات في غياب ضعف المهارات المكتسبة أمام هذه الحرب الباردة والعنف الأسري الذي سينتهي بالضرورة إلى حل هذا العقد”.

ويمكن اعتبار أن ظاهرة الطلاق هي مؤشر يُقاس به واقع الأسرة والمجتمع التونسي في توازنه النفسي وقوة تماسكه والتي تنعكس بالضرورة على السلم والأمن الاجتماعي.

ويؤكد عديد الخبراء والمختصون النفسيون بأن ارتفاع نسب الطلاق والعنف المسّلط على المرأة والقضايا الإجرامية داخل الأسرة تؤدي كلها بالضرورة إلى التفكك الأسري بالرغم من كل المساعي الوطنية من هياكل الدولة للتصدي لظاهرة العنف المسلط على المرأة من خلال التشريعات القانونية، وآخرها قانون 58 لسنة 2017 وكل الآليات التابعة لذلك، ولكن للأسف فإن نسب العنف والطلاق قد ارتفعت بشكل ملحوظ.

ولكن بالرغم من تعدد الأسباب التي كانت وراء تفشي هذه الظاهرة بالتوازي مع ارتفاع منسوب العنف وانحلال منظومة القيم والضوابط الأخلاقية، فلابد من التمعن بعمق في المشاكل الحقيقية التي يكشف عنها واقعنا اليومي وهي في الحقيقة نتيجة لأزمة اجتماعية شاملة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية