بغداد ـ «القدس العربي»: لم يمر تقرير وثائقي بثّته قناة «الحرة عراق» المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أيام، عن الفساد في المؤسسات الدينية في العراق وحمّل عنوان «أقانيم الفساد المقدس»، مرور الكرام، بل أثار موجة من ردود الأفعال الرافضة والمنتقدة في الوقت عيّنه، لا سيما إن التقرير تضمن أسماءً تحوم حولها الشبهات أبرزها عبداللطيف الهميم ومهدي الصميدعي والعتبات المقدسة وممثل رجل الدين الشيعي البارز علي السيستاني، الذي يمثل المرجع الديني الأعلى لدى الشيعة في العراق.
وأعلنت هيئة الإعلام والاتصالات، التابعة لمجلس الوزراء العراقي، أمس الإثنين، تعليق عمل مكاتب قناة «الحرة عراق» لثلاثة أشهر، معتبرة أن الوثائقي «مسيئا للمؤسسات الدينية» في البلاد، مطالبة إياها بتقديم اعتذار رسمي.
وقررت الهيئة، حسب ما قالت في بيان «تعليق رخصة عمل مكاتب قناة الحرة عراق في العراق لمدة ثلاثة أشهر، وايقاف أنشطتها لحين إعادة تصويب موقفها حيال التعاطي مع الشأن العراقي».
وطالبت «ببث اعتذار رسمي من مكتب ادارة قناة الحرة في العراق لما سببه البرنامج من ازدراء واساءة لرموز وشخصيات المؤسسات الدينية والتي أضرت بسمعتها ومكانتها في نفوس الشعب العراقي».
وشدد البيان على «التعهد بالتزام مكاتب القناة في العراق بلائحة قواعد البث الإعلامي وعدم تجاوز موادها في تقاريرها المعدة في الشأن العراقي».
وعدت الهيئة هذه الاجراءات «بمثابة انذار نهائي للقناة، وسيتم اتخاذ عقوبة أكثر شدة في حال تكرار الإساءة، وخرق مواد لائحة قواعد البث الاعلامي مرة أخرى».
وتابع البيان أن الهيئة «تترك للجهات والشخصيات المتضررة حق تقديم الشكوى لدى الجهات القضائية المختصة، وستقدم رأيها الفني في ذلك».
كانت سفارة واشنطن في بغداد علقت على الغضب الذي أثاره وثائقي قناة «الحرة عراق» في الأوساط العراقية، مؤكدة أن «وزارة الخارجية الأمريكية لا تملك سلطة رقابية على محتوى القناة التي تتناول بشفافية وحيادية القضايا الهامة في المنطقة والسياسات الأمريكية، مع الحرص على عرض كافة وجهات النظر بشأن القضايا التي تهم المتابعين».
وأضافت السفارة، عبر بيان الأحد، أن «وزارة الخارجية والسفارات الأمريكية حول العالم لا تملك سلطة رقابية على محتوى البرامج في قناة الحرة عراق».
وأشارت إلى أن «للحكومة العراقية حق الرد ومساءلة قناة الحرة عراق على أي تقرير ترى أنه تضمن معلومات غير دقيقة أو بعيدة عن المهنية أو تتعارض مع السياسات الأمريكية».
وعلمت «القدس العربي» من مصدر في قناة «الحرة»، التي تقع في بغداد في منطقة أبي نؤاس، على نهر دجلة، أن «إدارة القناة أبلغت جميع الموظفين بعدم القدوم إلى الدوام أمس خشية استهدافهم، لافتاً إلى أن «جميع زملائه لم يتوجهوا إلى عملهم (أمس)، وهم في ترقب بشأن ما ستؤول إليه الأمور في الساعات أو الأيام المقبلة».
وأكد المصدر، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، إن «مبنى القناة مغلق بالكامل ولا يتواجد فيه سوى بضع الأفراد الذين يعملون في مجال الأمن»، مشيراً إلى أن «معلومات وردت إلى إدارة القناة بخروج تظاهرات مرتقبة أمام مبنى القناة مساء اليوم (أمس). خشية من ردود الفعل غير المتوقعة قررت الإدارة تعطيل الدوام اليوم». على حدّ قوله.
وعلى إثر ذلك، أكد معاون الأمين العام للعتبة الحسينية للشؤون الثقافية أفضل الشامي: « بدأنا التحري عن سبب تغيير سياسة قناة الحرة فوجدنا أنها تسيء للخط الديني بامتياز»، مشيراً في تصريح له إلى أن «قناة الحرة الأمريكية مغرضة وتقوم بتزوير الحقائق»، مضيفاً: «لا نتشرف بلقاء اي قناة إعلامية تقوم بالإساءة للحشد الشعبي والمقدسات، ونأسف لوجود قناة تدعي أنها معروفة عالميا ان تقوم بالكذب والتدليس بشكل فاضح، ولكن ماذا ننتظر من قناة تديرها الماكنة الأمريكية».
دعوى قضائية
أما ديوان الوقف السني الذي يديره عبد اللطيف الهميم، والذي ورد اسمه في الوثائقي فيعتزم رفع دعوى قضائية على القناة، وعبّر الديوان، في بيان أصدره أمس الإثنين، عن أسفه «للتقرير التلفزيوني الذي بثته قناة الحرة الممولة من الإدارة الأمريكية وفيه إساءات تجاوزت القصد وتحريف للحقائق وتزييف للوقائع، بسيناريو مفضوح يُراد من ورائه التوظيف السياسي وسوء القصد على أي حال بما ينال من المؤسسة الدينية والوطنية ورموزها في العراق، بكلام باطل على وجه باطل فيه كثير من الظلم والإجحاف، افتقر إلى المصداقية والعدل والإنصاف، وبعيداً عن ماكنات الدعاية والتضليل الأمريكية المعروفة بالأكاذيب، ولكي يُستبان الرشد من الغي، وتتضح الحقيقة الكاملة أمام الرأي العام، كان لا بُدّ من وضع هذه النقط فوق الحروف».
قرار بتعليق عمل «الحرة» 3 أشهر… والوقف السني يعتزم مقاضاتها
وأضاف البيان أن «قناة الحرة إدعت في تقريرها أن محكمة الجنح العراقية أصدرت حكماً قضائيا بتاريخ 15/ 4/ 2017 على رئيس ديوان الوقف السني عبد اللطيف الهميم بقضايا تتعلق بالفساد»، مستدركا القول «لكن الحقيقة ليست كذلك، إنما القضية المشار إليها لم تكن سوى قضية اجتهاد واختلاف في مسألة إدارية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمال العام».
وتابع: «لم تكن هنالك أي قضية تتعلق بالنزاهة أو المال العام موجهة ضد شخص رئيس الديوان، بما في ذلك القضية المشار إليها في قناة الحرة، بل تتعلق بإجراء إداري بحت ومستعدون لتقديم جميع الوثائق وذلك معروف لا يحتاج إلى دليل».
وتطرق البيان إلى ما يتعلق في مدينة ألعاب الرمادي، قائلا «إنها من المفارقات المضحكة، لأن هذه المدينة مشيدة منذ العام 1994 ولا زالت شاخصة للعيان حتى هذه اللحظة في قلب الرمادي ولا تحتاج إلى عين لترى، ثم ما الرابط الموضوعي بين مدينة ألعاب الرمادي قبل ربع قرن وديوان الوقف السني؟ فالشيخ الهميم معروف عنه أنه رجل أعمال وعدا كونه شخصية وطنية وإسلامية وفكرية، فإنه شخصية مصرفية لها تاريخ مشهود».
أسئلة في غير محلّها
ورأى البيان، أن «التقرير المسيء أثار أسئلة في غير محلها، ولا في زمانها ولا في مكانها، عن سبب تعاقد ديوان الوقف السني مع عدد من الفضائيات العراقية للترويج عن الحملة الوطنية الإسلامية لمناهضة الغلو والتطرف والإرهاب، ولماذا لم يتخذ الديوان من منابر مساجده في محافظات النزوح بديلاً عن منابر عدد من الفضائيات»، موضحا أن «فات على قناة الحرة ومموليها أن جميع مساجدنا كانت يومئذ معطلة ومحتلة بالكامل من تنظيم داعش، وكان خطباء هذا التنظيم ينشرون أفكارهم المنحرفة والضالة من على منابرها، ولم يكن أمامنا يومئذ من سبيل سوى التشبث بوسائل الإعلام لإيصال رسالة الوقف المعتدلة إلى الجمهور، وأن السنّة في العراق هم ضحايا داعش».
وعبر عن استغرابه أن «يستضيف التقرير شخصاً يبدي استغرابه وسؤاله: لماذا ينفق الديوان مبالغ على مسابقات القرآن الكريم والاحتفالات الدينية، فإما أن يكون هذا الشخص جاهلاً أو أنه يريد أن يتجاهل فلا يدري أن في عدد من دول العالم الإسلامي ثمة وزارات ودواوين للأوقاف تنفق ملايين الدولارات على طبع وتحفيظ القرآن الكريم، في حين ما ينفقه ديوان الوقف السني ووفق سياسة التقشف المالية لا يستحق الذكر أصلاً، بل هو مخجل بالفعل؟!».
ودعا البيان القناة إلى أن «تكون حرة، لأننا ندرك جيداً أن الأموال الهائلة التي تغدق عليها ليست لوجه الله تعالى، ولم تكن لوجه العراق، إنما للتبشير بمشروع أمريكي يستهدف بلدنا تاريخاً وديناً وحضارة. نحن على قناعة أن ما عرض في هذه القناة من أكاذيب وتزوير للحقائق هو جزء من مشروع أمريكي صهيوني يراد من خلاله الإساءة الى المؤسسة الإسلامية، لذا فإن ديوان الوقف السني يحتفظ بحقه القانوني بمقاضاة قناة الحرة ومن يقف خلف البرنامج قانونياً».
من بين موجة ردود الأفعال على تقرير «الحرّة»، جاء ردّ «الحشد الشعبي»، إذ انتقد «الخطاب العدواني المتصاعد لعدد من القنوات المحلية والعالمية»، فيما استنكر ما وصفها «السموم» التي تبث من هذه المؤسسات المشبوهة.
وأضاف في بيان صحافي : «يتابع الحشد منذ شهور عدة الرصد والتحليل للخطاب العدواني المتصاعد لعدد من القنوات المحلية والعالمية والذي يستهدف العراق شعبا ودولة ومعتقدات، وبالأخص قناة الحرة التابعة للبنتاغون الأمريكي»، مبينا أن «السياسة الإخبارية العدوانية لقناة الحرة واستهدافها المتكرر في برامجها للرموز والشخصيات والمجتمع والإسلام يعتبر استغلال واضح للحرية الإعلامية في العراق».
وأضاف أن «ذلك يمثل فوضى يجب أن تقنن وأن تنظم وفق معايير صحافية مهنية بعيدة عن الكذب والتضليل والتسقيط الذي يمارس من قبل قناة الحرة وقنوات أخرى، فضلا عن مواقع مشبوهة على شبكات التواصل الاجتماعي مدعومة من أجهزة إستخبارية باتت اليوم معروفة لدى الجميع».
واستنكر «الحشد» ما أسماه «السموم التي تبث من هذه المؤسسات المشبوهة»، معربا عن الدعم «لأي إجراء حكومي ولمؤسسات الدولة المعنية من هيئة الإعلام والاتصالات والقضاء، بالإضافة إلى نقابة الصحافيين واتحاد الإذاعات والتلفزيونات العراقية، في أي إجراء يضع حد لهذه الانتهاكات ويحاسب المقصرين سواء كانوا أفراد أو أحزاب أو دول».