انشغل عالم السوشيال ميديا طوال الأيام الماضية بتصريحات المُمثل المصري أحمد فلوكس، نجل الفنان المعروف فاروق فلوكس، فقد أعلن الابن عبر وسائل التواصل الاجتماعي توبته وطالب جمهوره وأصدقائه ومُحبيه بأن يسامحوه، ولأن الصيغة التي كُتب بها إعلان التوبة على حد تعبير كاتبها مُبهمة وغير واضحة، فقد أثارت لغطاً وجدلاً كبيرين، فالبعض اعتبرها محاولة من جانب الفنان الشاب للفت النظر وتغطية على المشاكل التي يواجهها منذ فترة، والبعض الآخر اعتبر أن ما تم تدوينه على صفحته الشخصية بالتليغرام هو رد فعل لأزمة نفسية يعيشها المُمثل نتيجة عدة عوامل أحاطت به وأدت إلى اختياره اعتزال الحياة الفنية لينعم براحة البال ويخرج من دائرة الصراع والحروب الفنية التي لا تنتهي.
وسواء كانت الأسباب التي ذُكرت هي ذاتها الدافعة إلى عملية الابتعاد وإيثار السلامة أم أن هناك أسباباً أخرى غير معلومة ستتكشف مع الوقت، فإن اقتران التوبة بقرار الاعتزال هو ما دعا إلى إثارة الضجة وأعطى للموضوع بُعداً آخر يجدر بالبحث والتقصي عن دوافع مُمثل لا يزال في مستهل حياته الفنية للجوء إلى الانسحاب مُبكراً من الساحة الإبداعية التي دخلها بمحض إرادته مقتدياً بوالده الفنان الكوميدي الذي قدم عشرات الأفلام والمسرحيات والمسلسلات مع كبار النجوم، فؤاد المهندس وشويكار وعادل إمام وصلاح قابيل وحسن مصطفى وجمال إسماعيل، ونجح نجاحاً مُلفتاً وكون قاعدة جماهيرية كبرى عملت على دعمه واستمراره حتى صار نجماً يُشار إليه بالبنان.
لقد حولت فكرة التوبة التي بنى أحمد فلوكس قراره عليها، الاعتزال الذي انتواه من مجرد اختيار إلى لُغز كبير، حيث السؤال المطروح بقوة الآن، عن أي شيء يتوب الفنان الشاب بالضبط؟ وهل التمثيل في حد ذاته كمهنه يتطلب إعلان التوبة عنه إذا ما أراد الفنان تركه وإفساح المجال لغيره؟ أم أن خلفيات أخرى وراء قرار الاعتزال لا يُريد فلوكس الإفصاح عنها؟ الأمر ذاته يحتاج لمزيد من الفهم والتدقيق، فلغة الاعتراف بالذنب التي كُتب بها البوست المفاجأة وحالة الاسترضاء التي صدرها صاحب الرسالة إلى جمهوره وأصدقائه ومُحبيه كانت على مستوى ما من الإثارة العاطفية والوجدانية، فأدت إلى طرح العديد من الأسئلة حول المُبررات والأسباب وما يُمكن أن يكون غامضاً ومُستتراً، لا سيما أن هذه الخطوة سبقها كلام حول خلافات نشبت بين الابن وأبيه الفنان فاروق فلوكس وبعض مناوشات أخرى بين أحمد فلوكس نفسه وبين إلهام شاهين، فالخلاف الأول مع الأب كان على أثر تصريح الفنان الكبير بتجاهل ابنه له في بعض الأوقات، وهو ما رد عليه أحمد بالاعتذار لأبيه عما أسماه بالتجاهل موضحاً أنه لا يُريد أن يُثقل عليه بمشاكله الخاصة، وهذه المشكلة تفهمها الأب تماماً وانتهى الأمر عند هذا الحد.
أما خلاف أحمد فلوكس مع إلهام شاهين فقد جاء على خلفية دفاع إلهام عن القٌبلات السينمائية في الأفلام وعدم رفضها للمشاهد الجريئة التي تُعبر عن المضمون الدرامي بحسب وجهة نظرها، وهذه الجزئية تكشف عن جانب مهم في شخصية أحمد فلوكس ربما يكون لها صلة بقرار اعتزاله أو توبته النصوحة وفق تسميته، فمن المُحتمل وجود شعور ما بالذنب تكون لدى أحمد نتيجة مشاركته في بعض الأعمال الفنية التي تحتوي على مشاهد معينة تُثير حفيظته ولا تتوافق مع مبادئه الأخلاقية والإنسانية، علماً بأنه لم يكن طرفاً في مشهد مُبتذل أو خارج، فلم يُسجل عليه أحد تجاوزاً ما أو جرأة معينة في مشهد قام بتمثيله مع ممثلة بعينها في فيلم أو مسلسل، فمعظم أدواره التي قدمها زمنها “شارع 18″ و”30 يوم في العز” و”أنا قلبي دليلي” و”علاقات خاصة” و”إحنا الطلبة” و”أعز أصحاب” و”الدخول في الممنوع” هي أدوار ثانوية وليس بها ما يستدعي القلق من اللوم أو المساءلة الجماهيرية.
كما أن الالتزام في الفن والتمثيل لا يستوجب بالضرورة رفضه بالكلية فكما يوجد الغث يوجد أيضاً السمين والثمين، فما لا يُدرك كله لا يُترك كله فبالقطع هناك أعمال سينمائية ومسرحية وتلفزيونية تستحق المُشاهدة والتقدير، فلا ينبغي تطبيق قاعدة الرفض للإبداع كافة لمجرد أن هناك بعض الأعمال السيئة والضعيفة فنياً، ثم إن فكرة الاعتزال والكلام عن التوبة يحتم ذكر الأسباب الجوهرية التي يُقبل معها مبدأ الانسحاب من الواقع الفني كما حدث مع المخرج الكبير داود عبد السيد الذي أعلن اعتزاله الإخراج مُبيناً الأسباب والدوافع التي أدت به لاتخاذ القرار والإصرار عليه، ومن بينها شعوره بالغُبن وعدم تكيفه مع ما يُقدم على الشاشة وتقلص فرصه في إنجاز أعمال ذات قيمة فنية وإنسانية بعد أن سيطر التجار على سوق السينما سيطرة كاملة وتحويل الفن إلى سلعة رخيصة في أغلب الأحيان.
هذا المنطق الذي بمقتضاه اتخذ المخرج الكبير داود عبد السيد قرار الابتعاد عن السينما والإخراج كان مُقنعاً ودالاً بشكل واضح على الأزمة التي صارت وتفاقمت ولم تُجد معها أنصاف الحلول من وجهة نظره، ولهذا هدأت عاصفة الاحتجاج والرفض لقرار المُبدع الكبير الذي أفنى حياته في تجميل الصورة السينمائية في الأفلام المصرية الموقعة باسمه.
لكن في ما يخص التوبة فإنها قرار شخصي بحت لا يعني بالضرورة أن الدافع إليه هو تحصين النفس من درن الفن والتمثيل باعتباره فساداً وإفساداً!