اعترافات السيّاب في رسائله اليومية: تمرّد مُبكَّرعلى ثقافة التيار المؤدلج

■ عام 1959 نشر السياب في صحيفة «الحرية» البغدادية وبشكل يومي سلسلة رسائل جاءت على شكل اعترافات، وبعيدا عن مضامينها والأسلوب الذي كتبت به، فهي تكتسب أهمية خاصة، لأنها محاولة سردية من قبل شخص يعمل في حقلي الشعر والثقافة، لكشف بنية ثقافية واجتماعية لواحد من أعرق التنظيمات الأيديولوجية اليسارية في العراق، اعتمادا على تجربته الذاتية، ومجرد أنها كتبت بقلم السياب، هذا وحده سبب كاف لأن يستفز شغفَنَا ويحفِّزنا على قراءة ما جاء فيها من مواجهة وتنقيب ازاء العالم الذي أحاط به كمثقف عضوي، خاصة أن الأيديولوجيا خلال فترة أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت تفرض هيمنتها على طبيعة العلاقة التي تحكم العاملين في المشغل الإبداعي والثقافي، وهي الفترة التي عاصرها السياب واكتوى بنارها.
الرسائل تفصح عن إشكالية العلاقة بين المبدع والانتماء الأيديولوجي في مرحلة مبكرة من تاريخ العراق الحديث، وما يتمخض عن ذلك من صراع سلبي يدفع ثمنه المبدع من نضج تجربته ومن حريته، سواء على صعيد خطابه الفني أو ما يتعلق بموقفه الشخصي من المشهد العام. وإذا ما توفرت الفرصة لقراءة هذه الرسائل لأي شخص، سيقف أمام معضلات تعصف بالمجتمع العراقي هذه الأيام، سبق للسياب وفي وقت مبكر أن انتبه إليها وتصدى لها. ولو تأملنا على سبيل المثال موقفه النقدي الرافض لصور التحامل على الهوية العربية من قبل رفاقه في التنظيم، لوجدنا موقفه لا يندرج في معاييرالطرح الأيديولوجي القومي، الذي كان يعيش عصره الذهبي انذاك، بقدر ما يعكس الدفاع عن هويته القومية في بعدها الثقافي والاجتماعي والإنساني، بعيدا عن سلطة الخطاب الأيديولوجي القومي، وإذا ما حاولنا أن نجري مقاربة بين ما نشهده اليوم من خطاب عنصري موجه ضد العرب، مع الملاحظات التي سجلها، سنكتشف أن أسباب معركة السياب ما زالت قائمة، بما يدفعنا إلى إعادة قراءة الرسائل من جديد، لأنها تبدو غير منفصلة عما يضج به الحاضر من احتقان في خطاب الأيديولوجيات.
ربما لا يختلف اثنان من النقاد على دوره الريادي في حركة الشعر العربي المعاصر، وعلى أنه مايزال أبرز شعراء الحداثة العرب، الذين ظهروا مطلع خمسينيات القرن الماضي، وبناء على ذلك يتم النظر إلى ما جاء في رسائله من ملاحظات على أنها تمثل قراءة نقدية لأحداث ارتبطت بفترة زمنية ساخنة من تاريخ العراق الحديث، مازالت تلقي ظلالها الثقيلة عليه، وعلى الأجيال اللاحقة، كما أنها لم تأت من شخص يقيم في برج عاجي، بل كان منصهرا في مرجل التجربة ذاتها، باعتباره عضوا في صفوف حزب سياسي، كان يقف في طليعة القوى التي تتسيد الشارع العراقي منذ أربعينيات القرن الماضي، وكان من الممكن أن لا يتم الالتفات إلى الرسائل، لو لم يتولى وليد خالد حسن مهمة جمعها وإعدادها وطبعها في كتاب صدر عام 2007 عن منشورات الجمل بعنوان «كنت شيوعيا».
ما سجله السياب في رسائله كان خلاصة مواقف شخصية مرّ بها، وأخرى كان شاهدا عليها، تناولت مواقف وأحداثا جميع شخصياتها كانت محسوبة على التنظيم السياسي الذي كان ينتمي له، بعضها يخص عناصر قيادية معروفة، والملاحظ أنه كشف فيها عن موقف نقدي اتسم بجرأة تتناسب مع جرأة موقفه الشعري، ولم يهمس به عبر لغة شعرية مجازية، كما هو أسلوبه في قصائده، بقدر ما جاءت لغته واضحة وصريحة.

تمرد السياب على سلطة الأيديولوجيا لم يكن من فراغ، ومن الخطأ التعامل معه من منظار التحليل النفسي، اختزالا لشخصيته كشاعر ومثقف، وإذا ما تم التعامل معه وفق هذا المنظار الضيق، سيكون بالتالي هذا المنهج أقرب إلى التسقيط الشخصي منه إلى التحليل العلمي.

هذا النمط من الكتابة لم يكن معهودا آنذاك، ويتباين مع ما هو سائد من مدونات ذاتية، وهذا التباين ربما يصل بنا إلى أن نضعه في خانة الريادة، ليضاف إلى ريادته في البحث عن شكل جديد للقصيدة بعيدا عن بنية العمود الشعري، لأن صيغة «رسائل الاعترافات» لم يكن لها آنذاك حضور يذكر في منظومة الثقافة العربية بشكل عام، وثقافة المنخرطين في سوق الأيديولوجيات بشكل خاص، التي عادة ما كانت تضع مثل هذه الكتابات إذا ما وجِدت، في خانة المحرمات، وإذا ما تجرأ أي عضو وأقدم عليها ستلاحقه تهمة الخيانة، هذا إذا لم يتم تدميره نفسيا عبر أساليب دعائية ممنهجة تحشره في أقل تقدير في زاوية من العزلة المجتمعية، والسياب ناله مثل هذا العقاب، بينما على العكس منه تلقى رفيقه في الشعر والتنظيم الشاعر عبد الوهاب البياتي دعما أكبر بكثير من إمكاناته الشعرية المتواضعة، إذا ما قورنت بما كان يمتلكه السياب، وبسبب ذلك نال البياتي شهرة كبيرة داخل وخارج العراق، لأنه وببساطة فرط بحريته الذاتية كمبدع لصالح الانسياق في خطاب الأيديولوجيا.
مؤكد أن تمرد السياب على سلطة الأيديولوجيا لم يكن من فراغ، ومن الخطأ التعامل معه من منظار التحليل النفسي، اختزالا لشخصيته كشاعر ومثقف، وإذا ما تم التعامل معه وفق هذا المنظار الضيق، سيكون بالتالي هذا المنهج أقرب إلى التسقيط الشخصي منه إلى التحليل العلمي، مثلما فعل البعض بهدف تأكيدهم فرضية أن السياب يعبِّر عن ذات مأزومة تعيش تخبطا نفسيا بسبب هيئته الجسمانية التي تخلو من الوسامة.
إن اعترافاته لها شكل آخر لأنه ببساطة يملك وعيا خاصا أزاء الأشياء لا يتفق مع استجابة العامة، ويتعارض معها، لذا سيكون من الإجحاف أن يتم الجمع بين رؤيته ورؤية أي شخص آخر في ما لو اتخذ موقفه نفسه.
وانطلاقا من كونه يحمل ذاتا مبدعة لم يكن مرجحا منه أن ينساق بكل سهولة إلى الذوبان في كيان أيديولوجي، وهذا ما لا يتفق مع طبيعة المبدع بشكل عام، فهو دائما يكابد لأجل أن يكون خارج تنميط سلطة العالم الخارجي ومقولاته، التي يحاول فرضها على الجميع، ومن هنا تعود تراجيدية الموقف الذي اختاره السياب، وعلى أثر ذلك عاش أزمة حياتية ونفسية تركت أثرها السلبي على صحته، تشبه ما آلت إليه أحوال عدد من الكتاب والفنانين الروس أيام الاتحاد السوفييتي مثل بوريس باسترناك وسولجنستين ومايرهولد.
خطاب السياب كان معنيا بأن يذهب في مسار خاص يتمرد فيه على ما هو جاهز من إجابات، سواء في الكتابة الشعرية أو في المواقف الحياتية التي يفرضها المناخ الأيديولوجي العام، بمعنى أنه كان مهيأً لأن يمسك عصا الأسئلة ليحاكم الواقع، وأن لا يستجيب بسهولة لما تفرضه دائرة العلاقات الأيديولوجية المغلقة على مفاهيمها من غير أن يطرح عليها أسئلة، ولو فعل العكس وانصاع لها لحكم على ذاته المبدعة بالموت قبل أن يموت جسديا.
الرسائل حافلة بالأحداث والشخصيات والتجارب التي يستعيدها، ليكشف من خلالها الصدمات التي تلقاها وعيه في الواقع، بعد أن تعرّت أمامه الأفكار والمفاهيم الأيديولوجية التي كان قد عبأ بها رأسه، وروايته تمثل وجهة نظر مثقف أزاء حقبة من تاريخ العراق جــــاءت بعيدا عن نمطـــية السرديات التي عادة ما يكتبها رفاق ومناضلون، فيسبغون عليها مسحة من الرومانسية والمثالية.
هي وجهة نظر أخرى تنشق عن ثقافة التيار المؤدلج، لا يستظل بها إلا من كان في خانة المبدعين الذين تتضح مقدرتهم في لحظات مفارقة من حياة الجماعات، وبناء على ذلك لا يمكن أن يُنعت صاحبها على أنه كان مأزوما نفسيا، أو أنه يشكل حالة سلبية في السياق العام لمثالية البنية التي انتقدها، إنما يمثل محاولة جريئة للخروج من صورة التأكسد التي عادة ما تصيب البنى الأيديولوجية، نتيجة ما تمارسه من قمع فكري لذاتها بذاتها، فينتج عنها شيوع صور الكذب والنفاق بين عناصرها.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية