لا يستقرّ أسلوب «الرواية داخل الرواية»، الذي يجيده الروائيون المحترفون، على طريقةٍ واحدة، لكنّه يتجلّى واضحاً في بنية الرواية، وبالأخصّ عند تلاعبها بالزمن، ليثير لدى القارئ متعةَ اكتشافٍ ساحرٍ تقوّي وضعه كاتباً للرواية التي يقرأ، من خلال عيش روايته الخاصة التي تكتبها ذكرياته المتفاعلة معها. ومثلُ عدم استقرارها على طريقةٍ، يحدُث للرواية داخل الرواية أن تنتقل من الوضوح إلى أن تكونَ طيفاً، يُبلور نفسه في متعةِ عيش القارئ اكتشافَ «طرقٍ مبتكرةٍ لبدء وختام الرواية»، ترقى إلى أن تكون روايةً بحدّ ذاتها داخل الرواية، مثلما يحدث مع التشابك الرئيسي الثلاثي المبدع الذي تديره الروائية اللبنانية علوية صبح باحترافٍ، في روايتها الجديدة «افرح يا قلبي»؛ بين منظومةِ السرد المتحوّلة من صيغة سرد ضمير المتكلم الدائر على نفسه إلى صيغة سرد الراوي العليم؛ والعنوانِ المخادع المتحوّل من أغنيةٍ لأم كلثوم، إلى ثيمةٍ تقود الرواية، وتحدّد مفاصلها وتفتح الفصول على الفصول؛ وانفتاحِ الرواية على عالم الاحتمالات التي تنتقل إلى القارئ وتدفعه إلى تخيّل واقعِ ما بعد النهاية أو وضع كونٍ يخصّه في لا وعيه، أكثر مما يخصّ بطل الروايةِ، لما لم يكن. وهذا في بنيةٍ سلسةٍ متناغمةِ الإيقاع ومتماثلةٍ في هذا التناغم الخلّاق مع جوهر موضوعها/ الموسيقى، كصاهرةٍ للهويات المتصارعة، ماحيةٍ أنيابَها القاتلة، ومحولةٍ إياها إلى بحيرةٍ تسبحُ فيها الإنسانية متحررةً من ثياب ماضيها، وتخرجُ متشمسةً في ظلال حرية حاضرها وأحلام مستقبلها:
«وفجأةً حدث مالم يتوقّعه. وصَلَه رنينُ الموسيقى بكامله في أذنيه، والطائرة تحلّق به: «ها هي الموسيقى التي حلمتُ أن أؤلفَها وأعزفَها تكتملُ وأنا بين السماء والأرض. يا للغرابة!». آلاتٌ شرقية وغربية والعود بينها في لحن أسطوريّ. هو الآن عزفٌ كاملٌ في أذنيه دون تصوّر سابقٍ أو أيّ هاجسٍ في التفكير به، يتناثر في الفضاء بعد أن عنونه «عزيزي الإنسان» تعلو رقابَ البشر وهم يسمعونه من الغيوم ويطربون له، دون أن يدركوا أيّ غيمةٍ تعزفه».
«افرح يا قلبي» روايةٌ متشابكةٌ مشغولةٌ بتأنٍّ ودراساتٍ وزمنِ نارٍ موقَّتٍ على جودة الإنضاج، ولكنْ أيضاً، بسلاسةٍ وتدفّق وحميميةٍ وناريةٍ تتداخل مع شغف القارئ لمتابعة الأحداث بعمقٍ ولا توقفه السجلّات بسبب تشابكها مع الشخصيات كحياتها.
ومنذ البداية حتى اللانهاية، تديرُ صُبح أحداثَ وشخصيات وعوالم وثقافة روايتها، ضمن بنيةٍ مفتوحة تتوالى فيها ثمانية عشر فصلاً، وضعتْها بأرقام، كي لا تقيّدها العناوين ربّما. وتخصّص صبح الخمسة الأولى منها لمعالجة المكان/ بلدة «دار العزّ» في شمال لبنان، التي يجري فيها، كبؤرةٍ تمثّل مدن لبنان وما حولها، صراعُ الهويات والحروب الدينية والإثنية والعرقية والطائفية وصراع الشرق والغرب والشرق والشرق، وصراع الإنسان بينه وبين نفسه؛ ويقذف فيها الصراع الذي انتهى بمقتل جمال الأخ الكبير النبيل لبطل الرواية غسان، على يد أخيه المتطرّف دينياً عفيف، إلى المنفى الأمريكي في نيويورك.
وتُخصّص صبح الفصول الثمانية التالية لمعالجة مسائل المنفى والهوية من خلال حياة غسان في المنفى وحبه وزواجه، وتحولاته بالتداخل مع ذكرياته وصدماته، والموسيقى فيه كعازف ومؤلف وأستاذ موسيقى، ومع فكر وإنسانية ونقد ومعالجة إدوارد سعيد للمكان والمنفى والموسيقى والهويات، بتفهّم وتحريض زوجته الأمريكية كيرستن، مُدرّسة الصوفية وتابعة الصوفي الشهير جلال الدين الرومي، حتى الفصل 14. وتصوّر في الفصول الخمسة التالية توزّع وتشتت غسّان بين ثلاث نساء: شرقية راضخةٌ تغذّي فيه جانب ذكوريته الذي يكرهه، وغربية حرّة تُشعره بتكامل رجولته في مساواتها به، وامرأة حلم كانت حبّه الأول أيام مراهقته، في ظلّ هيمنة ذكريات المكان وآثار المعتقدات المتخفية داخل الشخصيات وتأجيجها للصراعات؛ حتى إيصال القارئ للوقوف أمام صندوق الاحتمالات لاختيار واقع غسان الجديد وواقعه في تشابك الواقعات الافتراضية:
«وفي الطائرة، شعر بأن كل خطوةٍ خطاها في حياته تتصارع مع ما قبْلها في نفسه وكيانه، كأنّ هناك اختلاطاً عجيباً به في كل خطوةٍ من حياته. دائماً يختلط عنده الماضي بالحاضر والمستقبل، الحبّ بالكراهية، الرفض بالقبول، إلغاءُ الحياة لأشياءَ بوهب الحياة لها، كثيراً ما فعل ذلك عندما قتلَ الطفل به ليحيا الرجل، وقتل أباه لتحيا هويةٌ جديدةٌ له حتى في الموسيقى، وقتلَ الشرقيّ به ليحيا الغربيُّ، والآن هل سيقتل الغربيَّ ليحيا الشرقيُّ من جديد، بل هل قتل الشرقيَّ حقاً؟ والآن أيضاً ماذا سيقتل وأيّة حياةٍ سيهبها له؟ هل عليه أن يقتلَ حبّه لرُلى أم لكيرستن، أم يقتلَ نفسه بعدما اختار أن يتوزّع بينهما؟».
في إقامة تشابكها البنيوي الثلاثي المتداخل بعناصر غنية متعدّدة في صنع هذه الرواية، تُغْني صبح تحويل صيغة سرد الرواية بشاعريّة أخّاذة، وصْفاً وتصويراً ولغةً، تتناغم مع طبيعة بطلها الموسيقي، وتشملُ في الحقيقة كامل الرواية، فتتحوّل طيراً يحوِّل سردَ غسان من سردِ ذاته إلى سرده عنه: «في تلك اللحظة، أحسّ برغبةٍ وحاجةٍ شديدتين لأن يروي له أحدٌ ما حكايته، فقد يعجز الإنسان أن يرويها بصدقٍ ويفوتَه شيءٌ منها لا يحبّ تذكّره. فجأةً، وجد نفسه يُحدّث الطائر المجهول، يطلبُ منه أن يحكي له حكايته كلّها، ماضيه، وأن يتابعَ سردَ حكايته في نيويورك بل إلى آخر حياته. عندها لن يكون ما سيحكيه مجهولاً بل سيصير معلوماً لديه، فنادى العصفور: احكِ يا طير… احكِ يا طير… تابعْ دقّات قلبي… تابعني… أرجوك.
رفرف الطائر بجناحيه وراح يحكي لغسان ولنا حكايته».
وفي منظومة السرد المتحوّل هذه، يُغْنِي طير صبح سرده بتحويل الحوارات إلى اللهجة اللبنانية المحكية الأقرب إلى الفصحى من أجل الحفاظ على روح الشخصيات حية في الرواية، كما يُغْني ويغَنّي في ذات الوقت حكايةَ غسان وعائلته وعالم نهاية الخمسينات والستينات الجميل الذي تتخفى بشاعات التعصب فيه أيضاً، بسجلّ ضخمٍ حيّ متدفّق للأغاني التي تستقر كلماتُ وموسيقى أغنياتِ كوكب الشرق أم كلثوم في مركز دائرته، مع سجل آخر للموسيقى الشرقية والغربية وأعلامهما وتفاصيل صنعها وتأثيرها، بارتقاء التسجيل إلى التداخل في حياة الشخصيات، مجسِّداً ما كان لهذه الأغاني من تأثير في بشر تلك الأحقاب.
في العنوان الذي ينبض ويبزغ ثيمةً وضوءً في منعطفات الرواية، تقود صبح تشويقها الشاعري، بدءاً من لحظة اختناق الصدر الأولى في طائرة الهجرة، مروراً بالحب والتحولات في المنفى، إلى نهاية اختناق الصدر بالتفكير في مصير ابنة العاشرة التي لا ذنب لها سوى تعقيدات أبيها التي صنعتها، والتي تدفعه للتفكير فيما فعل، والندم على ما فعل عندما تغنّي معبّرة عن احتجاجها على تخلّي الأب، واحتياجها إلى وجوده بجانبها، الأغنيةَ التي تولّد دفء الأمل من جليد قلب اليأس ونار الفرح من ظلمة الأحزان:
«افرح يا قلبي
يا فرحة القلب الحزين لو صادق الخِلّ الأمين
بعد التمنّي والحنين يبلغ مناه ويّا الحبيب. افرح يا قلبي».
وفي النهاية المفتوحة على احتمالات الواقع الافتراضي، تعود الرواية بالقارئ إلى ما حدّدته الراوية تقريباً في فقرات إهدائها التي لم تأخذ شكل الإهداء وإن أخذت عموم تكوين الرواية، إلى إدوارد سعيد، في معالجته لمعنى الوطن ووجوده في الكتابة بالنسبة لمن فقد وطنه، ومعالجته للمنفى الذي لا يزول ويتأجج دائماً بإحساس الفقد، والتساؤلات الوجودية حول المنفى إن كان «مقولة الجغرافيا ــ مقولة التغيير في المكان ـــ فحسب؟ أم هو التباسٌ قسريٌّ على مستوى السيكولوجيا، وشرخٌ في الوعي، ومن ثم تحوّلٌ في الرؤية إلى الذات والعالم؟ ومعالجته للموسيقى التي: «تعطيك الجمالَ لتهرب من الحياة من ناحيةٍ، وأن تفهم الحياة بشكل أعمق».
وفي تداخلات كل ذلك، لكشف أبعاد انقسامات الذات ومحاولات ترميمها بالفن، تنشئ صبح عوالم روايتها، بالتقاط وخلق عائلة إبراهيم الأب، الفاتن النسونجي، وزوجته التي يضربها ويعاملها بدونية تعكس جميع أمراض الذكورية الشرقية، التي تصيب النساء بأمراض نفسية ليس أقلّها وهم التوازن بمن يضطهدهنّ، وسط مجتمع ديني يعيش على عقائد يفسّرها بما يحقق مصالح الذكور والمستبدّين فيه. وتحاول صبح قلب هذه التفسيرات بإبراز ما يناقضها من إيجابيات في هذه العقائد، وإبراز ما يحمل التراث الإسلامي من إيجابيات احترام الإنسان واختلافه، باعتدال لا يتطرف إلى معاداة الرجال، مع التقاط وخلق أولاد إبراهيم، المختلفين بين اليساري النبيل، والممسوح الشخصية بالأب، والخارج عن طبيعة الأب، والفنان المسالم الذي يصور الحرب حتى المرض منها. وهناك المثْليّ الذي يغيب في عالم اختلافه، والمتطرّف الديني الذي يصل تطرُّفه إلى قتل أخيه اليساري، وإرهاب نساء العائلة بمعتقداته المشوَّهة عن الدين.
وتتابع صبح تطوّرات شخصيات هؤلاء الإخوة بعمق يعيد إلى الأذهان رائعة دوستويفسكي «الإخوة كارامازوف»، بخصوصية معالجة صبح للعائلة العربية في ظل صراع الهويات، مستخدمةً كما يفعل دوستويفسكي التحليل النفسي بمتابعةٍ ودراسةٍ عميقةٍ وعيشٍ إلى درجة التقمص للشخصيات. وتأسر قارئها ببلورة أعماق شخصياتها وتطوراتهم ومآلات مصائرهم، مضيفةً سجلات عن الموسيقى والصوفية والأغاني والتراث، تزيد الرواية غنىً بارتقائها إلى التداخل في حياة الشخصيات، ومضيفةً سجلاً عن الطبيعة وما تحفل به من جمال وعلاقات متشابكة مع تكوين إنسانها.
علوية صبح: «افرح يا قلبي»
دار الآداب، بيروت 2022
352 صفحة.