يخشى السياسيون في العراق من اتساع رقعة الاحتجاج أو دخول جهات ترى بأنها تحاول استغلالها لمصالحها. وفي خطوة لامتصاص أزمة المحتجين، خصّص مجلس النواب جلسة تداولية لمناقشة مطالب المتظاهرين التربويين.
بغداد ـ «القدس العربي»:لم يستبعد سياسيون عراقيون أن تفتح التظاهرات التي نظّمتها الكوادر التربوية في العراق، للمطالبة بتحسين مرتباتهم ومخصصاتهم المالية، شهيّة بقية شرائح المجتمع العراقي الناقمة على أداء أحزاب السلطة في البلاد، الأمر الذي يُنّذر بتوسيع دائرة الاحتجاج وإعادة مشهد أكتوبر 2019.
وتنشغل الحكومات المحلية والبرلمان بتهدئة الكوادر التدريسية التي بدأت احتجاجاً وإضرابا عن الدوام في عدد من المدارس العراقية، في مناطق وسط وجنوب البلاد، خصوصاً إنها تزامنت مع قمّع مفرط لقوات الأمن، أفضى إلى سقوط عدد من الإصابات، فضلاً عن سلسلة اعتقالات طالت الناشطين في الحراك الاحتجاجي، جرى تسوية ملفاتهم فيما بعد.
ويرجّح الوزير العراقي السابق، زعيم تحالف «مستقبل العراق»، باقر الزبيدي، أن تشهد البلاد «موجة إضرابات قادمة»، محمّلاً اقتصاديات الأحزاب السياسية مسؤولية التحكم بالوزارات والمؤسسات الحكومية حسب أهوائها.
الزبيدي ذكر في بيان صحافي إنه «تزداد المطالب الحقة التي تطلقها فئات من المجتمع العراقي، والتي كان آخرها إضراب شريحة المعلمين المطالبين بالإنصاف»، معتبراً أن «هذه المظاهرة السلمية التي تطالب بالحقوق هي مؤشر جيد على وجود حالة ديمقراطية يعيشها العراق بعد أن ظل سنوات تحت حكم الدكتاتورية التي كانت تقمع أي صوت مطالب بالحقوق».
لكنه أشار إلى أن «في الأفق هناك مطالب أخرى؛ منها مطالب توحيد سلم رواتب الموظفين، ومطالب الخريجين بمختلف الاختصاصات، والتي تهدف الى إيجاد فرصة عمل، بالإضافة إلى مطالب عدد من المحافظات».
ورأى الزبيدي أن «السبب الرئيسي لهذه المطالبات هو وجود فجوة كبيرة جدا بين رواتب الموظفين في الوزارات العراقية المختلفة، وعلى سبيل المثال فإن حامل شهادة البكالوريوس في وزارة التربية يتقاضى نصف ما يتقاضاه موظف بنفس الشهادة في وزارة النفط إن لم يكن أقل من ذلك».
وحسب السياسي العراقي فإن «وزارات مثل الكهرباء والنفط والخارجية أصبحت حكرا على (اقتصاديات) بعض الأحزاب توظف فيها التابعين لها ما خلق طبقية واضحة في دوائر الدولة»، لافتاً إلى أن «الشعب العراقي وصل اليوم إلى حد الانفجار بسبب السياسات التي طبقها بعض الأحزاب الفائزة في الانتخابات وجعلت الدولة ومواردها تصب في جيوب فئة واحدة، بينما تعاني بقية فئات الشعب من الغلاء وعدم وجود الخدمات».
وأفاد بأن «الانتخابات القادمة على الأبواب وما زال البعض يصر على نفس الأسلوب والنهج، وهؤلاء سوف يعاقبون بشدة من قبل المواطن ولن تنفع عمليات التزوير وشراء الذمم في صعود هذه الأحزاب»، حسب رأي الزبيدي.
ووسط ذلك، أصدر جهاز المخابرات العراقي، بيانا صحافياً نفى من خلاله تقريرا متداولا منسوبا إلى الجهاز، يتضمن تحذيرات من اتساع التظاهرات في العراق خلال العام الحالي من بينها احتجاجات المعلمين.
وقال الجهاز في بيانه، إنه «تداولت بعض منصات التواصل الاجتماعي تقريراً نُسب إلى جهاز المخابرات الوطني حذّر من اتساع التظاهرات في بعض المحافظات العراقية خلال العام الحالي بفعل مؤثرات خارجية، وأشار إلى أن إضراب الملاكات التربوية في (6 نيسان/ أبريل الجاري) كان جزءاً من ذلك التحذير».
وأضاف أنه «في الوقت الذي ينفي الجهاز علاقته بهذا التقرير جملة وتفصيلاً، يؤكد على أنه ملتزم بالعمل وفق السياقات الدستورية والقانونية وضمان الحريات العامة والتعبير عن الرأي».
ودعا الجهاز وسائل النشر إلى «توخي الدقة في تداول مثل هذه التقارير التي تحاول تضليل الرأي العام والحذر من محاولات التشكيك بمهنية مؤسسات الدولة الوطنية بمختلف مسمياتها».
ويخشى السياسيون في العراق من اتساع رقعة الاحتجاج أو دخول جهات ترى بأنها تحاول استغلالها لمصالحها.
زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، يقول في «تدوينة» له، «نتضامن مع مطالب التربويين وموظفي الخدمات والعمال والحقوقيين في تعديل رواتبهم، وندعو إلى إصلاح شامل ومركزي لسلم الرواتب بما يراعي قدرات الدولة».
وأضاف: «نؤكد على سلمية التظاهر ورفض الاحتكاك بالأمن، فقد وصلت الرسالة ونخشى استغلال التظاهرات من أصحاب الأجندات السلبية»، من دون أن يحدد أصحاب هذه الأجندات.
في مقابل ذلك، تصطفّ المرجعية الدينية الشيعية في النجف، مع مطالب المحتجين، غير أنها تشترط في الاحتجاجات أن تراعي النظام العام.
رجل الدين الشيعي البارز محمد اليعقوبي، قال في ردٍ على استفسار بشأن تظاهرات الكوادر التربوية، إن «المرجعية الدينية تطالب بالعدالة الاجتماعية وتقف مع إنصاف جميع المواطنين، ويجب على المواطنين مراعاة القوانين وتجنب الإخلال بالنظام الاجتماعي العام وقطع الطريق على من يريد بهذا البلد سوءاً من الأعداء في الداخل والخارج».
وتابع: «وذلك بأن تناقش أي مطالب أو مشاكل من قبل ممثلي المحتجّين مع لجان مختصة من مؤسسات الدولة ذات العلاقة للنظر فيها والخروج بنتائج تطابق حقوق وواجبات الجميع».
وفي خطوة لامتصاص أزمة المحتجين، خصّص مجلس النواب جلسة تداولية عقدها برئاسة محمود المشهداني رئيس المجلس لمناقشة مطالب المتظاهرين التربويين.
وفي مستهل الجلسة، تلت لجنة التربية النيابية بيانا تضمن جملة من المطالب المشروعة التي نادت بها شريحة التدريسيين والتربويين، مشيرة إلى التحديات المتراكمة التي أثرت على القطاع التربوي والذي يشكل ركيزة أساسية للإنسان والعلم وينعكس سلبا على العملية التربوية برمتها والأجيال القادمة، مؤكدة حرص لجنة التربية على العمل بجد لمعالجة هذه الاحتياجات ومنها حماية المعلمين والمشرفين التربويين العاملين من التهديدات وتخصيص قطع الأراضي لهم، داعية مجلس النواب والحكومة إلى الاستجابة للمطالب المطروحة والاستجابة لمقترح اللجنة بمضاعفة الخدمة للعاملين في المناطق النائية واحتساب سنوات الخدمة المجانية للمحاضرين وحسم ملف العقود.
وأوصت لجنة التربية «إلزام الحكومة في الإسراع بإرسال قانون الخدمة المدني الاتحادي وسلم الرواتب لتشريعه وتقديم مقترح تعديل قانون وزارة التربية لإدراجه في جلسات مجلس النواب، وتعديل أحكام قانون حماية المعلمين والمدرسين والمشرفين والمرشدين التربويين لسنة 2018 المتعلقة بتحسين المستوى المعيشي وتوفير السكن الملائم للعاملين في القطاع التربوي، واتمام إجراءات التعديل الخاص بمضاعفة الخدمة التربوية وزيادة المخصصات المهنية الواردة في قانون وزارة التربية رقم 22 لسنة 2011 بنسبة 100 في المئة من خلال تعديل القانون ومفاتحة رئاسة الوزراء بإدراج فقرة تثبت أصحاب العقود في جداول الموازنة لسنة 2025».
وأكد رئيس مجلس النواب «التزام السلطة التشريعية بالدفاع عن شريحة التربويين والتدريسيين وحقوقهم المشروعة، وإرسال التوصيات المطروحة من قبل لجنة التربية إلى مجلس الوزراء»، لافتا إلى أهمية «عودة الملاكات التعليمية إلى الدوام الرسمي ومواصلة التعليم».
وفي ذات الموضوع طالب عدد من النواب، بضرورة «انصاف التدريسيين والمعلمين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة وتحقيقها على أرض الواقع»، محذرين من «مغبة عدم الاهتمام بمطالبهم وانعكاسها على الجانب التربوي».