الأحلام… والكوابيس

حديث طويل لو تركت نفسي لما رأيت من أحلام أو كوابيس في رحلة الحياة. الأحلام في حياة البشر نوعان، أحلام يقظة وأحلام في المنام لا حيلة لصاحبها بها، فهو لا يفكر فيها واعيا بها ولا يعرف متي ستزوره. أحلام اليقظة في الأغلب تمنيات يفكر فيها الشخص الذي يبذل جهودا عظيمة في حياته، يتمنى بعدها أن يكون في وضع أفضل.. بينها حنين قد يأخذ الإنسان إلى اشتياق لحبيب أو حتى صديق قديم، فيراه أمامه في الطريق، أو في المقهى، أو في قطار يركبه. ومنها ما هو وهم لخصه الأدب الشعبي في أبيات الشعر العابرة للزمن «دق الهوا ع الباب قلت الحبيب جاني.. أتاري الهوا كدّاب بيدق بالعاني».
قصص الحب أكبر باب لأحلام اليقظة والمنام، وكل محب حقيقي مرّ بها. في حالة هجر الحبيب يزداد الحنين ويشتعل، رغم أن اللقاء يمكن أن يحدث بعد التمني وينتهي بالفراق أيضا، فقد صارا من عالمين مختلفين. سألت نفسي كثيرا عن معنى ذلك ولم أجد تفسيرا، إلا أن الكون يحقق للإنسان صادق المشاعر ما يتمنى. لقد حدث معي كثيرا أن تذكرت شخصا فرَّقت بيننا الأيام والعمر والانشغال، فوجدته يدخل المقهى حيث أجلس. مع التقدم في العمر رحت أزيح من أمام وجهي الحنين للنساء لأني سأراهن صرن عواجيز مثلي، بينما الذاكرة تحتفظ بجمالهن القديم فليظلوا كما هنَّ. أفعل ذلك بنفسي وأضحك. لا أريد أن أدرك أن الزمن قد مرّ ولا معنى للحنين، أو أنه خداع. في طفولتي وصباي وشبابي، كانت الأحلام تسعدني، لكن طبعا تفزعني الكوابيس. كنت أحيانا أنهض صارخا فتأتي أمي مسرعة تحتضنني، وتقوم بعمل رُقية لي بيدها على رأسي، وتقول لي لا تخف ولا تنم بعد العشاء مباشرة، فالطعام الذي يملأ المعدة هو السبب. حتى الآن لا أعرف ما علاقة الطعام بذلك، وإن كنت رأيت أن ذلك صحيح بالتجربة، وأدركت معنى المثل «اتعشي واتمشى».
في كل الأحوال لم أشغل نفسي بالأحلام والكوابيس إلا بعد أن عرفت طريقي للكتابة القصصية، كنت أيقنت أن الأحلام هي بنت الرغبات المكبوتة في اللاشعور، بعد أن قرأت مبكرا كتاب «تفسير الأحلام» لسيغموند فرويد. صدقته وأنا ابتسم لأني تذكرت يوما في طفولتي كيف طلبت من أبي أن يشتري لي «بيجامة» أعجبتني وأنا أسير معه إذ رأيتها في أحد المحلات، فقال لي سأشتريها آخر الشهر، أي حين يحصل على راتبه. نمت في المساء ونسيت طلبي فحلمت أني أركب الترام ويمرّ عليّ المحصل أعطيه قرشا صاغ. كان ثمن التذكرة ثمانية مليمات، يعيد المحصل للراكب ورقة صغيرة قيمتها اثنين مليم كنا نسميها بواقي، وحين تتجمع أربعة منها نعطيها للمحصِّل، فهي تساوي ثمانية مليمات ثمن التذكرة. طبيعي أن يعطيني المحصِّل ورقة البواقي، لكنه في الحلم أعطاني البيجامة بدلا عنها! صحوت سعيدا أضحك. وتذكرت كيف في السادسة عشرة من عمري، كنت اجتهد في تعلم اللغة الإنكليزية بنفسي، فبالإضافة للدراسة في المدرسة، كنت اشتري الروايات الإنكليزية المُبَسَّطة للفتيان، وأقوم بترجمتها في كراس صغير مستعينا بمعجم كبير، وأكتب في أول صفحة «أيها القارئ هذه ترجمة شاب صغير فاغفر له أخطاءه» يا خسارة، كل هذا ضاع مني. لكن المهم ما دمنا نتكلم عن الأحلام، فإني كثيرا ما كنت أحلم، في ذلك الوقت، بالإنكليزية، واستيقظ في الصباح أضحك.

مع مرور الزمن قلّت الأحلام والكوابيس، ليس لأن حالة الرضا أكثر، لكن لأن شيئا من العبث تمدد في رؤيتي لما حولي، وشعور عادي جدا، بسؤال ماذا تريد بعد أن كتبت ما كتبت.. لا شيء.. الوطن هو ما أردت له أن تتحقق الأحلام ولم تتحقق.

ما حدث معي جعلني أحب كتاب «تفسير الأحلام» لفرويد ولم انشغل بتفسيرات أخرى لكارل يونج مثلا رغم قراءتي له. حاولت متأخرا أن أقرأ كتاب «تفسير الأحلام» لابن سيرين لكني أغلقته بعد عدة صفحات، لم أفهم شيئا. المهم حدث لي حلم غريب وأنا في الثالثة والعشرين من عمري، كنت نشرت أول قصة قصيرة لي ولم أكن قرأت يوسف إدريس. أعطاني أحد الأصدقاء بعض مجموعاته القصصية، قرأتها فأخذني إلى عالمه العجيب حتى إني رأيته في المنام يمليني قصة قصيرة. استيقظت بعدها ابتسم ثم أكملت نومي قائلا لنفسي أكتبها في الصباح. استيقظت في الصباح فوجدت نفسي نسيتها تماما، ليس مهما أن أحكي ما حدث بعد ذلك، وكيف توقفت عن الكتابة عاما حتى اتخلص من وطأة يوسف إدريس على روحي، ولا كيف حين كتبت ذلك بدأت علاقتي الطيبة به، التي امتدت حتى وفاته. المهم أني أدركت أن الأحلام لا تُؤجَّل كتابتها، فصرت حين استيقظ بعد الحلم اكتبه ثم أنام. صرت أعرف أني سأستفيد منه في قصة أو رواية. الأمر نفسه مع الكوابيس.

يوما نشرت ثلاث أو أربع قصص قصيرة جدا بعنوان «ما تبقى من الأحلام» ثم صرت أؤجل نشرها فقد تدخل في رواية جديدة. الأمر نفسه مع الكوابيس التي كانت ليس من العشاء والنوم، لكن من قلق الحياة الثقافية الذي أوصله إلى قلبي، عدد من الكتاب الحاقدين المتنفذين في السلطة، الذين دأبوا على قطع عيشي في كل مكان لربع قرن تقريبا، ولم ينقذني إلا أني كنت أرى العالم واسعا فسيح الأرجاء وأستمر، بالإضافة للحياة السياسية من حولي بما فيها من آثام. لا تبتعد عني الكوابيس فأكتبها وأنا أضحك قائلا، حتى الكوابيس سأستفيد منها يوما وقد كان. كابوس واحد داهمني ذات ليلة لوقت طويل. قمت مفزوعا فكتبته كله كأني أراه أمامي، فشغل عدة صفحات. رأيته لا يمكن تأجيل نشره، انتهيت مع الصباح من كتابته وتناولت قهوتي وتركت البيت إلى صحيفة «الأهرام» معي الصفحات التي أعطيتها عنوان «تحت المظلة 2000» لأن العام كان عام 2000، والرؤيا رغم رعبها سيريالية ذكرتني بقصة نجيب محفوظ «تحت المظلة» التي كنت قرأتها في الستينيات.
لن أحكي أكثر، مع مرور الزمن قلّت الأحلام والكوابيس، ليس لأن حالة الرضا أكثر، لكن لأن شيئا من العبث تمدد في رؤيتي لما حولي، وشعور عادي جدا، بسؤال ماذا تريد بعد أن كتبت ما كتبت.. لا شيء.. الوطن هو ما أردت له أن تتحقق الأحلام ولم تتحقق. هل نسيت الحلم، الكابوس الذي ظهر لك فيه في الغرفة شرطي وأمرك أن تخرج أحلامك من روحك تضعها على المنضدة، وكيف سخرت منه وفعلت ما يريد، فأمرك الشرطي أن تشعل فيها النار فضحكت وقلت ما هي إلا أوهام، وأشعلت فيها النار فأمسكت بك وصرت تحترق والشرطي يضحك. إنهم حتى لا يريدون الأحلام. ما كتبته تجد صداه بين القراء أحب ما في الوجود لك ككاتب، لكن لماذا حقا تراجع الوطن إلى درجة أن الحقائق صارت أوهاما، والأوهام صارت حقائق. من هنا تشغل أحلام اليقظة المساحة الأكبر الآن.
مؤكد تتمنى لأبنائك وأحفادك السعادة ولزوجتك، لكن هذا أمر اعتيادي لكل الآباء. إنك تعرف لماذا لم يوفق ابنك في عمله، أو حتى في حياته الزوجية إذا حدث، لكنك لا تعرف أبدا لماذا لم يتقدم الوطن، رغم كل ما حلمت له وتمنيت. في الحقيقة تعرف وتأخذك القوة وتكتب، لكن كالعادة لا أحد ممن يقومون بهذا التأخير للوطن يستمع. إنهم حتى لا يتركون لك الأحلام فيأتونك في المنام لتحرقها. تجد نفسك ابتعادا عن اليأس تدخل منطقة النسيان، يصبح الماضي هو حلم يقظتك، رغم ما مرّ به من آلام، لكن يوقظك منها كاتب أو إعلامي يقول بخيانة المثقفين، وهو ليل نهار يسبح بحمد من خربوا الأوطان وحرقوا الأحلام، لكن رغم كل ذلك فحين يحاصرك اليأس لا تنتهي رغبتك دون أن تدري، ولا يدري حارقو الأحلام، في الحياة.

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية