التجاوزات على حقوق الإنسان وتسييس القوانين مثل المساءلة والعدالة وقانون مكافحة الإرهاب والتمييز على أساس طائفي في تطبيقها، بالإضافة إلى عدم التوازن في مؤسسات الدولة العراقية والاعتقالات العشوائية وعدم تقديم عشرات الآلاف من المحتجزين السنة إلى القضاء حتى بعد مرور سنوات على احتجازهم، وبينهم نساء، وعوامل أخرى استدعت خروج العرب السنة في المحافظات ذات الكثافة السنية باحتجاجات واسعة واعتصام في ساحات المدن الكبيرة طيلة عام 2013.
لم تستجب الحكومة المركزية التي كان يرأسها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لمطالب العرب السنة، بل على العكس من ذلك استخدم القوة في إنهاء الاعتصامات ما ولد رأيا عاما في المجتمع السني يتلخص في تعرضهم للاستهداف على أساس الانتماء الطائفي.
في الحقيقة، فشل المجتمع السني في التمحور حول إطار مؤسساتي جامع في الوقت الذي يمتلك فيه الشيعة مؤسسة دينية مركزية قادرة على التعبئة السياسية بالاتجاه الذي يخدم مصالح الطائفة.
بعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011 شهدت البلاد نوعا من الاستقرار الأمني الذي أطاحت به سياسات الحكومة المركزية الاقصائية واتجاه العرب السنة إلى تبني خيار التجمع السلمي المكفول وفق الدستور العراقي.
لا تبدو الاحتجاجات الراهنة قريبة من مطالب العرب السنة التي أعلنوا عنها خلال فترة الاعتصامات.
وإذا كانت مطالب المحتجين فيها الكثير من المشتركات التي تهم العرب السنة بما يعطي انطباعا بعراقية هذه الاحتجاجات إلى حد ما، لكن للعرب السنة مطالبهم الخاصة التي لا تشمل الشيعة والتي أيضا غابت عن مطالب المحتجين في بغداد والمحافظات الأخرى، مثل إطلاق المعتقلين والمعتقلات في السجون العراقية، وإلغاء المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، وإعادة التوازن في شغل المناصب السيادية بمؤسسات الدولة.
واجهت احتجاجات العرب السنة حملات اعتقالات وتصفيات لقادة المجتمع، وحملات قمع عسكري في عدد من الساحات أسفرت عن مقتل العشرات واعتقال المئات في معالجة حكومية خاطئة خلقت نوعا من الرفض الشعبي للحكومة المركزية التي لم تتعظ بتجربة معالجات نوري المالكي في التعامل مع الاحتجاجات الراهنة.
لم تدع المرجعية الدينية الحكومة المركزية لتلبية مطالب المعتصمين العرب السنة في ساحات المحافظات السنية طيلة عام 2013 وهي مطالب اعترف مسؤولون حكوميون في تلك المرحلة بأن معظمها مشروعة على صلة بالخدمات الأساسية التي يتوجب على الحكومة تقديمها أو تحسينها.
قد لا يبدو موقف المرجعية من حالتين متشابهتين في الأسباب التي دعت للاحتجاج واختلاف الانتماء الطائفي للمحتجين مستغربا أو مؤثرا في الاستماع لصوت المرجعية وتوجيهاتها لدى العرب السنة الذين هم أصلا بعيدون عن هذا؛ لكنها فقدت بعض مكانتها المعتبرة لدى نسبة من العرب السنة، وهو ما تكرر في الحالة الراهنة طالما ظلت المرجعية بعيدة عن خندق المحتجين.
إلا أن المرجعية على ما يبدو تداركت الأمر بعض الشيء في خطبة الجمعة 11 تشرين الأول/أكتوبر عندما طالبت الحكومة بالتحقيق والكشف عن المسؤولين عن قتل المحتجين خلال أسبوعين، وهو الموقف المتقدم على موقفها في خطبة الجمعة السابقة التي أيدت بعض ما يتعلق بمطالب المحتجين في توفير الخدمات والحد من البطالة ومكافحة الفساد من دون الالتفات إلى الانتهاكات التي تعرض لها المحتجون الذين تعدى عدد القتلى منهم المئة شخص بينما تشير بعض التقارير إلى إصابة أكثر من 4000 محتج واعتقال المئات منهم.
لم تستطع الحركة الاحتجاجية في المحافظات السنية الانتقال بالحركة إلى ربيع عراقي على غرار ثورات الربيع العربي التي شهدتها بلدن عربية عدة عام 2011 لفشلها في ادماج المكون الشيعي ضمن الحركة الاحتجاجية، أو أن الشيعة أنفسهم رفضوا الاندماج بالحركة لاعتبارات تتعلق بالخشية من عودة السنة إلى السلطة من جديد، وهو الأرجح.
ولاعتبارات مختلفة فشلت الحركة الاحتجاجية الراهنة من ادماج العرب السنة ضمن دائرة الاحتجاجات لأسباب تتعلق بخشية العرب السنة من تعرضهم ثانية للقمع على يد الحكومة المركزية.
في بدايات الحركة الاحتجاجية السنية كانت هناك ثمة مطالب تخص عامة العراقيين، وهي سهلة التحقيق مع توفر الإرادة لدى الحكومة المركزية التي أصرت على عدم الاستجابة لهم بتعنت واضح اتخذ شكلاً دموياً في أحداث الحويجة.
رفع المحتجون سقف مطالبهم إلى إسقاط العملية السياسية مع اعتماد آليات عمل الحركة نفسها والاصرار على سلميتها، وهو ما أدى إلى التفاف قطاعات شيعية واسعة حول الحكومة الاتحادية التي أوحت لهم بأنّ إسقاط العملية السياسية يعني عودة البعث وسيطرة الإرهابيين الذين “سيقتلونكم جميعاً”. كما أدى إلى الانقسام البيني في جسم الحركة بين خيار السلمية وخيار المواجهة المسلحة إلى تأجيج الصراع على صنع القرار بين تيارات الحركة، وهو ما أدى إلى اضعافها إلى الحدّ الذي يمكن القول بنهاية فاعليتها وحيويتها بعد أحداث الحويجة مباشرةً مع بقائها بشكل روتيني يوحي فقط باستمرارها.
وتكرر فشل الحكومة المركزية برئاسة عادل عبد المهدي في الاستجابة لمطالب المحتجين الذين بدأوا احتجاجاتهم بمطالب خدمية ومكافحة الفساد ليرتفع سقف مطالب تيار مهم منهم إلى المطالبة بإسقاط الحكومة والعملية السياسية بالكامل.
أدى سوء الأداء الحكومي وتردي الخدمات الأساسية في عموم العراق إلى حالة من عدم الرضا استدعت في مرات عدة احتجاجات واسعة في جميع المحافظات العراقية، بما فيها العاصمة ومحافظات إقليم كردستان.
بعد هزيمة تنظيم “داعش” وخسارته مناطق سيطرته ساد شعور في الأوساط العراقية، وأيضا الدولية، بان مرحلة جديدة من بناء الدولة ستباشرها الحكومة العراقية التي أعلنت النصر على التنظيم في كانون الأول/ديسمبر 2017 بقيادة رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي الذي قاد المعركة ضد التنظيم بصفته القائد العام للقوات المسلحة.
كما ان الاحتجاجات السنية لم تجد لها صدى في المحافظات الشيعية، فان الاحتجاجات الشيعية الراهنة لم تجد صدى لها في المحافظات السنية ما يعكس حقيقة الخلل في البنية المجتمعية لعموم المكونات العراقية، بمن فيهم الأكراد الذين ظلوا بعيدين عما يجري في المحافظات السنية وبعدها المحافظات الشيعية.
لكن في كل الأحوال، فان الاحتجاجات الحالية أكدت رفض سياسات الهوية الطائفية السائدة طيلة سنوات ما بعد الاحتلال حيث خلت تقريبا من الشعارات الخاصة التي تستهدف المكونات الأخرى.
ومن المستبعد ان يفكر العرب السنة بالخروج إلى الساحات ثانية في محافظاتهم أو الانخراط في الحركة الاحتجاجية الشيعية فيما لو عاد المحتجون للتظاهر ثانية.
سيظل العرب السنة مشغولون بهموم تخصهم وحدهم للتصدي للمشاكل التي خلفتها حرب السنوات الأربع في محافظاتهم ضد تنظيم “الدولة” وما نجم عنها من خراب ودمار وتبعات ذلك في العمل على إعادة الاعمار وتأهيل البنية التحتية للخدمات الأساسية وعودة النازحين والمهجرين قسرا إلى مناطقهم حيث يغيب الهم السياسي تقريبا لدى معظم المجتمع السني.